هل يمكن لتخطيط المدن.. أن يساعد في منع الحروب؟

صورة خالد بشير
كاتب أردني

59
عدد القراءات

2017-12-10

شوارع المدينة جزء من شبكة معقدة نتفاعل معها يومياً، ومع ذلك، فإنّ أكثرنا لا يعير اهتماماً لملاحظة كيفية مساهمتها في تشكيل حياتنا. وهو ما يجدر بنا الالتفات إليه، خاصة إذا ما علمنا بأنّ أكثر من نصف البشرية يعيشون اليوم في بيئات حضرية، بما يجعل التشكيلات الحضرية جزءاً جوهرياً من تجاربنا اليومية؛ حيث إنّها تؤدي دوراً أبعد من مجرد توفير أماكن للسكن، والعمل، والتسوق، ملامسةً أعماق حياتنا الحديثة، إلى درجة أنّ هيئة المدينة وتشكيلها قد تكون سبباً لإشعال أو إنهاء حرب.

ليس هذا اكتشافاً وفكرة جديدة بالنسبة للمعماريِين المقيميْن في اسطنبول: إيليف، وكان سوكوغلو؛ فمنذ دراستهما في معهد جنوب كاليفورنيا للعمارة، قبل عقد من الزمان، سعى الزوجان في تطوير مشاريع ومبادرات عدة، تمحورت حول استخدام الفضاءات العامة. ومنها: أنهما قاما بوضع صناديق كرتونية بسيطة، مع علب طاولة الزهر، في حي East Village  بنيويورك، في مسعى منهم لإحياء ممرات المشاة الجانبية. كما عمِلا مستشارَيّْ تصميم في أنظمة المواصلات العامة في مناطق أخرى من الولايات المتحدة.
اسطنبـول
وعند عودتهما إلى إسطنبول، شرَعَ الزوجان في تحويل خبرتهما هذه إلى الاستخدام العملي، في المدينة التي تحتاج إلى استجابات فعالة مستعجلة، لتلبية الأسئلة الحضرية الملّحة. وأول المشاريع التي قاما بها بعد عودتهما هي استحداث تطبيق جديد لمساعدة السياح والسكّان على التجوال في متاهات اسطنبول (كالجراند بازار)، ومن ثم مشروع إعداد خرائط متخصصة لمدينة أنطاليا السياحية، تقوم فكرته على تثبيت أماكن من قبل السكان والزائرين، على خريطة المدينة؛ حيث تشير إلى أفضل أماكن الاستجمام، والطعام، والتسوق.
ويدير الزوجان اليوم مكتب تصميم وعمارة، في حي بشكتاش باسطنبول؛ حيث يخوضان معركة مع  التوجهات التركية التقليدية في العمارة، ومع الحكومة التي أخذت تحوّل المساحات الحضرية الخضراء الى مناطق تجارية استثمارية، إضافة إلى مضيّها في نشر الرموز العثمانية الجديدة. يقول سوكوغلو: "لقد كانت أوقاتاً ممتعة، عندما بدأنا في العام 2011، على الرغم من مواجهة صعوبة في إقناع الناس بفكرة أنهم بحاجة لمساعدة معمارية وتصميمية". ويضيف: "لقد كان هناك الكثير من الاستثمارات المتجهة إلى قطاع الإنشاءات، وكانت لدى الناس آمال في إيجاد أشياء جديدة مختلفة. كان الأتراك في الخارج يعودون إلى وطنهم، مع توقعات لديهم بأنّ هناك أشياء جديدة تحدث للمرة الأولى في أعمارهم، ولكن هذا الشعور تبدّد ولم يعد موجوداً الآن".
في العام 2013، اندلعت هنا، في اسطنبول، مظاهرات عارمة معارضة للحكومة، تصدرت عناوين الأخبار والصحف العالمية. وقد جاءت على إثر إقرار الحكومة خطة التنمية الحضرية في منتزه جيزي؛ حيث نزل الملايين للشارع، وكان الزوجان في قلب الأحداث. ولكن، بقدر ما ظهرت الأعداد غفيرة على شاشات التلفزة، بقدر ما كان المنظمين للاحتجاجات أقلية.

أعمال إعادة التطوير في ميدان تقسيم، عام 2016

يوضح المعماريان كيف تؤثر فينا السلوكيات والتوجهات المتبعة في تخطيط الفضاء المديني المحيط بنا، وذلك من خلال مثال التعامل مع الواجهات البحرية والسواحل للمدن في تركيا، والذي كان قد تأثّر بعاملين تاريخيين؛ فعبر قرون، وفد الملايين من المهاجرين إلى المدن التركية الرئيسية، قادمين من أواسط الأناضول، والذين لم يسبق أن كانت لديهم أية علاقة مع مسطحات مائية، كتلك المحيطة بالمراكز الحضرية التركية الرئيسية على السواحل (مثل: اسطنبول، وإزمير، وأنطاليا، ومراكز حضرية أخرى واقعة حول البحر الأسود، وبحر إيجة، والبحر المتوسط). أما العامل الثاني: فمع غمر السيارات شوارع المدن التركية خلال الخمسينيات، والحاجة لبناء شبكة طرق تستوعبها، ونتيجةً للمعالم التاريخية والطبيعة الجبلية في المدن، كانت الأماكن الأنسب لبناء الطرق، هي على امتداد السواحل، وهو ما أدى إلى الحد من قدرة السكان على الوصول للمياه والشواطئ، والتي هي من أفضل أماكن الترفيه والاستجمام العامة، المتوفرة والمتاحة للجميع، وبذلك تحولت الواجهات البحرية -بسبب سوء التخطيط- إلى مجرد شيء للنظر فقط، غير قابل للتفاعل معه، والانتفاع منه.
كانت هذه هي الهوة التي سعى الزوجان إلى جسرها؛ حيث جاءت من المثال أعلاه فكرة أحد أهم المشاريع التي اشتغلا عليها، وهو تصميم وإنشاء مجسمات إبداعية طافية لتمكين سكان المدينة من التفاعل مع البحر، في إزمير، والتي تعتبر إحدى المدن التركية الأكثر تقدماً. يقول الزوج: "لقد رأينا أنه سيكون من المفيد البحث عن وسيلة جديدة للتفاعل مع المياه".
تبلغ مساحة هذه المنصات الخشبية أربعة أمتار مربعة، ويتم حمايتها من مياه البحر المالحة من خلال طليها بزيت الساج، كما ويمكن تجميعها ونقلها بكل سهولة. هذه المرونة هي التي قادت المشروع، إلى الفوز بالمرتبة الثانية في مسابقة صحيفة الغارديان لليوم العالمي للمدن، قبل سنتين.

المنصات الخشبية الطافية في إزمير

وعلى الرغم من ذلك، فقد ثبت أنه من الصعب الحصول على الدعم من السلطات المحلية لهكذا مشاريع؛ حيث أحبطت طريقة التفكير المحافظة عند المخططين الحضريين ومسؤولي البلديات في إسطنبول جميع المحاولات لجلب فكرة المنصات الخشبية إلى المدينة، وهي التي يتجاوز اليوم عدد سكانها الـ 15 مليون نسمة، ويحيط بها ثلاث ممرات مائية رئيسية. يقول سوكوغلو: "لقد فعلت كل ما يمكن فعله، ولكن هذه المنصات تسقط أمام البيروقراطية التركية".
كابــول
في العام 2012 زار سوكوغلو وإيليف كابول، للسياحة، وأيضاً بغرض معاينة الجدران الإسمنتية الضخمة - التي شُيّدَت لحماية العسكريين الأجانب والطواقم الدولية - وكيف أعاقت وحدّت من قدرة السكان على الحركة والتنقل داخل مدينتهم، وكيف أسهمت بالتالي في تفشي حالة انعدام الأمن والعنف التي أصابت أفغانستان خلال العقد الأخير.

إيليف وكان سوكوغلو

تقول إيليف: "لقد كانت كابول ذات يوم مدينة مؤهلة وصديقة للمشاة، ولكن الآن اختلف الحال". وتضيف: "لقد غيرت الجدران والحواجز مظهر المدينة لتصبح مناسبة للسيارات، وبخاصة تلك المُصفّحة، وهو ما أدى إلى تقطيع أوصال المدينة. وهكذا، فإن أصحاب الأموال هم الذين يتحكمون في تخطيط المدينة؛ ما يريدونه هو التنقل بسرعة عبر المدينة، وعلى هذا الأساس يخططون".
في السنوات التالية لغزو العام 2001، أصبح فشل السلطات الأفغانية في معالجة الازدحامات ومشاكل الوصول في كابول سبباً للغضب بين سكان المدينة. كما أدى قيام السفارة الأمريكية بإغلاق كافة الشوارع المحيطة بمجمّعها، وهو ما نتج عنه إعاقة السكان عن الوصول إلى أسرهم، وجيرانهم، والأسواق، إضافة إلى ترحيل الباعة المتجولين، كل ذلك أدى إلى مفاقمة المشاعر المعادية للتواجد الأجنبي في المدينة، بين السكان.
ومع حلول العام 2006، وتحت ضغط السياسيين من كافة التيارات، أمر حميد كرزاي وزارة الداخلية بإزالة العشرات من نقاط التفتيش عبر المدينة. حيث أمهل الحكومات والمنظمات الأجنبية أسبوعاً واحداً لإزالة حواجزهم. وبالطبع فإن القرار كان له تبعات أبعد. وهناك مثال، يجعل إيليف تبتسم عند ذكره، وهو أن كبار الشخصيات الأجنبية التي موّلت مشروع إعادة ترميم حدائق بابور التاريخية، تم منعهم - للأسباب الأمنية - من الوصول إلى الموقع بعد الانتهاء من الأشغال فيه. تقول إيليف: "ما تدركه هو كيف أن الجميع عُزل عن الحياة بسبب تلك الجدران التي تفصل ما يسمى بـ "المنطقة الخضراء" عن سائر المدينة، حيث أوجدت فئتين منفصلتين في المدينة".

الكيفية التي تتم بها إعادة بناء المدن، والمستخدمة من قبل المجتمعات الساكنة لها، تساهم بشكل فعّال في عملية صناعة السلام

لقد قادتهما تجربتهما في العاصمة الأفغانية إلى كتابة مقال مشترك، نشر مؤخراً بعنوان: "بناء السلام من خلال العمارة"، والآتي من وحي زيارتهما لكابول. تفترض الورقة، والتي عرضاها في مؤتمر عُقِدَ في مدينة أتلانتا الصيف الماضي، بأن الكيفية التي يتم من خلالها إعادة بناء المدن، والمستخدمة بعد ذلك من قبل المجتمعات الساكنة لها، تساهم بشكل فعّال في عملية صناعة السلام، أو على العكس من ذلك، تكون سبباً لتعزيز الصراع. يقول سوكوغلو: "إن كنت تمنح إمكانية وسهولة التنقل في المدينة فقط لأصحاب السيارات، فإنك بذلك تحدّ من  قدرة الٱخرين على أداء أعمالهم، وممارسة التواصل الاجتماعي".

ويذهب سوكوغلو إلى أبعد من ذلك في هذه النقطة؛ معتبراً بأن اعتماد الحواجز والفواصل في إعادة التخطيط، ينتهي بشبكة شوارع سيئة ورديئة. وهكذا، فإن تخطيط الحركة الموجَّه لخدمة السيارات أكثر منه إلى المجتمعات، يؤدي إلى زيادة العزلة، والتي بدورها تعزز الخوف من الآخر. ويضيف: "هذا ما أطال أمد العنف المدمر في بيروت، وبغداد، وأماكن أخرى عبر الشرق الأوسط، في العقود الأخيرة". "حتى مجرد ملامسة الأكتاف مع شخص آخر أثناء السير، أو ببساطة مجرد تحيته، يقلل من الخوف. أنت تشارك الآخرين في المكان، إذاً أنت تشاركهم في الحياة. إنه لأمر هام للغاية أن يتم تأسيس وخلق فضاءات ومساحات حضرية مشتركة في أعقاب الصراعات، ويجب أن يكون أحد النقاط الأساسية في عملية بناء السلام".
حلب وما بعدها
في مدن تعيش الآن مخاض الاضطرابات والصراعات، كحلب وحمص في سوريا، حيث الحرب مستمرة هناك منذ أكثر من خمس سنوات، وقد أتت على أحياء بأكملها ودمرتها، سوف يترك الصراع، عند نهايته، سجل أعمال فارغ، والذي من خلاله يتم تحديد مستقبل هيئة وتخطيط هذه المدن. حيث تقرر الكيفية التي يتم من خلالها إعادة إعمارها إذا ما كان العنف هناك سيستمر، أو سيغدو أمراً من الماضي.

صورة للمباني المهدمة في حمص

في أغسطس الماضي تم إطلاق مشروع بدعم من الأمم المتحدة، يهدف لتطوير وإعادة إعمار أجزاء من سوق مدينة حمص القديم، والذي أصابه الدمار نتيجة للاشتباكات العنيفة في السنوات الماضية. وتمّت المساهمة في المشروع من قبل الحكومة السورية.
لم تواجه معظم المدن التركية مثل هذا الخطر في العقود الأخيرة، ربما باستثناء بعض المناطق والأحياء في المدن الكردية جنوب شرق تركيا، ولكن من المؤكد أنّ خطر الصراع يتحرك تحت السطح؛ يقول سوكوغلو: "إسطنبول تتحول إلى مدينة أكثر ازدحاماً، وبسبب ذلك أرى الناس يصبحون أكثر عدوانية. إنّ ذلك يُعزى الى الازدحامات وعدم قدرة نظام المواصلات العامة على مجاراة الزيادة السكانية. المدينة أصبحت أكثر توجيهاً بواسطة المال والاستثمارات، ولم يعد تخطيطها مبني على أسس وقواعد تصميمية".
يمكن اعتبار الصراع الذي اندلع قبل ثلاث سنوات، على مساحة حضرية (منتزه جيزي)، والذي تسبب في إشعال أكبر المظاهرات المناوئة للحكومة خلال العقد الماضي، مؤشراً مهماً؛ فلم يكن دافع أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع وعبّروا عن غضبهم متعلقاً فقط بمجرد منتزه، وإنما بمدى العمومية، ومدى إتاحة الوصول، للأماكن الترويحية والترفيهية في المدن.

أنت تشارك الآخرين في المكان إذاً أنت تشاركهم في الحياة

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال عمليات إزالة الشوارع التاريخية، ليتم تحويلها إلى أماكن مخصصة للمقاهي والمطاعم الفاخرة، مستمرة وفي تزايد، حيث تم تغيير هوية 100 منطقة قديمة في اسطنبول، تماماً كما حدث في مدن شرق أوسطية أخرى. وتعلق إيليف على ذلك بقولها: "إنها عمليات متاجرة بالإرث التاريخي". وتضيف: "جميع الأبنية القديمة يتم إعادة تحديثها بطريقة، تحافظ على الواجهات الخارجية فقط قديمة، ولكن ليس الداخل، والذي يتم تحويله إلى أماكن مخصصة للأغراض التجارية". إنها تتحدث عن الأحياء السكنية العديدة التي تم تحويلها إلى أماكن سياحية، وأماكن مخصصة للتسوق، لتستجيب للزيادة المتنامية في أعداد السياح المتجهين للمدينة؛ لأن ذلك ما يبحثون عنه ويطلبونه.
ويعترف سوكوغلو وإيليف أن هناك بالطبع جانباً آخر من القصة؛ فهُما لا ينكران أنّ تحديث الأحياء التاريخية في المدن التركية والشرق أوسطية قد أدى إلى إيراد المزيد من الأموال للمشاريع المحلية، والتي يتم بعد ذلك ضخّها في الاقتصاد المحلي. وبأنها قد خلقت بيئة أكثر حيوية ونشاطاً في الأحياء. يقول سوكوغلو: "قبل عشر سنوات، لم يكن هناك أحد ليمشي في شوارع اسطنبول بعد السابعة مساء، وبمجرد اكتشاف الناس أنه من المسلي التواجد وإمضاء الوقت في الشارع، اتخذت هذه الشوارع أسلوبها وطابعها الخاص. ثمة عودة الآن إلى مجتمعات وحياة الشوارع الضيقة".
"يمكنك رؤية هذا في بيروت، والتي هي ربما المدينة الأكثر حيوية في الشرق الأوسط، وحتى في مدن الخليج، تستطيع رؤية هذا التحول - بالرغم من حرارة الجو - مع ظهور سلسلة من الأماكن المخصصة للمشاة على امتداد الواجهات الساحلية للمدن. يبدو أنّ دبي تحاول اليوم التخلص من صورتها باعتبارها مدينة السيارات، لتجعل سكانها يخرجون للمشي في الشوارع". 
تستقبل اسطنبول اليوم ما يقارب الـ 350,000 نسمة إضافية كل عام، وهو رقم أكبر بكثير مما تستقبله مدن عالمية كنيويورك ولندن، وهو ما يعني أنه من المتوقع والطبيعي أن تطغى الوظيفة والحاجة في عملية التخطيط على حساب التشكيل والتصميم. ولكن، من كان يظن فقط قبل ست سنوات، أن مدن سوريا، وهي الدولة التي اعتبرت طويلاً واحة للسلام والاستقرار، ستكون مدمرة اليوم بسبب الحرب؟ في منطقة قد قررت الصراعات والنزاعات الاستقرار فيها، فإن التخطيط الأنسب للمدن، الآن، وفي المستقبل، قد يحفظنا من الذهاب إلى أفغانستان أو سوريا أخرى جديدة.

ستيفان ستار – عن موقع esquireme.com

اقرأ المزيد...

الوسوم: