هل يخرج أردوغان من أزماته عبر صياغة دستور جديد لتركيا؟

هل يخرج أردوغان من أزماته عبر صياغة دستور جديد لتركيا؟

مشاهدة

06/04/2021

تطرح دعوة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى وضع دستور جديد للبلاد، جملة من علامات الاستفهام، حول غايته من ذلك، ففي الوقت الذي صرّح فيه أردوغان، أنّه يريد تأسيس دستور مدني، ترجّح آراء أنّ الأخير تستقر لديه أهداف أخرى، تتماهى مع حالة البلاد الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن تشكك أحزاب المعارضة في دوافعه الحقيقية، قبل حلول الانتخابات الرئاسية في العام 2023.

كمال أوغلو: إنّ حكومة لا تحترم الدستور المعتمد، لا يمكنها صياغة نص أكثر ديموقراطية، فقد يؤدي هذا المشروع، إلى تعزيز النزعة السلطوية

 

أردوغان سبق وأجرى في العام 2017 مراجعة للدستور المعمول به في تركيا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبموجب هذه المراجعة التي أُقرت، إثر استفتاء شعبي، انتقلت تركيا من النظام البرلماني، إلى النظام الرئاسي، الذي منح رئيس الدولة صلاحيات واسعة.

وفي الانتخابات الرئاسية والتشريعية في العام 2018، أعيد انتخاب أردوغان، غير أنّ  حزبه "العدالة والتنمية"، لم يحظ بالغالبية المطلقة، التي تسمح له بالحكم منفرداً، الأمر الذي صاغ علاقات السلطة في تركيا حالياً، من خلال تحالف "العدالة والتنمية" مع حزب الحركة القومية .

محاولة الخروج من الأزمات

زعم أردوغان، في خطاب أمام الكتلة البرلمانية لحزبه "العدالة والتنمية"، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي، أنّ الدستور الذي يهدف إلى وضعه، "سيكون أول دستور مدني في تاريخ الجمهورية التركية"، وهو الأمر الذي أكّده وزير العدل التركي، عبد الحميد غول، الذي قال إنّ "الدستور الذي يدعو إليه أردوغان، سيكون مدنياً وديموقراطياً".

بيد أنّ المعارضة كان لها رأي آخر، حيث قال زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كمال كالجدار أوغلو، إنّ "حكومة لا تحترم الدستور المعتمد، لا يمكنها صياغة نص أكثر ديموقراطية"، لافتاً إلى خشيته من أن "يؤدي هذا المشروع، إلى تعزيز النزعة السلطوية".

ويذهب الكاتب الصحفي التركي، بركات قار، إلى ضرورة النظر إلى دعوة الرئيس التركي، لوضع دستور جديد للبلاد، من خلال إدراك أنّه يبعث برسالة، يزعم من خلالها، أنّه يحكم تركيا، من خلال حقوق الإنسان، وتوسيع أطر الديمقراطية، فضلاً عن كونه بات يدرك مدى الانسداد السياسي التي تواجهه البلاد، وانتفاء المبادرات التي من الممكن أن تنقله، نحو أفق جديد في الحكم، سيما وأنّه ظل يحكم البلاد من خلال هذا الدستور، وما أحدثه من تعديلات عليه، عبر عقدين تقريباً  .

اقرأ أيضاً: أردوغان يرد على بيان الضباط المتقاعدين حول قناة إسطنبول... ماذا قال؟

ويلفت عضو حزب الشعوب الديمقراطي المعارض، أنّه رغم التناقضات الواضحة، بين أحزاب المعارضة في تركيا، إلا أنّها اصطفت جميعاً في جهة واحدة، مقابل حزب "العدالة والتنمية"، وشريكه حزب الحركة القومية، الأمر الذي سبب ارتباكاً واضحاً لرجب طيب أردوغان، وكشف سياساته الخاطئة، سواء في الداخل أو على مستوى السياسة الخارجية .

ويرى بركات قار، في تصريحاته التي خصّ بها "حفريات"، أنّ دعوة أردوغان، لتأسيس دستور جديد للبلاد، ترتكز على هدفين رئيسيين في ذهنية الأخير، الأول؛ يتمثل في محاولاته تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وتفشي الفساد في البلاد، والثاني؛ السعي لضرب صف المعارضة، التي احتشدت هذه المرة ضد استبداده، وقبضته الحديدية على البلاد.

ويختتم  قار، تصريحاته مؤكّداً أنّه يستبعد أن تنخرط أحزاب المعارضة في حوار مع تلك الدعوة، سيما وأنّها تأتي في ظل نظام رئاسي قمعي، يهدف إلى شرعنة السيطرة على البلاد، والبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة .

 

بركات قار: دعوة أردوغان، لتأسيس دستور جديد للبلاد ترتكز على هدفين، الأول؛ يتمثل في محاولاته تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية في البلاد والثاني؛ السعي لضرب صف المعارضة

 

يبدو أنّ ثمة عقبات، على أردوغان أن يتجاوزها، حتى يتسنى له الحصول على موافقة البرلمان، للحصول موافقة 400 نائب من أصل 600، في الوقت الذي يبلغ عدد مقاعد حزبي "العدالة والتنمية" وحليفه "الحركة القومية" 337 مقعداً، مما يشي بصعوبة تحقق غايته عبر البرلمان، في ظل الحضور المهم والطاغي لحزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعوب الديمقراطي، ما قد يدفع الرئيس التركي تجاه اللجوء إلى خيار الاستفتاء الشعبي، في مقاربة لذات التوجه الذي تم اعتماده سابقاً، قبل نحو ثلاثة أعوام.

مناورة سياسية جديدة

من جانبه يذهب الأكاديمي المصري، سامح الجارحي، إلى أنّه ينبغي قراءة تحركات رجب طيب أردوغان، نحو وضع دستور جديد لتركيا، من خلال محاولاته الخروج من الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية، وكذلك أزماته على مستوى السياسة الخارجية، تأسيساً عما هو ثابت عن الرئيس التركي من براجماتية وميكافيلية واضحة، ويمثل ذلك في تقدير الجارحي، المرتكز الرئيس والدافع الأهم، نحو فهم الدوافع الحقيقية، لوضع دستور جديد خلال العام الحالي، بيد أنّ ذلك لا يغض البصر، عن جملة من الدوافع الأخرى، التي تستقر مع عدد من الأزمات التي تواجهها أنقرة في الداخل.

اقرأ أيضاً: تلويحٌ بالانسحاب من "اتفاقية مونترو": هل يغامر أردوغان بالخطوط الحُمر؟

يلفت الباحث المتخصص في الشؤون التركية، في حديثه لـ"حفريات"، إلى أنّ أردوغان يهدف لتحصين نفسه وعائلته، فضلاً عن بقائه في السلطة لأطول مدى، وبالتالي علينا توقع تحركه نحو إلغاء شرط بقاء الرئيس مدتين متتاليتين فقط، الأمر الذي يمهد له النجاح في انتخابات العام 2023 .

 الدافع الثاني في تقدير الجارحي، يتمثل في العمل نحو  تقويض سلطات المعارضة التركية، والتي تحاول تشكيل لجنة دستورية في مجلس النواب، بغية صياغة قانون، أو المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية  مبكرة، والعودة إلى النظام البرلماني، وكل هذه الأمور سوف تتلاشى تماماً،  في حال إقرار دستور جديد للبلاد.

 ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أنّ ثمة دافعاً ثالثاً، وهو إقصاء عدد من قوى المعارضة التركية، سيما حزب الشعوب الديمقراطي، ذو الأيديولوجية الكردية، وذلك بإيعاز من حليفه حزب الحركة القومية، بالإضافة إلى، ذلك سوف يعمل على الحد من صلاحيات عدد من نواب المعارضة، ويفرض ضوابط وقواعد صارمة، من أجل تشكيل الأحزاب السياسية، طبعاً المعارضة، والعمل على منع انتقال النواب من حزبه والأحزاب المتحالفة معه، إلى أحزاب المعارضة.

اقرأ أيضاً: أوغلو يهاجم أردوغان وحليفه... لماذا؟

 وربما يأتي كل هذا لصرف نظر الشعب التركي، عن الأزمات التي تحدث في الداخل، وفي الخارج، وذلك لمناقشة بعض القضايا الأخرى، مثل صياغة دستور جديد، وغير ذلك من الأمور التي يحاول أردوغان المراوغة من خلالها.

الدافع الآخر، هو تقويض صلاحيات الجيش التركي، ومجلس الأمن التركي، وكذا رئاسة الأركان، ووزاره الدفاع، بالإضافة إلى منع ظهور جماعة فتح الله غولن، في المشهد السياسي التركي مرة أخرى، وقد أفصح أردوغان عن نواياه صراحة عندما قال: "نحن نريد صياغة الدستور الجديد لتركيا، غير يعني دستور الانقلابين، من أجل إنهاء سيطرة أهل الوصايا"، وأهل الوصايا في تركيا، هم الجيش، وجماعه فتح الله غولن، التي انقلب عليها أردوغان، بعد ما وصل إلى الحكم.

 الدافع الآخر، هو دافع براجماتي، ينم عن مراوغة أردوغان المستدامة، وهو يحاول إرسال رسالة إيجابية عن تركيا، تركيا الديمقراطية والإيجابية، بزعم وضع دستور ديموقراطي جديد، غير دستور الانقلابات العسكرية المتتالية، وتحسين صورته، وصورة حزب العدالة والتنمية، أمام كافة الأحزاب المتحالفة مع أردوغان، وهي كذلك رسالة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، كما سبق ذلك عده خطوات، منها خطوه المهادنة مع مصر، ودول الخليج، واليونان، والحديث عن تنازلات تركية في شرق المتوسط، وفي الملف الأرميني، وعدد آخر من الملفات، ما يؤكد دوافعه الرامية إلى تحسين الصورة، ومغازلة الإدارة الديموقراطية، وتدعيم سلطته التي باتت تستوجب صياغة دستور جديد.

الصفحة الرئيسية