هل تكفي الانتخابات لإنهاء الانقسام الفلسطيني؟

هل تكفي الانتخابات لإنهاء الانقسام الفلسطيني؟

مشاهدة

06/01/2021

يترقّب الفلسطينيون والعالم، من الرئيس أبو مازن، إصدار مرسوم بإجراء الانتخابات، عقب موافقة حركة حماس على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، بالتتابع، بدلاً من طرحها بالتزامن، عقب جولات محادثات في إسطنبول والقاهرة، امتدت لأشهر.

ورغم الآمال الكبيرة المُعلَّقة من السياسيين والوسطاء على الانتخابات لإنهاء الانقسام، المستمر منذ 14 عاماً، إلا أنّ هناك العديد من القضايا العالقة بين طرفي الانقسام؛ فتح وحماس، فضلاً عن غياب الثقة، والاختلاف الأيديولوجي، وانقسام المؤسسات، خاصة الأمنية، وتناقض العلاقات الخارجية، وصراع النفوذ.

وتأتي العملية الانتخابية، المتوقع من ورائها مشاركة حركة حماس في مؤسسات الدولة الفلسطينية، في ظرف إخفاق تجربة الإسلام السياسي في المشاركة في السلطة، في المنطقة العربية، والرفض الإسرائيلي لسلطة تقودها، أو تشارك فيها حماس، طالما لم تعترف بحقّها في الوجود.

فتح وحماس في لقاء إسطنبول

علاوةً على أزمة رفض حماس الاعتراف بالقوانين والمعاهدات الدولية، التي نتجت عنها السلطة الوطنية التي تريد حماس إدارتها، ما يهدّد بعودة سيناريو المقاطعة الدولية، عقب انتخابات 2006.

يبقى الدافع وراء اللجوء للانتخابات مُعلقاً بحاجة الطرفين؛ فعباس يريد تعزيز شرعيته أمام المجتمع الدولي، وحماس تريد شرعنة وجودها وتعزيزه عبر السلطة الفلسطينية

وهناك مخاوف من دخول حماس في المجلس الوطني، بينما لا تعترف بميثاق منظمة التحرير، ولا الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها. ويزيد من التعقيدات غياب ميثاق واضح يحدّد طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية، والصلاحيات الواسعة بيد رئيس السلطة، والتي لا يمكن تعديلها إلا عبر المجلس الوطني.

المصالحة عبر الانتخابات

تسبّب إخفاق إدارة التجربة الانتخابية الفلسطينية الثانية، لعام 2006، والتي شاركت فيها حركة حماس للمرة الأولى، في حدوث الانقسام الفلسطيني، عام 2007، ما جعل إنهاء الانقسام مرتبطاً بإجراء عملية انتخابية جديدة، بشكل أوسع من المرة السابقة، حيث تتضمن انتخابات الرئاسة والمجلس الوطني.

اقرأ أيضاً: هل تضحّي تركيا بالإخوان وحماس للتقرّب من إسرائيل؟

وكانت حركتا، فتح وحماس، قد عقدتا جولات متعددة لإنهاء الانقسام، على مدار سنوات طويلة، دون نجاح، وعقدتا اجتماعاً لبحث المصالحة، برعاية تركية، في إسطنبول، في أيلول (سبتمبر) الماضي، وتبعتها اجتماعات في القاهرة، توصّلت إلى اتفاق بعقد الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.

المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، د. عماد محسن

واختلف الطرفان حول كيفية إجراء الانتخابات؛ فطالبت حركة فتح بالتوالي، بينما أصرّت حماس على التزامن، قبل أن تتنازل عن مطلبها، وتعلن قبولها بالتوالي، في رسالة خطّية بعثها رئيس المكتب السياسي، إسماعيل هنية، إلى الرئيس أبو مازن.

وأعلنت الرئاسة، في الثاني من الشهر الجاري،  أنّ الرئيس محمود عباس، تسلّم رسالة خطية من هنية، قبل عدة أيام، نقلها له جبريل الرجوب، أمين سرّ اللجنة المركزية لحركة فتح، وبعد الاطلاع على الرسالة، أعطى الرئيس توجيهاته للرجوب بإبلاغ حركة حماس بموافقته على مضمونها.

وأشار بيان الرئاسة إلى دعوة أبو مازن لرئيس لجنة الانتخابات المركزية، حنا ناصر، إلى اجتماع لبحث الإجراءات الواجب اتباعها لإصدار المراسيم الخاصة بالانتخابات وفق القانون.

المتحدث باسم تيار الإصلاح في حركة فتح، عماد محسن لـ"حفريات": "يتردد أنّ حماس وفتح قد تتشاركان في قائمة انتخابية، لكنّ هذا الأمر صعب التحقق

وفي خطاب متلفز، جاء بعد يوم من إعلان الرئاسة، كشف إسماعيل هنية قبول الحركة بإجراء الانتخابات بالتوالي، بعد تلقيها ضمانات من مصر وروسيا وتركيا وقطر.

ووفق الاتفاق بين الحركتين؛ من المنتظر إصدار أبو مازن لمراسم إجراء الانتخابات الثلاثة، على أن تجري في مدة محددة، أقصاها 6 أشهر.

وأشار هنية، في خطابه؛ إلى نية الفصائل عقد اجتماعات تمهيدية للاتفاق على تفاصيل الانتخابات، عقب صدور مرسوم أبو مازن، على أن تُجرى الانتخابات وفق قاعدة التمثيل النسبيّ الشامل.

وأكّد رئيس الوزراء، محمد اشتية، أنّ حكومته جاهزة لوضع الترتيبات لعقد الانتخابات، وذلك في اجتماع الحكومة، في الرابع من الشهر الجاري.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. توتر بين حماس وتركيا ورهانات على التطرف

وحول ذلك، يقول المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح: "العقبة التي تعترض الانتخابات هي إصدار المرسوم الرئاسي الذي يحدّد موعدها، وبعد ذلك يمكن للضغط الدولي والعربي أن يلزم حكومة الاحتلال بألا تمنع مشاركة سكان القدس الفلسطينية في التصويت".

ويتابع عماد محسن، لـ "حفريات": "بحسب ما فهمنا؛ الانتخابات ستحدث بالتوالي، على مدى ستة أشهر، تبدأ بانتخابات المجلس التشريعي، وبعدها بثلاثة أشهر انتخابات رئاسة السلطة، وبعدها بثلاثة أشهر انتخابات المجلس الوطني".

إمكانية التوافق بين فتح وحماس

وعقب عام 2006، حُصرت الخلافات بين فتح وحماس في مسألة الانتخابات، وسادت سرديّة حول وجود اتفاق قبل الانقسام، عام 2007، وهو ما يتناقض مع واقع العلاقات بين الحركتين، منذ تأسيس حركة حماس، عام 1987، التي تبنت أيديولوجية ورؤية لإدارة الصراع مختلفة جذرياً عن خط منظمة التحرير.

اقرأ أيضاً: وثائق تكشف تواطؤ حماس مع الإخوان.. هل تورطت الحركة بالإرهاب؟

وكانت الانتخابات السابقة بمثابة أول اختبار لتشارك الطرفين  في إدارة واحدة، قُتلت سريعاً، بعد أن سفكت الحركتان دماء بعضها، ما يجعل تجربة التشارك في الانتخابات المتوقعة مُحمَّلة بالمخاطر نفسها، طالما ظلت الهوّة شاسعة بين الطرفين، بغضّ النظر عن الإحساس المتبادل بضرورة التكاتف، في ظلّ المتغيرات الإقليمية والدولية الكبيرة.

القيادي بحركة فتح، د. أسامة الفرا

ويقول المستشار القانوني الفلسطيني، سائد الخطيب: "من المتوقع التزام الجميع بالانتخابات، نتيجة الإدراك الشامل لمخاطر الانقسام، لكنّ المصلحة الحزبية والشخصية ما تزال تتحكم بكثيرين، وما يعزز فكرة المصالحة، أنّه لم يبقَ شيء للبكاء عليه، خاصة أنّ المنطقة تتجه نحو حرب إقليمية في السنوات المقبلة".

اقرأ أيضاً: لماذا تتوجس إسرائيل من تقارب العلاقات بين روسيا وحماس؟

إضافة إلى ذلك؛ غابت عن حديث فتح وحماس الأخير مسألة شائكة، تحدّث عنها القيادي في حركة فتح، أسامة الفرا، لـ "حفريات" سابقاً: "هناك مسألة معالجة تداعيات الانقسام، التي طالبت حماس بمعالجتها، جزئياً على الأقل، قبل الانتخابات، بينما طالبت فتح بترحيلها عقب الانتخابات".

لمن منصب الرئاسة؟

ومن غير الوارد أن يتنازل الرئيس محمود عباس عن الترشّح، لأسباب شخصية وحركية، ولم تصدر عن حماس إشارات حول طرحها لمرشح رئاسي، أو غيرها من التفاصيل الانتخابية، التي تحدثت الحركة عن عقد اجتماع للاتفاق عليها، عقب صدور المرسوم الرئاسي.

ومن المرجّح أن تكون الحركتان ناقشتا التفاصيل الخاصة بالانتخابات خلال اجتماعاتهما العديدة، في إسطنبول والقاهرة، خاصّة ردّ الفعل الإسرائيلي والدولي، في ظلّ عدم اعتراف حماس بالمعاهدات والقرارات الدولية، التي قبلت بها أو وقّعتها السلطة الوطنية، منعاً لتكرار تجربة 2006.

 

ويقول المتحدث باسم تيار الإصلاح في حركة فتح، عماد محسن: "من يرغبون بخلافة عباس من قيادات حركة فتح لم يتوافقوا، بالتالي، فإنّ عباس هو مرشّحهم الوحيد، لمنع انفجار خلافاتهم، وأتوقع منافسة قوية له من طرف القيادي الأسير، مروان البرغوثي، ولا أظن أنّ حماس سترشّح أحداً، لكنّها بالتأكيد ستدعم مرشحاً ما، ضمن اشتراطات تقتضيها ظروف التحالفات الانتخابية".

تنافس أم محاصصة انتخابية

ومن المرجّح، بقوة، أن يكون ملفّ نسب المرشحين بين حركتي فتح وحماس على رأس جدول الأعمال بينهما، قبل الشروع الفعلي في الانتخابات، مراعاةً لعدم تكرار تجربة انفراد حركة ما بالهيمنة على المجلس التشريعي والمجلس الوطني.

اقرأ أيضاً: إسرائيل غاضبة من تعاظم القدرات العسكرية البحرية لحماس

ويعزز ذلك؛ أنّ الانتخابات المنتظرة لا ترقى لعملية ديمقراطية حقيقة، نظراً لعدم إيمان حماس بالتعددية، ووجود مصالح شخصية وحركية داخل فتح، وخوف الطرفين من هيمنة أحدهما على الآخر، أو توظيف العملية السياسية لتعزيز نفوذه.

ويبقى الدافع وراء اللجوء للانتخابات مُعلقاً بحاجة الطرفين؛ فعباس يريد تعزيز شرعيته أمام المجتمع الدولي، وحماس تريد شرعنة وجودها وتعزيزه عبر السلطة الفلسطينية، وكلاهما يقف أمام ضغط شعبي لإنهاء الانقسام، وتحسين حياة المواطنين، إضافة إلى الضغط العربي والدولي، والمخاطر الكبيرة التي تهدّد القضية الفلسطينية.

وحول ذلك، يقول عماد محسن: "البعض يردّد أنّ حماس وفتح قد تتشاركان في قائمة انتخابية، وتوزعان بينهما عدداً من المقاعد، لكنّ هذا الأمر صعب التحقق، والتنافس سيكون حاداً، وسيقاتل الجميع على كلّ صوت".

اقرأ أيضاً: مرضى بحزب الله وإيران.. وحماس أيضاً

ويردف بالقول: "لا أظن أنّ فصيلاً واحداً سيتمكّن هذه المرة من تشكيل حكومة بمفرده، الاستقطاب حادّ في الشارع الفلسطينيّ، وهناك قوى صاعدة، والجمهور الفلسطيني ملّ من هول ما رأى في أعوام الانقسام، وبالتأكيد فإنّه يتطلع إلى رؤية وجوه جديدة".

ويضيف المستشار القانوني، سائد الخطيب: "من الصعب أن يحدث اتفاق على قائمة واحدة بين فتح وحماس، ومن الممكن أن تتفق فصائل منظمة التحرير على قائمة وطنية، وإذا أرادت قيادتا الحركتين إيصال رسالة للعالم بالوحدة، وقتها قد نرى قائمة واحدة تجمعهما".

ما بعد الانتخابات

ووفق ما سبق؛ يبقى الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات عدّة، سواء بصدور مرسوم الانتخابات، أم حول ما بعد الانتخابات، إذا نجحت فتح وحماس في الوصول لذلك، نتيجة عدم معالجة الخلافات الجوهرية بينهما، حتى اليوم.

وحول إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية، في ظلّ الانقسامات الكبيرة، خاصّة في المؤسسات الأمنية، والعلاقات الخارجية لحماس بإيران، يقول سائد الخطيب: "لم يبقَ خلاف بين فتح وحماس إلا من خلال التلاعب بالألفاظ، فحركة فتح تريد الثوابت الوطنية، وحماس تريد الشيء نفسه، لكن بأسلوب الهدنة طويلة الأمد، والاكتفاء بدولة غزة".

ويردف سائد الخطيب: "لو تحدّثنا عن التنسيق الأمني نجد أنّ حماس تلعب بهذا الملف الأمني من خلال الوسطاء، ولذلك فالفجوة واسعة إعلامياً، لكنّها عند المطلعين قريبة جداً".

ويضيف المتحدث باسم تيار الإصلاح في حركة فتح: "يمكن معالجة التباعد في رؤى الفصائل من خلال برنامج حكومي خدماتي، بعيداً عن الاختلافات السياسية، فالأحزاب تناضل من أجل الحرية والاستقلال، بينما تنصبّ جهود الحكومات على تقديم الخدمة للجمهور".

ومنذ إعلان قيام السلطة الوطنية، شهدت فلسطين إجراء الانتخابات الرئاسية مرة واحدة، عام 1996، والتشريعية مرتين، عام 1996، وعام 2006، ولم تشارك حماس في الانتخابات الأولى.

الصفحة الرئيسية