هكذا تتم صناعة "الإسلام الفرنسي"

هكذا تتم صناعة "الإسلام الفرنسي"

مشاهدة

27/11/2019

لم تكن قضية تمثيل المسلمين في فرنسا أمام السلطات الفرنسية، أو قل أمام صناع القرار، تثير القلاقل السياسية والدينية والاجتماعية، وحتى الاقتصادية، كما أصبحت تثيرها منذ حوالي عقد من الزمن، وبيان ذلك أنّ عدد الفاعلين المعنيين بالتمثيلية تضاعف، وتضاعفت معه حساباتهم السياسية والأيديولوجية، سواء تعلق الأمر بالفاعلين داخل فرنسا أو في الخارج.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟
يتعلق الأمر بداية بالفاعلين في الخارج، مع ما يُصطلح عليه هناك بثقل "إسلام القنصليات"؛ أي تدخل دول عربية في تدبير ملف الإسلام الفرنسي، عبر طلب وساطة فرنسية، كما هو الحال مع طلب قصر الإليزيه من المغرب المساهمة في تكوين أئمة فرنسيين؛ حيث تخرّج أول فوج منذ ثلاثة أشهر من معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، بالعاصمة الرباط، بعد تكوين علمي دام ثلاثة أعوام، أو عبر وجود صراع قديم ومتجدّد بين دول المنطقة العربية والشرق الأوسط على المساهمة في تدبير الإسلام الفرنسي، والحديث عن صراع مغاربي بين المغرب والجزائر، وصراع مغاربي شرق أوسطي، بين المغرب والجزائر من جهة، وتركيا وقطر من جهة ثانية.

طلب قصر الإليزيه من المغرب المساهمة في تكوين أئمة فرنسيين حيث تخرّج أول فوج منذ ثلاثة أشهر

ومما زاد المشهد تعقيداً؛ دخول الفاعل الإسلامي الحركي، عبر تيار الإخوان المسلمين، وبالتحديد الفرع الفرنسي للتيار، على الخط، وليس صدفة أننا أصبحنا نقرأ في الآونة الأخيرة، إصدارات وملفات في مجلات فكرية تتطرق للمشروع الإخواني في فرنسا، مع أنّ هذا الموضوع كان لا مفكّراً فيه من قبل، بل وصل الأمر منذ بضعة أسابيع فقط، إلى صدور كتاب بعنوان "التقية: كيف يُخطط الإخوان المسلمون لاختراق فرنسا"، وألّفه الكاتب والإعلامي محمد صيفاوي، المعروف بمواقفه النقدية ضدّ الحركات الإسلامية منذ عقدين، على الأقل، وليس منذ بعض أشهر أو بضعة أعوام.
في إطار مأسسة عمل التمثيلية الإسلامية، ومباشرة بعد تأكّد فوز الرئيس الليبرالي، إيمانويل ماكرون، بكرسي الرئاسة، في انتخابات 7 أيار (مايو) 2017، لن ينتظر هذا الأخير كثيراً حتى يُعلن عن الانخراط النظري في مشروع "صناعة الإسلام الفرنسي"، بنكهة ليبرالية غير مُعلنة؛ حيث أحال هذه المهمة ذات النفس الليبرالي على خبير اقتصادي بالتحديد، وليس خبيراً في الدراسات الإسلامية، أو باحثاً في الفلسفة، أو علم الاجتماع الديني، وما شابه ذلك، ويتعلق الأمر بالباحث الاقتصادي حكيم القروي، فرنسي من أصل تونسي، الذي خرج للوجود البحثي في موضوع "الإسلام الفرنسي" من خلال تقريرَين بارزَين:
أــ في غضون أيلول (سبتمبر) 2016، عامان بالضبط قبل تقرير "صناعة الإسلاميين"، صدر لحكيم القروي عن معهد "مونتاني"، وهو مركز أبحاث ليبرالي في فرنسا، تقريراً بعنوان: "هل ثمة احتمال لصُنع إسلام فرنسي؟".

اقرأ أيضاً: نداءات في ألمانيا: المسلمون غير آمنين!
ب. يتعلق الأمر بتقرير صادر عن المعهد الفرنسي نفسه، يتضمن مقترحات للتصدي للظاهرة الإسلامية الحركية، أو بحسب الاصطلاح الذي جاء في عنوان التقرير "صناعة الإسلاميين"، من خلال هيكل يسهر على تنظيم وتمويل ممارسة الديانة الإسلامية في فرنسا ومكافحة أكبر للخطاب الإسلامي الحركي على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد توقف التقرير عند "مصانع إنتاج الأسلمة"، سواء تعلق الأمر بالتيار الإخواني أو التيار الوهابي أو الإسلاميين الأتراك، إضافة إلى التشيع المرتبط بأحداث 1979 في إيران.
وجب التذكير هنا، بأنّ المشروع الإخواني في فرنسا حاضر عبر "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (تأسس المشروع في غضون 1983)، وفي سياق محاولة لتكريس الاختراق الإخواني للمشهد الإسلامي في فرنسا، تمّ في غضون أيار (مايو) 2017 تغيير اسم المنظمة إلى جمعية "المسلمين الفرنسيين"، وهذا تحول متوقع عند متتبع المشروع الإخواني، بمقتضى تأثر رموز التنظيم بأدبيات التقية، ومن هنا أحد أسباب إصدار الكتاب سالف الذكر لمحمد صيفاوي، كتابه الذي يشتغل فيه على مفهوم ومشروع التقية، والتي للمفارقة، تعدّ من القواسم المشتركة بين المشروع الإيراني والمشروع الإخواني في سياق الاشتغال على اختراق مخيال شعوب المنطقة.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
إذا استحضرنا السياق الزمني للتقريرين، سنقرأ دلالات مجموعة من الأحداث التي تندرج في قلاقل "صُنع الإسلام الفرنسي"، سواء كانت صادرة عن صناع القرار، في شخص رئيس الدولة، أو عن المشروع الإخواني في فرنسا الذي ارتفعت أسهمه خلال العقدين الأخيرين بمقتضى تراكم في أخطاء الدولة الفرنسية، وبعض الدول المغربية، خاصة المغرب والجزائر، ومن ذلك أنّ هذه الدول المغاربية، تركت فراغاً منذ عقدين تقريباً، على صعيد تدبير الشؤون الدينية لأفراد الجالية المسلمة، مما شجع بعض التيارات الإسلامية الحركية، سنّية وشيعية، على تعويض هذا التراجع في تدبير القطاع في أفق ما هو متاح، خصوصاً أنّ بعض أجيالها المحدثة في أوروبا لم يكن يربطها بالدين الإسلامي سوى النذر اليسير من المعرفة الممزوجة بمقومات الحياة الأوروبية المعاصرة، بالتالي نمت السلفية والحركات الإسلامية الإخوانية والتيار الشيعي في شقيه؛ الرسالي والشيرازي، بين أوساط الشباب خصوصاً من تلك الجالية، وإلى حدود بدايات 2016، كان التطرف قد بدا ينمو وسط التنظيمات الشبابية المغربية في بلاد المهجر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات
ولأنّه يصعب حصر مُجمل الإشارات والأحداث التي تصبّ فيما نذهب إليه في هذه الجزئية المرتبطة بأخطاء صانعي القرار في المغرب العربي من جهة (وخاصة المغرب والجزائر)، وأخطاء صناع القرار في فرنسا، في معرض التعامل مع المشاريع الإسلامية الأيديولوجية، خاصة المشروع الإسلامي الحركي والمشروع الشيعي، وإن كان هذا الأخير ما يزال أقلية عددية، فإننا نتوقف هنا عند ثلاثة أحداث دالة:
أ ــ يتعلق الحدث الأول بتصريح شهير صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون مفاده أنّ "تنظيم الإسلام بفرنسا سيكون، عام 2018، أحد الورش الأساسية، باعتباره أحد أهم وأقدم القضايا العالقة بفرنسا بما يطرحه ذلك من تعقيدات، مرتبطة بهذه الديانة وكذلك لانتماء مسلمي فرنسا إلى أصول وبلدان مختلفة، وأحياناً متنافسة تضاف إليها بلدان خليجية وإسلامية، ليست لها جالية بفرنسا، لكنّها تريد التأثير على الإسلام بهذا البلد من خلال التمويل بالأساس، إضافة إلى التعقيدات الجيو ــ إستراتيجية المرتبطة بهذه الديانة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في تركيا: جدوى الرهان وأمده
كان علينا انتظار التقرير الثاني الذي أعده حكيم القروي حول "صناعة الإسلاميين"، حتى نُعاين تنظيراً أولياً لما يقصده الرئيس ماكرون بإعطاء الأولوية لورش "تنظيم الإسلام في فرنسا".
وقد استبق رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، أحمد أوغراش، الحدث عبر إعلانه عن وجود "نوايا سيئة" وراء تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون حول إصلاح المؤسسات الإسلامية في فرنسا، معتبراً أنّ "ماكرون يريد طمأنة الشعب الفرنسي للإسلام، ويقول إنّه هو الوحيد القادر على إجراء التعديلات والإصلاحات في بنية المؤسسات الإسلامية ومفهوم الإسلام"، وحجته في ذلك أنّ الأمر يتعلق بـ "دولة علمانية، ويمكن لماكرون، بصفته رئيساً للجمهورية، أن يتقدم بتوصيات فقط في هذا الشأن وتسهيل مهامنا، أما إجراء إصلاحات في المجلس الإسلامي فهذه مهمتنا ومسؤوليتنا نحن فقط".
ومن بين الباحثين الذين انتقدوا مقترحات الرئيس الفرنسي، نذكر الباحث الفرنسي من أصل مغربي، رشيد بن الزين، الذي رأى أنّه من الخطأ التعامل مع واقع الإسلام في فرنسا على أنّه غير منظم.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية
ب ـ يتعلق الحدث الثاني بالاستقبال الرسمي الذي خصّ به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الباحثة الكندية والإمام الدنماركية، شيرين خانكان، يوم الإثنين 26 آذار (مارس) 2018، وكان ممكناً لهذا اللقاء أن يمر بشكل عابر دون إثارة حساسيات المؤسسات الإسلامية في فرنسا، والأحرى المرجعيات الإسلامية الحركية، لو أنّ الأمر يتعلق بباحثة لا تثير قلاقل لدى فقهاء ودعاة الساحة الأوروبية؛ حيث اشتهرت خانكان بإشرافها على افتتاح أول مسجد نسائي بنسبة %100 في أوروبا، في كوبنهاغن، عام 2017، كما أنّها تهتم بتغيير مفهوم الإسلام عن طريق الترويج لإسلام حديث ومنفتح وتقدمي ومعتدل، ومن هنا نقرأ دلالات ما اقترحته خانكان في اللقاء ذاته، من قبيل "عقد مؤتمر كبير يضم الأئمة النساء من مختلف أنحاء العالم، والحاخامات النساء والقساوسة البروتستانت والكهنة الكاثوليك والمثقفين من جميع الأديان".
ومما اشتهرت به خانكان أيضاً، النقد الصريح للمشروع الإسلامي الحركي، سواء في الدنمارك أو في أوروبا، موازاة بالنقد الصريح للمشروع الإسلاموفوبي، المعادي للإسلام والمسلمين، بمعنى أنّها تنتصر لخطاب إسلامي وسط بين مرجعيتين متشددتين؛ الأولى باسم الدين وهي الإسلاموية، والثانية باسم العرق على الخصوص، ضمن محددات أخرى، بما فيها الدين والأيديولوجيا، وهي الإسلاموفوبيا.

دخول الفاعل الإخواني في تدبير صناع القرار الفرنسي لمأسسة العمل الإسلامي هناك ساهم في خلط الأوراق والحسابات

ج ــ يتعلق الحدث الثالث بإطلاق باحث إخواني المرجعية مشروع "استشارة المسلمين" في فرنسا، والتي تمت أساساً خلال شهر رمضان، عام 2018، عبر الإنترنت وفي المساجد، وتضمنت خلاصتها مجموعة من الاقتراحات بشأن تنظيم الديانة الإسلامية وتمثيل المسلمين في هذا البلد، ويتعلق الأمر بمبادرة أطلقها الرئيس السابق لتنسيقية مناهضة الإسلاموفوبيا، محمد مروان، والذي رأى أنّ "الهدف وراء الحملة هو دفع المسلمين للتحكم في مصيرهم بأنفسهم"، موضحاً أنّ الاستشارة "مركزة على ثلاثة محاور، أولها التنظيم المؤسساتي للمسلمين على المستوى الوطني، ثانيها مشاكلهم وقضاياهم (مثل مكانة النساء أو تنظيم الحج)، وآخرها اقتراحاتهم، لا سيما فيما يتعلق بتمويل ديانتهم والجمعيات والمساجد"، وقد قوبلت هذه الاستشارة ذات المرجعية الإخوانية بنقد صريح صادر عن حكيم القروي؛ حيث رأى أنّها تصبّ في سحب البساط عن شرعية مؤسسة "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية"، باعتبارها المُحاور الرسمي للمسلمين للسلطات الفرنسية، وهو ما لا يروق للمشروع الإسلامي الحركي في نسخته الإخوانية؛ بل شكك في "صدقية إحصاءات هذه الاستشارة"، متهماً مروان محمد، ومن يؤيد مواقفه، من التيار الإسلامي أو غيره، بأنّه يحاول زرع الفرقة بين المسلمين في فرنسا والدولة الفرنسية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم
يجب التذكير هنا بأنّ المسكوت عنه في انخراط العقل الإخواني الفرنسي، في موضوع "مناهضة الإسلاموفوبيا" أو "استشارة المسلمين" في فرنسا"، مردّه منافسة صناع القرار على تدبير الملف الإسلامي بشكل عام، وليس صدفة أنّ صدور الدراسة يعقب الإصدار الثاني لهاشم القروي، الخاص بمكافحة التطرف الإسلامي، ولذلك أشرنا سلفاً إلى أنّ دخول الفاعل الإخواني في تدبير صناع القرار الفرنسي لمأسسة العمل الإسلامي هناك، ساهم في خلط الأوراق والحسابات، وهو الخلط المعرض لمزيد تعقيد وإرباك لاحقاً؛ لأننا نتحدث عن صراعات إستراتيجية قائمة، ولا نتحدث عن أزمة أيديولوجية عابرة، لولا أنّ مسلمي فرنسا، يوجدون اليوم في صلب هذه التوظيفات والصراعات.

الصفحة الرئيسية