هذه أبرز محطات الاستيطان قبل "الدولة اليهودية"

فلسطين

هذه أبرز محطات الاستيطان قبل "الدولة اليهودية"

مشاهدة

03/10/2019

ربما كان المؤتمر الصهيوني الأول، الذي التأم في "بازل"، في 29 آب (أغسطس) العام 1897، الخطوة الحاسمة نحو تفعيل الخطط الصهيونية الرامية إلى حلّ المسألة اليهودية، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، عن طريق ضمانات سياسية، نجح من خلالها "هرتزل" في إدخال المشروع الصهيوني حيّز الانفتاح على العالم؛ لاجتذاب أنصار يكون لهم تأثير مباشر، في منح اليهود حقّ الهجرة الجماعية إلى فلسطين. 

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟
لكنّ المؤتمر الصهيوني الأول كان خطوة سبقتها خطوات، على طريق طويل، بدأ قبل نحو قرن من الزمان؛ حيث قدمت الدولة اليهودية نفسها كمشروع أزمة، يمكن توظيفه في أوقات احتدام الصراع الدولي، كرأس حربة نحو استعمار الشرق، وقلب الحقائق الديموغرافية والتاريخية فيه، وفيما يلي أبرز هذه المحاولات:
بونابرت يضع حجر الأساس
كان نابليون بونابرت أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين؛ حيث أصدر في نيسان (أبريل) العام 1799، إعلاناً، إثر فرض الحصار على عكا، دعا فيه يهود العالم إلى الانضواء تحت لوائه، من أجل إعادة تأسيس أورشليم القديمة، في مشهد أشبه بالأساطير التوراتية.

مؤتمر بازل الصهيوني الأول كان خطوة سبقتها خطوات على طريق طويل بدأ قبل نحو قرن من الزمان

والمتابع لمسيرة بونابرت الاستعمارية في المنطقة، يدرك أنّ إعلانه هذا جاء ضمن مناورة سياسية، لتسويغ أهدافه الاستعمارية، وهي مناورة بدأها بإشهار إسلامه في مصر، ونجح من خلالها في توظيف علماء الأزهر، وتطويعهم لإدارة البلاد باسمه، ويبدو أنّه أدرك أنّ توظيف الأزهر كمؤسسة دينية، أدّى فاعلية أتاحت له التفكير في توظيف الأماني اليهودية، بالعودة إلى "أرض الميعاد"، والخروج من أزمة الضغط البريطاني/ العثماني، وفتح الطريق إلى الشرق عبر أورشاليم، من خلال إرباك المشهد السياسي، باستدعاء مفردات صراع تاريخي/ ديني، لكنّ حملة عكا فشلت فشلاً ذريعاً، ما أحبط مخططات بونابرت، الذي سرعان ما عاد إلى بلاده، لمباشرة صراع آخر في المحيط الأوروبي.
كان نابليون بونابرت أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين

دعوة من أتون البلقان
من قلب واقع جغرافي وتاريخي مأزوم، جاءت دعوة الحاخام "يهودا القلعي"، في سراييفو العام 1834، كأول داعية للصهيونية من اليهود، والذي أكد أنّه يجب على اليهود أن يعملوا من أجل العودة إلى فلسطين، موضحاً أنّ ذلك لا يتعارض مع المبدأ الديني، الذي يقرر أنّ العودة ستتحقق على يد المسيح بإرادة إلهية؛ لأنّه يتعين على اليهود، في ظنّه، أن يساعدوا أنفسهم على تحقيق المعجزة الإلهية، كتمهيد لظهور المسيح المخلص، ومن ثم فهذه الدعوة لا تمثل خروجاً على الإرادة الإلهية. 

اقرأ أيضاً: السياحة الاستيطانية: شركات عالمية تتواطأ مع إسرائيل للسطو على التاريخ الفلسطيني
كان القلعي يمنّي نفسه بالخروج من وطأة الواقع البلقاني المشتعل، والذي أصبح مركزاً لبؤرة صراع أوروبي لا ينتهي، ومحطّ أطماع القوى الكبرى، خاصة بعد انتهاء حرب "المورة" باستقلال اليونان، والتي أصبحت فاعلاً رئيساً في محيط الصراع الهوياتي في البلقان، بعد انسحاب القوات التركية من آخر مواقعها في الأكروبوليس، وفي سياق هذا التطاحن الدولي؛ لم يكن أحد يفكر في مصير يهود البلقان، ومن ثم كان مشروع الحاخام اليهودي، يعبّر عن أزمة وجود في واقع مضطرب.

منذ العام 1882 نشطت عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين وغلب عليها الانتماء إلى الطبقات الوسطى

وسرعان ما تلقف الرأسمالي اليهودي، موسى مونتيفيوري، تلك الدعوة؛ حيث نجح، العام 1849، في الحصول على قرار من السلطان العثماني، عبد المجيد، يسمح بموجبه لليهود بشراء الأراضي في فلسطين، وذلك بوساطة بريطانية، وبموجب ذلك تمكّن مونتيفيوري من شراء أول قطعة أرض في القدس، عام 1854.
في تلك الآونة؛ نشطت الدعاوى الصهيونية بشكل متسارع، لتؤسس لمرحلة ما قبل هرتزل، ويبدو ذلك جليّاً في الأدبيات الصهيونية الأولى، ومن أبرزها كتاب "البحث عن صهيون" للحاخام "تسفي كاليشر"، العام 1862، كما تعدّ آراء "موسى هس" مثالاً بارزاً على استجابة عدد من اليهود لفكرة الوطن القومي في فلسطين؛ حيث يؤكّد في كتابه "روما والقدس"، أنّ الحل العملي للمسألة اليهودية ينحصر في إقامة دولة يهودية على ضفتي الأردن، ومن بعد "هس" جاء عدد من المفكرين اليهود، اختلف مقدار ما أسهموا به في بلورة الفكرة الصهيونية، وإن اتفقوا جميعاً على جوهرها الاستعماري.
موسى مونتيفيوري

الحركة المبكرة على الأرض
من الدارج في أدبياتنا التاريخية، القول إنّ حركة الاستيطان الصهيوني بدأت في فلسطين، في أعقاب تصريح وعد بلفور، العام 1917، وإنّ إدارة الانتداب البريطاني سهّلت إجراءات الهجرة الاستيطانية في أعقاب ذلك.
لكنّ واقع الأمر يشير إلى أنّ الاستيطان الصهيوني في فلسطين يعود إلى مرحلة ما قبل هرتزل؛ حيث بدأت الحركات الصهيونية تباشر نشاطها العملي لتهجير اليهود، والتوسع التدريجي داخل فلسطين، في إطار برنامج عمل شامل، مكّنها من تأسيس بضع مستعمرات، منذ العام 1870، وتعاونت في ذلك مع "آل روتشليد"، ففي العام 1878؛ قام بعض يهود القدس بشراء أراضٍ في قرية ملبس، إلى الشمال الشرقي من يافا، تبلغ مساحتها نحو 12 ألف دونم، من مرابيَيْن من سكان يافا وبيروت، هما: سليم قصار، وأنطوان تيان، وأقاموا عليها مستعمرة "بتاح تكفا"، كما اشتروا من الحكومة العثمانية نحو 5000 دونم مصادرة من فلاحي قرية الخيرية، وذلك عن طريق الرشوة، ونجحوا كذلك في استئجار 1500 دونم من الحكومة لمدة 50 عاماً، وكانت كلّ هذه الأراضي تفلَح من قبل الفلاحين العرب، الذين تقدموا باحتجاجات إلى السلطات العثمانية، لوقف تلك الأعمال، وهو الأمر الذي وصل حدّ المقاومة المسلحة، ما أدّى إلى سجن 30 فلاحاً من أهالي الخيرية.

استصدر الرأسمالي اليهودي مونتيفيوري قراراً من السلطان العثماني عبدالمجيد العام 1849 يسمح لليهود بشراء الأراضي في فلسطين

كما نجحت طلائع الحركة الصهيونية في روسيا، العام 1882، في وضع الأساس لمستعمرة "ريشون لتسيون"، في قرية عيون قارة، إلى الجنوب من يافا، كما وضع مهاجرون من رومانيا الأساس لمستعمرة "روش بينا"، في قرية الجاعونة، قرب صفد، في العام نفسه، كما أقيمت مستعمرة "زخرون يعقوب" تخليداً لذكرى والد البارون روتشيلد، والذي كان قد تعهّد بتقديم دعم مالي للمستعمرة، على أراضٍ تابعةٍ لقرية زمارين، إلى الجنوب من حيفا.
ومنذ العام 1882؛ نشطت عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وغلب عليها الانتماء إلى الطبقات الوسطى من يهود روسيا وبولندا ورومانيا، والتي نجحت في استغلال فساد الإدارة العثمانية، التي غضّت الطرف عن تلك التحركات المشبوهة.

 

مغامرة فريدمان لفتح طريق نحو فلسطين
ومن الأحداث المهمة في تلك الفترة المبكرة، ما قام به اليهودي الألماني، باول فريدمان، الذي خرج في أواخر القرن التاسع عشر بمشروع استعماري، يرمي إلى إقامة دولة يهودية في أرض مدين، وهي جزء من فلسطين القديمة، باعتبارها منطقة قليلة السكان، يمكن اتخاذها نقطة وثوب نحو فلسطين، فقام بتجهيز جماعة من اليهود المتحمسين، وجمع لهم المعدات والأسلحة، ودربهم عسكرياً في غاليسيا والمجر، ثم أبحر بهم إلى أرض مدين، العام 1893، وقام بشراء قطعة أرض جهة المويلح، شمال ضبة، على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وهو ما يتعارض مع قوانين الدولة العثمانية، التي كانت تمنع بيع الأراضي في شبه الجزيرة العربية.
أتاح الفساد الإداري العثماني، لمغامرة فريدمان، تقدماً ملحوظاً على الأرض، لكن تسرّع أتباعه في ممارسة نهج استيطاني سريع، والعنف في معاملة أهالي المويلح، لفت الأنظار إليهم سريعاً، فأصدر السلطان أمراً بطردهم خارج الإمبراطورية العثمانية، وهكذا فشلت مغامرة فريدمان، والتي لم يكن لها من أثر سوى تلك العبارة السحرية التي جالت بخاطر هرتزل: "الدولة اليهودية".

الصفحة الرئيسية