نزعة الاغتراب عند الحركة الإسلامية

نزعة الاغتراب عند الحركة الإسلامية


01/06/2020

مع اليقظة المتأخرة للعالم الإسلامي شعر مفكرو الإحياء، في أواخر القرن التاسع عشر، بالأسى والفجيعة بإزاء التدهور الإسلامي مقارنة بالعصور الأولى المجيدة التي تحقق فيها إنجاز المسلمين العظيم، وبات الشعور بالهوة التي تفصل تحقق الإسلام ومجده وبين التراجع الشامل الذي يحيا فيه المسلمون مهيمناً وشاملاً.

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية السودانية وضريبة الانفصال عن الواقع
كان رد الفعل التلقائي على هذا الشعور هو العودة الذهنية والروحية إلى عصر النبي الكريم وصحبه؛ بغية تمثله والعيش على هداه، ومن ثَمّ الانسحاب الكلي أو الجزئي من التاريخ ومن العصر الذي يحمل سمت التراجع الإسلامي، وأعطت المقولة المنسوبة للنبي "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً" مسوغاً مثالياً لكل آمال العودة وأشكال الاغتراب؛ لذا لن يكون اتهام الأصوليين بالتعلق بالفترة الذهبية للإسلام مجدياً دون فهم أسباب ودوافع العودة.
زمن "لكع بن لكع"
يتنبأ الأثر المنسوب للنبي "إن الإسلام ليزأر إلى المدينة كما تزأر الحية إلى جحرها" بانتهاء مسيرة الإسلام الحافلة إلى التناثر والتراجع شيئاً فشيئاً إلى منطلقه ومبدأه في المدينة المنورة. وسواء كان الأثر صحيحاً أو موضوعاً، فإنّ الأحداث التاريخية الجسام جعلت عامة المسلمين يعتقدون أنّ الإسلام يتراجع وأنهم يتقدمون نحو الأسوأ.

 

وكان أفضل من عبّر عن مضمون تلك القناعات هو الإمام محمد عبده، حين خاطب معاصريه قائلاً: "اختلت الشؤون وفسدت الملكات والظنون وساءت أعمال الناس، وضلت عقائدهم، وخَوَتْ عباداتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم على بعض بالشر، وغالت أكثرهم أغوال الفقر، فتضعضعت القوة، واختُرق السياج وضاعت البيضة، وانقلبت العزة ذلة والهداية ضلة، وساكنتم الحاجة، وألفتكم الضرورة، ولا تزالون تألمون مما نزل بكم وبالناس، فهلّا نبهكم ذلك إلى البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم علل ما صرتم إليه وصار الناس إليه" فأجابوه قائلين، كما ورد في كتاب الإسلام دين المدنية والعلم، "ذلك ليس إلينا ولا فرضه الله علينا، وإنما هو للحكام ينظرون فيه ويبحثون عن وسائل تلافيه، فإن لم يفعلوا فذلك آخر الزمان، وقد ورد في الأخبار ما يدل على أنه (آخر الزمان) كائن لا محالة، وأنّ الإسلام لا بد أن يُرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع بن لكع".

 

اقرأ أيضاً: حظر الحركة الإسلامية بنيجيريا يكبح جماح إيران في أفريقيا
ولعل مقولة الإمام، حين سأل عند عودته من أوروبا ماذا وجدت؟: "وجدتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين، ووجدت هنا مسلمين ولم أجد إسلاماً" دالة على إحساسه بانعدام تجسيد المسلمين المعاصرين لحقيقة الإسلام، وبالهوة الواسعة التي تفصل بين المثال الإسلامي وبين الوجود الواقعي لمعتنقيه.
عاش الإسلام غريباً
يشير المفكر العربي فهمي جدعان في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث إلى أنه منذ بدايات التاريخ الإسلامي شعر المسلمون بالاضطراب العنيف بعد أن دفعت حركة الإسلام الاجتماعية إلى الصدارة بالشعور الفاجع بالهوة العميقة التي تفصل بين "حقيقة الإسلام" من جهة و"تاريخه" من جهة أخرى؛ فبرحيل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب دخل الإسلام في عصر جديد تماماً اختفت فيه "الخلافة الراشدة" ليحل محلها الملك الكسروي الذي أدانه الإسلام منذ البداية.

 

والحديث المنسوب للنبي القائل: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" يُلمّح بأن الإسلام لا يمضي في اتجاه التحقق والازدهار، بل يمضي إلى غربته، لكن إذا صحت نسبته إلى النبي فلم يجرؤ مسلم على أن يشهره في تلك المرحلة؛ ففي قرن النبي نفسه قُتل عُمر وعثمان وعلي وبنوه الحسن والحسين وضُربت الكعبة بالمنجنيق؛ كان على التاريخ أن يمضي، وعلى الأوضاع الاجتماعية أن تزداد سوءاً، كي يشعر مسلمٌ بأنه بحاجة لحقبة يمكن تصعيدها كمثالٍ أعلى، بعد أن نزع كل تناقضاتها، ابتعدت بما فيه الكفاية ليعاد تشكيلها في الوعي كـ"خير القرون".

 

هيمن الاعتقاد بأنّ أزمة الأمة الإسلامية كامنة في غياب مشروعية الأنظمة التي تسلب الإسلام سلطة الحكم

ويتقصى جدعان تجليات الشعور بتقهقر الإسلام وغربته بالترادف مع الإحساس العام بالفجيعة والخلل، وهو شعور لم يقتصر على المسلمين المحدثين فقط، بل يمتد ليشمل من كانوا، في ظن المحدثين، عاشوا في عصور المجد الإسلامي؛ فأبو حامد الغزالي الذي عاش في القرن الخامس الهجري امتلك شعوراً حاداً بالانكفاء عن عصر النبي والتراجع عنه دينياً ودنيوياً، لكنه لا يسلّم بالتدهور الشامل للإسلام ولا بتقدمه نحو الأسوأ، لكنه يحصر هذا الانحطاط داخل العصر الواحد.
وبالنسبة إليه فإنه عند نهاية كل قرن يصل دين الأمة إلى حالة من الوهن توجب عملية تجديد وإحياء، ويستند في ذلك إلى الحديث المنسوب إلى النبي "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها".
وصولاً إلى القرن الثالث الهجري كان خيط الإحباط والشعور بـ"وهن الإسلام" متأججاً؛ فالجاحظ في رسالة في النابتة قدّم نظرية في التاريخ مشتقة من الأحداث السياسية يخيم على بنيتها العامة روح التشاؤم إزاء "التقهقر" وإن كان بحكم نزعته الاعتزالية يبعث فيها في النهاية روح الأمل والنضال.

 

يقرر الجاحظ أنّ الإسلام في (القرن الثالث الهجري) انتهى إلى مرحلة "الكفر والتمرد على الله" بعد مرحلتين: الأولى يَسِمُها "التوحيد" وهي عصر النبي بكل فضائله وشمائله، حين كان الدين نقياً منزهاً خالص التوحيد، وكانت جماعة المسلمين موحدة ومتضامنة، والثانية: مرحلة الكارثة والتي افتتحها مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان على مرأى ومسمع من الصحابة، وكرسها مقتل الإمام علي واعتلاء معاوية سدة الحكم وخلفه ممن دشنوا "عصر الفجور" في الإسلام.
ويميز الجاحظ "عصر الكفر" في الإسلام بظهور "النابتة" (مرادف للدعوة السلفية في عصرنا) الذين لم يكتفوا بالسكوت على مظالم الدولة الأموية، وإنما راحوا يسوّغون أعمالها ويكفرون من يتصدى لها بالثورة أو النقد والمعارضة.

 

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية وثمانون عاماً من العنف

وتظهر آثار نزعته العقلانية في رفضه تعليل التقهقر بحتمية إلهية تتحكم في التاريخ والبشر، ويؤكد بدلاً من ذلك أنّ مَن وراء تلك الشرور التي عرفها الإسلام منذ القرن الأول من الهجرة هم بنو أمية، وبعد الإشارة إلى الفاعل الواقعي يستند على المبدأ الخامس من الاعتزال (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليدعو الناس إلى رفض البغي والإطاحة به وعلى عدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام ممارسات "النابتة" واجتثاث شوكتهم وتخليص المجتمع منهم.
غرباء في الجهة الخاطئة
في محاكمة قتلة رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب المصري في 15 أيار 1993 وقف شاب يدعى محمد النجار ينشد قصيدة "غرباء" لسيد قطب ويردد خلفه كورس من أمراء جماعة الجهاد المتهمين باغتيال المحجوب، جسدت هذه اللحظة التاريخية ذروة صعود الصحوة الإسلامية في مصر وقمة اغترابها في الآن نفسه.
"غرباء" الذي رفعته الصحوة كشعارٍ لما بعد النكسة كان تكثيفاً وجودياً بصيغة جمالية لهذا الشعور بالاغتراب، اغتراب "عصبة المؤمنين" في عالم لم يعد يظله الإسلام واغتراب الإسلام في واقع الحداثة التي دُشنت على أنقاض الوعي الديني.

 

قبل أن ينشد النجار قصيدته، بصوته المعجون بالشجن والذي جعل أحمد نبيل الهلالي -الشيوعي- يبكي من التأثر، كان حسن البنا قد رأى، منذ 60 عاماً، في الإسلام أيديولوجيا سياسية بقدر ما هو دين، وقاد أتباعه نحو قطيعة مع التقاليد التي ترسخت على مدار قرون، وفي خطوة غير مسبوقة، وإن كانت ثقافوية ومغلوطة، رد البنا كل علامات "التدهور الإسلامي" إلى غياب الدولة التي تجعل من الإسلام أساس شرعيتها، وهذا ما دفعه لرفع شعار "الإسلام دين ودولة".
اجتهد البنا، كما يقول أوليفيه روا في كتابه تجربة الإسلام السياسي في تعريف الإسلام كنظام سياسي بالدرجة الأولى، وذلك على ضوء أبرز أيديولوجيات القرن العشرين، إلا أنه أضفى طابع الشرعية على هذا التجديد بخطاب حول "العودة": العودة إلى النصوص وإلى الإلهام الأصلي للجماعة المسلمة الأولى.

 

اجتهد البنا، كما يقول أوليفيه روا في كتابه "تجربة الإسلام السياسي" في تعريف الإسلام كنظام سياسي بالدرجة الأولى

حوصر البنا في منطق الواقع وحقائقه؛ فلكي يتمكن المسلم المعاصر من الارتقاء إلى الفضيلة لا بد من وجود مجتمع سياسي إسلامي (مجتمع مسلم بلغة البنا) لكن لن يستطيع مثل هذا المجتمع أن يكون فاعلاً إلا عبر "فضيلة" القادة، وهم لن يخرجوا إلا من مجتمع مسلم، وهكذا لجأ البنا إلى اختصار السياسة في "التبشير الأخلاقي"، الذي سيتأثر به جسد المجتمع لا محالة، لكن المجتمع سيفلت من غطائه الهش، أي إنّ البنا كان يمهد منذ الثلاثينيات إلى إخفاق تاريخي لدعوته وحركته التي تحظى بإمكانية الوصول إلى السلطة لكنها محرومة من غايتها: ابتكار مجتمع جديد.
هيمن الاعتقاد بأنّ أزمة الأمة الإسلامية كامنة في غياب مشروعية الأنظمة التي تسلب الإسلام سلطة الحكم على مجمل الحركة الإسلامية، وعليه كان "الإسلام هو الحل" وكانت مظاهر التحلل من القيم الإسلامية بادية في كل المجتمعات الإسلامية فعلاً، فخلص الإسلاميون إلى أنّ السبب في التراجع غياب الإسلام والإجابة عن الأزمة كامنة حصراً في عودته.
حوصر الأفق الإسلامي بمجمله في المعضلة: إضافة عنصر الإسلام الغائب إلى بقية عناصر المعادلة القائمة في المجتمع ليست كفيلة بتغيير المعادلة، ولم يكن هناك من يعي تلك الحقيقة الصلبة والقاسية مثل سيد قطب؛ فالمشكلة في الأمة نفسها ويجب استبدالها بأمة على "مسطرة" الرعيل المسلم الأول، لكن جذرية قطب تعني ببساطة الانسلاخ عن المجتمع وإدانته وتكفيره والتمترس في جزيرة مؤمنة غريبة عنه: حلت غربة المؤمنين محل غربة الإسلام.
لم يكن لحلٍ طوباوي لهذا أن يسود في الممارسات الإسلاموية إلا على حساب شعبية الحركة الإسلامية وحصار نفسها، فكانت العودة حتمية إلى "قفص البنا": إضافة عنصر الإسلام إلى مجمل المعادلة، ومع كل مرة تتهيأ الإسلاموية لجني ثمار العمل يطل "الإخفاق التاريخي" برأسه، ففي دولة متراجعة حضارياً مثل مصر كان الحل الإسلامي هو: التراجع زائد الشريعة، بنية المجتمع القائم زائد الأجندة الأخلاقوية، هيكل الدولة نفسه زائد واجهة إسلامية، ومن ثمّ تلوين الوضع عوضاً عن تغييره. كان الإخفاق مُضاعِفاً لإحساس القواعد الإسلامية بالغربة وفي الخلفية كان نشيد "غرباء" ملائماً ولئيماً.

الصفحة الرئيسية