ميتسوكو يوشيدا: في البدء كانت الموسيقى

صورة عاصف الخالدي
كاتب أردني

1353
عدد القراءات

2018-05-10

بينما كانت آثار الحرب العالمية الثانية لا تزال تخيم على اليابان، بدأت ميتسوكو يوشيدا تتعلم العزف على آلة البيانو، وفيما كان وقع الحرب ثقيلاً بعد أن خرجت منها اليابان بقنبلتين نوويتين شوّهتا الطبيعة والإنسان، أخذت أصابعها الصغيرة تضغط ببطءٍ على مفاتيح البيانو، كطفلةٍ تكتشف بعض الجمال، وسط التشوهات والبشاعة التي تركتها الحرب من حولها.

من اليابان إلى النمسا

لم تلبث يوشيدا حين بلغت الثانية عشرة من العمر، أن غادرت اليابان إلى النمسا، برفقة عائلتها بعد أن قرر والدها الذي كان يعمل دبلوماسياً في حكومة اليابان مغادرة البلاد.

في فيينا، تحولت يوشيدا من طفلةٍ تتهجى الموسيقى، إلى طالبة تدرس وتتعلم على يد أساتذة مرموقين مثل ريتشارد هاوزر، وويلهلم، وبقيت في فيينا، إلى أن انتقلت إلى لندن عام 1970.

تحاول يوشيدا بناء علاقةٍ مع الاستماع لا تتخللها الضوضاء المرافقة للأصوات التي تنتجها المظاهر الحضارية اليوم

لغة العالم المشتركة

يوشيدا، عزفت لشوبان، وشوبرت، الكلاسيكيين العظيمين، وتقول عن مدى قربها من الموسيقى الكلاسيكية وقدرتها على إظهار جمالها للعالم "الموسيقى الكلاسيكية يجب أن تبدأ مع الإنسان في مرحلةٍ مبكرة من العمر، خصوصاً لو أراد أن يعزفها، هذا يجعله أقدر على فهمها وإعادة إنتاجها".

وترى يوشيدا أنّ الموسيقى الكلاسيكية "بداية دائمة، فالأمر لا يتعلق بقدمها أو اقترانها بعصرٍ معين، إنها جديدة دوماً، كما إنها لغة العالم المشتركة بين البشر،  وصرخة واضحة، تعبر عن الدهشة والجمال والحزن والفرح، وكل شيء".

بناء علاقة مع "الاستماع"

وكعازفة محترفة، وامرأة مهمتها الإبقاء على الجمال والأصوات الجميلة في هذا العالم، وكمعنية بالآلات الموسيقية، تحاول يوشيدا دوماً بناء علاقةٍ مع "الاستماع"، بحيث لا تتخلله "الضوضاء" التي أصبحت صفةً مرافقةً للأصوات التي تنتجها المظاهر الحضارية اليوم، في المدن والأماكن العامة وأماكن العمل وغيرها. ولعل الموسيقى التي يمكنها أن تتحول إلى أي شيء، بمعنى أنه يمكنها أن تحل في الأشياء، وتدفع للتفكير أو التخيل، وتقول شيئاً لمستمعها، أو تدفعه لقول شيءٍ في داخله، ينتج عن المقطوعة الموسيقية بكل هدوء، يختلف تماماً عن الصراخ والعشوائية التي تصدر عن صوت الضوضاء في الحياة اليومية.

في فيينا تحولت يوشيدا من طفلةٍ تتهجى الموسيقى إلى طالبة تدرس وتتعلم على يد أساتذة مرموقين

وكما تبتعد عن الإزعاج في الأصوات، تبتعد يوشيدا عن الإزعاج في كل شيء، الألوان الصارخة، الأدوات الحادة، المكان الذي تسكن فيه، وأشياء أخرى، لا تريدها أن تكون مزعجة. ولعل هذا ما ساعدها على استخلاص فكرتها التي تقول "لا يكفي أنني أعزف البيانو بعمق، ولا يكفي أن يعزف أحد على آلة ما، إن فهم الموسيقى، يستغرق عمراً بأكمله". وتقول يوشيدا عبارتها هذه مشيرةً لفكرة استخلاص الموسيقى من بين كل ضوضاء العالم اليوم.

مع موزارت

وتكشف يوشيدا  من خلال أدائها على البيانو، أن هنالك علاقة بين الموسيقى الداخلية التي تتمتع بها أفكارنا، وكيف يمكن أن تشكل علاقةً عميقة مع الموسيقى الكلاسيكية بتنوعها، شريطة أن يتم تنقية هذه العلاقة من إزعاج المكان والزمان، وضجيجهما.

لكن، أين تبرع يوشيدا بتوضيح وجهة نظرها هذه؟ ربما لا إجابة تصلح، سوى بالاستماع إليها وهي تعزف لموزارت تحديداً. فيوشيدا نالها الحظ، بعد عودة موزارت كاسمٍ مطروح بكثرة في الساحة الثقافية بأوروبا بعد عرض الفيلم الشهير عن حياته "أماديوس" العام 1984، مما أتاح لها الفرصة لعزف شيءٍ من مقطوعاته المغلفة بالسحر.

يوشيدا تعزف لموزارت:

 

 

وحين تعزف يوشيدا لموزارت بالذات، يمكن للأبعاد الأسطورية والسحرية أن تخترق القاعة التي تجلس فيها العازفة برفقة البيانو والفرقة الموسيقية، ويمكن للجمال والعمق أن يسكنا كل الأفكار التي تتقن يوشيدا نقلها إلى المستمع من خلال العزف البارع والمتقن لموزارت. وفي أوروبا يقولون: "اسأل أي شخصٍ عن العازف الذي يفضل الاستماع لموزارت من خلاله، وبالطبع سوف يقول لك: يوشيدا".

على عرش أفضل عازفي البيانو

أما يوشيدا نفسها، الطفلة التي انتقلت من اليابان، حاملةً معها اكتشافها الصغير من بين التشوهات التي أنتجتها حروب بدايات ومنتصف القرن العشرين، أصبحت تحصل على الجوائز في مسابقات العزف العالمية منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ثم نضجت لتكون عازفةً شهيرة تصر دوماً أنها "لا تقف على خشبةِ قاعة العرض لإثبات شيءٍ أمام أحد، إنما تكتفي بانتقاد نفسها لنفسها خلال الأداء، وتترك الموسيقى تنبعث، لتثبت نفسها بنفسها".

حصلت يوشيدا على عدة جوائز في مسابقات العزف العالمية لتتربع على عرش أفضل عازفي البيانو في العالم اليوم

وتعد يوشيدا المولودة قرب طوكيو عام 1948، وتتربع على عرش أفضل عازفي البيانو في العالم إلى اليوم، من أفضل من جعلوا علاقة الموسيقى بالبشر أكثر فاعلية، وهي لازالت تعزف إلى اليوم، بعد أن بدأ العالم منذ عقود يشهد توقفاً في تأليف الموسيقى الكلاسيكية، التي تعبر عن الكثير في حياة الإنسان، دون تصنيف أو تقييم، أو تفريق، إنها تكشف فقط، عن كل المشاعر والحالات، مثلما تتحدث يوشيدا عن "زواج فيغارو" لموزارت؛ إنها "الحزن والفرح والجنون والتجدد والغباء والذكاء"، غير أنها تفتقد لشيئين فقط، هما "الولادة والموت"، فالموسيقى معنية بالحياة نفسها، ففي البدء دوماً، تكون الموسيقى، وربما، قبل الولادة، وبعد الموت.

اقرأ المزيد...

الوسوم: