مونديال روسيا 2018: سعادة وسياسة وجنون

صورة عاصف الخالدي
كاتب أردني

3389
عدد القراءات

2018-06-13

تعرف كواحدةٍ من أكثرِ أنواع السعادة شيوعاً على كوكب الأرض، وهي؛ بجسمها المستدير ككرة لا زوايا فيها؛ مفتوحة على العالم والاحتمالات التي لا تنتهي، ومنذ اللحظة الأولى التي تنطلق فيها صفارة الحكم في أية بطولة أو مباراة، لا تتوقف كرة القدم عن إدهاش وإمتاع الجميع بل وإثارة حزنهم، ليس اللاعبين فقط، بل والمتفرجين، من نساء ورجالٍ وأطفالٍ من كل أنحاء الكوكب.

وعلى أعتاب البطولة الأكبر، والأغلى، كأس العالم - تقام في روسيا هذا العام- حيث تعقد الآمال والحظوظ والفرص رغم الانتقادات، تأخذكم حفريات في جولةٍ تاريخية وفنية حول تاريخ كأس العالم.

تاريخ الساحرة المستديرة

يحكى أنّ شعوب المايا كانت من أوائل من عرفوا كرة القدم، وكانت كرة مطاطية ترمز إلى الشمس، يتنافس عليها اللاعبون، ومن يخسر كفريق، يذهب قائده قرباناً للآلهة. بينما في الصين، أطلق عليها اسم "تسون تشو" في عهد سلالة الهان الصينية الحاكمة، وكانت لعبةً تمجد الحياة، وتوصف بأنها "كرة مستديرة كالشمس، تحلق فوق ملعبٍ مربع، وترمز  كل من الكرة والملعب للأرض والسماء".

ظلت اللعبة حتى القرن التاسع عشر مجرد مصارعةٍ جماعية هدفها هزيمة الفريق المنافس دون قواعد

وبصورةٍ عامة، ظلت اللعبة حتى القرن التاسع عشر مجرد مصارعةٍ جماعية هدفها هزيمة الفريق المنافس دون قواعد، أو مدة زمنية محددة، ودون محاذير تحول دون استخدام القوة والعنف.

لكن كرة القدم، ظهرت بشكلٍ أكثر تنظيماً في أوروبا، وتحديداً بريطانيا التي استعمرت بلاداً كثيرة في زمن الإمبراطورية، وساهمت في تطوير اللعبة وشروطها منذ عام 1863 كما نعرفها اليوم تقريباً.

جذور كرة القدم: 

 

 

أما كأس العالم لكرة القدم، فبدأت من فكرةٍ طرحها الفرنسي "جول ريمي"، وكان رئيساً للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بين عامي 1921 و1954.

البطولة الأولى للعبة التي يقال إنها لا تفرق بين الأغنياء والفقراء، بدأت عام 1930؛ حيث احتضنت الأوروغواي أول نسخةٍ من كأس العالم، وضمت في حينه "ثلاث عشرة دولة ترشحت من خلال الاشتراك، وفازت الأوروغواي بالبطولة التي شهدت آنذاك هجوم الأرجنتينيين على القنصلية الأورغويانية في بوينس آيرس بعد خسارة منتخبهم للمباراة النهائية، ولم تتمكن من تفرقتهم إلا بإطلاق النار". بحسب موسوعة كأس العالم، المنشورة على موقع "الأكاديمية الدولية لتكنولوجيا الرياضة" في السويد.

كذلك "شهدت تلك البطولة في أعقابها مقتل كابتن منتخب فرنسا على يد فرنسيين وطنيين؛ لأنه كان يتعاون مع النازية" وفقاً للموسوعة، أما المعجزة السعيدة فتحققت على يد كاسترو، هداف الأوروغواي ذو اليد الواحدة، الذي جلب السعادة للبلد الفقير وأهله. وهكذا، بدأت كرة القدم تجمع المتناقضات، من عنف وتعاسة، ومن فرحٍ وزهو.

حدث كروي وسياسي

لماذا تتدخل السياسة في كرة القدم؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى مفهومٍ بسيطٍ يتعلق بجاذبية البطولة الأشهر عالمياً، فمن ناحية؛ تتجه أنظار الدول وجماهيرها إلى الملاعب مشدودة طوال مدة لا تقل عن شهرٍ كما يحدث اليوم، ومن ناحيةٍ أخرى، لتاريخ البطولة تاريخ موازي، تم فيه استخدامها لشد الأنظار عن انتهاكات بحق شعوب بلاد نظمت بطولة كأس العالم، أو كسبتها مثلاً.

الاستغلال السياسي لكأس العالم بدأ منذ عهد دكتاتور إيطاليا الشهير بينيتو موسوليني

هذا الاستغلال السياسي، بدأ منذ عهد دكتاتور إيطاليا الشهير "بينيتو موسوليني"، وكان أول من انتزع حق تنظيم كأس العالم بالقوة بحسب موقع "الكرة بالعربية".

ويضيف الموقع خلال تقرير بعنوان "السياسة في المونديال"، أن "السويد التي كانت تقترب من تنظيم النسخة الثانية من كأس العالم عام 1934، تراجعت أمام إيطاليا بسبب تهديدات محتملةٍ آنذاك، وبالفعل، أشرف الدكتاتور موسوليني على اختيار الحكام وتقسيمات الفرق وهدد مدرب منتخب بلاده". هذا كله، أجبر المنتخب الإيطالي على النزول إلى البطولة تحت شعار (الفوز أو الموت)، وبالفعل، نجا، وأحرز بطولة كأس العالم.

من نهائي 1934: 

 

 

ويسجل التاريخ، أنّ موسوليني لم يكن سوى البداية؛ إذ حصل في العام 1938، وبعد اجتياح ألمانيا للنمسا بأمر هتلر، ضم الألمان العديد من لاعبي المنتخب النمساوي إلى المنتخب الألماني، ولم تشارك النمسا في تلك الكأس لهذا السبب، غير أنّ كابتن منتخب النمسا آنذاك "ماتياس سيندلار"، رفض ارتداء قميص المنتخب النازي، ولم يمض عام على عقد تلك البطولة، إلا ووجد سيندلار ميتاً في شقته بفيينا، في ظروفٍ غامضة لم تعرف إلى اليوم.

ومن المعروف، أنّ كأسي العالم 1942، و1946، لم يتم لعبهما، بسبب الحرب العالمية الثانية. وبتقدم الزمن، يمكن الوقوف عند بطولة عام 1970، التي جرت في المكسيك، وشهدت لأول مرة حرباً بين دولتين، بسبب مباراة في التصفيات المؤهلة للبطولة، بين دولتين هما السلفادور والهندوراس، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 10 آلاف إنسان! وكانت تلك البطولة، أول شاهدٍ على استخدام البطاقتين الصفراء والحمراء في الملعب، إضافةً لتكريس نظام التبديلات الثلاث.

كانت تونس أول منتحبٍ عربي وإفريقي يحقق فوزاً خلال كأس العالم وذلك في بطولة عام 1970 بالمكسيك

وبحلول العام 1978، أقيمت البطولة في حضن الدكتاتور "فيديلا"، وحش الأرجنتين، الذي شهدت تلك البلاد في عهده جرائم قتل وسجن واختفاء لمواطنين أرجنتينيين كثر. فحاول الدكتاتور لفت نظر شعبه ونظر العالم عنهم، من خلال تنظيم البطولة على أرض الأرجنتين لذلك العام، ووفق تسريبات وثقت عالمياً، أشيع بعد البطولة أن الدكتاتور "رشى وهدد حكاماً ولاعبين من منتخبات مختلفة من أجل ضمان كسب بلاده للبطولة".

وكان من أشهر مظاهر الدكتاتورية في ذلك الحين، السماح لبعض السجناء السياسيين بالخروج في العاصمة بوينس أيرس، للاحتفال بفوز بلادهم في كأس العالم، ومن ثم إعادتهم إلى السجن، ليختفي بعضهم ويموت آخرون بعد ذلك.

تلك البطولة، شهدت فوز أول منتخب عربي وإفريقي في مباراة خلال كأس العالم، وكان ذلك عن طريق تونس، التي هزمت المكسيك بنتيجة 3 أهداف إلى هدفٍ واحد.

تونس ضد المكسيك:  

 

 

وربما، لم تبتعد كأس العالم 1982 عن بعض الغرائب والطرائف، وكانت نظمتها إسبانيا، وأحرزتها إيطاليا، من خلال هدافها الشهير "باولو روسي"، وكان روسي سبباً أساسياً لإحراز منتخب بلاده لكأس العالم، لكنه حين عاد، وجد حكماً بالسجن ينتظره  في إيطاليا، بسبب فضيحة كروية سبقت عقد البطولة. وشهدت تلك البطولة أيضاً؛ تآمر ألمانيا مع النمسا من خلال تلاعبهما بنتيجة مبارتيهما معاً، لإقصاء الجزائر التي كانت هزمت الألمان العتاة في مباراةٍ سابقة خلال تلك البطولة.

أما السابقة الرياضية السياسية في ذلك الوقت، فتمثلت في إهداء رمزي إيطالي لكأس العالم، إلى منظمة التحرير الفلسطيني والمحاصرين في بيروت آنذاك، تقديراً لنضالهم.، ولم تبتعد كأس العلم 1986 هي الأخرى عن السياسة، حين قامت الأرجنتين التي تخلصت من دكتاتورها فيديلا حديثاً، بهزيمة موجعة للإنجليز؛ حيث كان البلدان يخوضان حرباً غير متكافئة، انتهت باحتلال بريطانيا لجزر الفوكلاند الأرجنتينية.

وكان الرد على أرض الملعب، من خلال الأسطورة الكروية الأعظم "دييغو أرماندو مارادونا"، الذي أحرز هدفاً أول بيده مخادعاً الحكم، لكنه وبعد ذلك، أحرز أشهر هدفٍ في تاريخ كرة القدم، بعد تجاوزه وحده معظم لاعبي إنجلترا وحارسهم، ليقود الأرجنتين فيما بعد، لإحراز تلك البطولة.

هدف مارادونا في مرمى إنجلترا:

 

 

جنون وفلسفة

بعد انتشار أجهزة التلفزة، وتحول العالم بفضل الأقمار الصناعية إلى ما سمي "قرية صغيرة"، أصبحت كرة القدم معبودة الكثيرين، ولم يكتف أحد من مشاهدة البطولة التي تعقد مرةً كل أربعة أعوام، رغم كل ما أشيع أو كشف بشأنها، من تلاعباتٍ في النتائج، أو رشاوى لأعضاء اللجنة المنظمة لكأس العالم، أو أخطاء الحكام. وبدأت البطولة تستقر نسبياً بعد العام 1990، وصارت ملايين العيون تتبع الكرة فيما أقدام اللاعبين تتناقلها.

اقرأ أيضاً: "داعش" يصدّر الفزع لمونديال موسكو ثأراً من الدب الروسي

منتخبات كبيرة رسخت اسمها، البرازيل، الأرجنتين، ألمانيا، إيطاليا، وكذلك إسبانيا وفرنسا والجزائر. وغيرها من منتخباتٍ أحدثت مفاجآت في العديد من البطولات. وأصبحت تكتيكات اللعبة وخططها، من أهم ما يشغل الدول من أجل أن ترقى بمنتخباتها ومستوى لعبها.

نجومٌ كثر، صاروا عباقرة المتعة والسعادة حول العالم، منذ بيليه، مروراً بلاعب القرن العشرين مارادونا، إضافة لنجوم البرازيل العظام مثل سقراط وروماريو، وباجيو الإيطالي، وموللر الألماني، والنجم الفرنسي العربي زين الدين زيدان.

إدواردو غاليانو: كرة القدم صورة مجازية عن الحرب فماذا لو صارت الحرب مجرد متعة وسعادة؟

كما صار احتكار بث بطولات كأس العالم وحسن تنظيمها وتطوير إمكانيات البث والتعليق على مبارياتها، هوساً تدفع القنوات الفضائية والدول الملايين لأجله. وصارت بطولة كأس العالم مكسباً ثقافيا وسياحياً للبلد المنظم، الذي يتمتع كذلك بحق اللعب في البطولة دون أن يخوض التصفيات. كما ازدهرت تجارة بيع وشراء النجوم الذين يلمعون في البطولة العالمية.

جنون اللعبة، لم يوقفه أحد، وتقريباً، كادت فرص الدول الغنية والفقيرة تتساوى، فأصبحت قصص أبطال البرازيل الفقراء مثلاً، الذين جاؤوا من شوارع مدنهم وأحرزوا بموهبتهم البطولة ثم صعدوا كنجوم، قصصاً منتشرة عالمياً.

وخلال مقالٍ له، على موقع "رصيف 22" عام 2014، يقول المختص الرياضي زياد سهلي، إنّ "صعود كرة القدم في سُلّم الاهتمامات العامة كان له تأثير كبير على أسلوب نقل الوسائل الإعلامية لأخبار "رياضة الفقراء"، واللعبة الأكثر شعبية في العالم.

سهلي: مدربوها فلاسفةً أو قادة حروب في الملاعب ولاعبوها النجوم جيشاً يتحرّك حسب تعليمات مديرهم الفني

ويضيف سهلي "جمهور هذه الرياضة راح يتابع أخبارها وكأنه أمام مسلسل واقعي. يصوّر هذا المسلسل مدربيها فلاسفةً أو قادةَ حروب في الملاعب، ولاعبيها النجوم جيش يتحرّك حسب تعليمات مديرهم الفني. ترافق المبارياتِ تحليلاتٌ عميقة ومفرطة في الجدية وطويلة ترِد على لسان لاعبين ومدربين سابقين يمكن تشبيههم بالمحللين السياسيين أو بخبراء الحرب".

ويتضح مما يراه سهلي، أنّ هذه اللعبة التي حملت في فراغ كرتها المجوفة لأعوام طويلة، نزاعات سياسية واقتصادية وأخرى تتعلق بالمجد والفوز.

إلا أنه يمكن لها أخيراً، وخلال العقود الأخيرة، أن تختزل الكثير من الصراعات، فلو كانت تصفية الحسابات مجرد مباراة مثلاً، تقدم المتعة والإثارة والفرح لتسعين دقيقة. ولا بد لواحد من الفريقين أن يصاب بالتعاسة أيضاً وسط جنون الجماهير، إلا أن الفكرة تكمن في العودة لاحقاً من أجل الانتصار، الذي يتمحور كله حول المستديرة الساحرة، التي لا يمكن منعها عن أحد، فقيراً أم غنياً، وفي أي بقعة كان، أو من أي طائفة. وكما يشير "إدواردو غاليانو"، هي "صورة مجازية للحرب"، فماذا لو صارت الحروب مجرد سعادةٍ ومتعة؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: