مواجهة لا يستطيع أردوغان تحمُّل تبعاتها.. أين الخطأ؟

أردوغان

مواجهة لا يستطيع أردوغان تحمُّل تبعاتها.. أين الخطأ؟


02/03/2020

كيف نقلت حادثة مقتل 33 جندياً تركياً في إدلب النزاع الدموي في سوريا إلى مرحلة مختلفة من التنافس على تسجيل النقاط؟ ولماذا أخطأت أنقرة في حسابات القوة في إدلب ولم تستوعب الأولويات الروسية جيداً؟ وهل "درع الربيع" التركية ضد الجيش السوري محاولة لتقليل الخسائر التركية أم سعي تركي لفرض أمر واقع في شمال غرب سوريا وإرجاع القوات السورية إلى خطوط سوتشي، وهو ما لا تقبله دمشق؟ التساؤلات تجيء في الوقت الذي يسيطر فيه هاجس مكافحة فيروس كورونا على واشنطن وغيرها من العواصم الأوروبية المعنية بالنزاع السوري. إسقاط الطائرات التركية من دون طيار يتوالى في سوريا. أنقرة تدخل في "معركة" خاسرة مع روسيا. والاتحاد الأوروبي، الحريص على تجنب تكرار فوضى تدفق المهاجرين في عامي 2015 و2016، يجاهد لاتخاذ موقف بعدما قالت تركيا إنّها لن تلتزم بعد الآن باتفاق مبرم عام 2016 كانت تمنع بموجبه اللاجئين والمهاجرين من التوجه إلى أوروبا، بحسب ما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء.

اقرأ أيضاً: أردوغان وحيد في المصيدة
وأوردت الوكالة أنّ هناك خيارات أمام أوروبا في هذا الشأن منها: تقديم مزيد من الأموال لتركيا، أو إبداء الدعم السياسي لها من بعض الأصوات داخل الاتحاد مع بقاء الخلافات معها من جانب عدد كبير من الدول الأوروبية التي ترفض وتعترض على سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدة لليونان وبلغاريا لمراقبة وحماية حدودهما مع تركيا للسيطرة على أي موجات من اللاجئين.

التناقض التركي
لقد اتسم الرد التركي على النكسة العسكرية التي تعرضت لها وأدت إلى مقتل 33 جندياً تركياً، بالتناقض السافر الذي ميز علاقتها بالغرب في الأعوام الأخيرة من ولاية أردوغان: ابتزاز الغرب وطلب مساعدته في الوقت ذاته، بحسب ما أورد تقرير نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن". ويضيف المعهد: فجأة أعلن المسؤولون الأتراك أنّهم عاجزون عن منع اللاجئين السوريين من منطقة إدلب من الوصول إلى أوروبا عبر الطرق البرية والبحرية، وهو ما كانت تقوم به قوات الحدود وخفر السواحل التركية قبل التطورات الأخيرة.

اتسم الرد التركي على النكسة العسكرية التي تعرضت لها بالتناقض السافر الذي ميز علاقتها بالغرب في الأعوام الأخيرة

وكان الرئيس أردوغان يهدد دوماً بتغطية أوروبا بطوفان من اللاجئين السوريين، وغيرهم من الذين يستخدمون الأراضي والمياه الإقليمية التركية للعبور إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، وذلك في حال لم تساعد أوروبا تركيا مالياً على تحمّل أعباء اللاجئين، أو إذا لم يؤيدوا مطالبه السياسية في سوريا. بثت شبكات التلفزيون التركية يوم الجمعة الماضي صوراً للاجئين في طريقهم إلى الحدود البرية مع اليونان، أو وهم يركبون الزوارق في بحر أيجة متوجهين إلى مرافئ اليونان.
خلال أعوام النزاع السوري، قام أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد، وحتى بعض المسؤولين في لبنان، بمحاولة ابتزاز أوروبا، من خلال التهديد بفتح طوفان بشري ضد أوروبا إذا لم تنفذ بعض مطالبهم. الاستغلال التركي السافر للاجئين السوريين ولمعاناتهم يبين إلى أي مدى أردوغان مستعد للذهاب لخدمة طموحاته في سوريا. روسيا وقوات الأسد تقصف وتقتل الجنود الأتراك الذين اجتاحوا سوريا، ولكن من سيدفع ثمن سفك هذه الدماء هى مجتمعات واقتصاديات دول أوروبا، بما في ذلك ردود الفعل الشوفينية والعنصرية، وبروز الأحزاب اليمينية المعادية للاجئين والمهاجرين، إضافة إلى الثمن الذي يدفعه دائماً المدنيون السوريون.


في الوقت ذاته، طالب المسؤولون الأتراك في الأسابيع الماضية، قبل الأحداث الأخيرة، بوقوف دول حلف الناتو وراء تركيا، التي تملك ثاني أكبر جيش في الحلف، ودعم سياساتها وأهدافها في سوريا. وعلى الرغم من مباركة الرئيس ترامب للاجتياح التركي لشمال سوريا، وتعاطفه مع رغبة أردوغان في إقامة "منطقة عازلة" في شمال سوريا، إلا أنّ وزارة الدفاع الأمريكية ودول حلف الناتو لم تبدِ أي حماس أو تأييد للأهداف التركية في سوريا. وهذا ما يفسر رد الفعل الأوروبي والأمريكي الفاتر عقب مقتل الجنود الأتراك.

اقرأ أيضاً: تركيا.. ما الذي يبحث عنه أردوغان؟
الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ قدّم تعازيه لأهالي الضحايا الأتراك، وأدان هجمات روسيا وسوريا ضد القوات التركية وحضهم على وقفها. الولايات المتحدة أعربت عن قلقها العميق جراء الهجمات، وأعلنت وقوفها إلى جانب تركيا، قائلة "تركيا حليفتنا في الناتو، ونواصل دعواتنا لوقف فوري لهذه الحملة المشينة التي يشنها نظام الأسد والقوات الأخرى المدعومة من روسيا وإيران". حتى الآن لم تطلب تركيا تنفيذ البند الخامس في الحلف -والقائل بأنّ تعرض أي عضو في الحلف لهجوم خارجي، فإنّ الحلف سيرد وكأنّ جميع دوله تعرضت للهجوم – لأنّها تدرك أنّ الحلف سيخذلها.
الطريق الخطأ
وفي إشارة إلى أنّ تركيا تسلك الطريق الخطأ لفك عزلتها الإقليمية والدولية يقول "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" إن قواعد الحلف للتدخل العسكري واضحة، وهي تنص بوضوح على الرد على أي اعتداء خارجي، وليس ضد أي هجوم بغض النظر عن مكان وقوعه. القوات التركية التي لقيت مصرعها في سوريا، هي خارج تركيا، وتقوم بمهام لا علاقة للحلف بها، عدا عن الطرف الذي نفذ الهجوم، روسيا، وهي الدولة التي اعترض الحلف بقوة على تزويدها لتركيا بمنظومة صاروخية مضادة للطائرات من طراز إس-400.

القوات التركية التي لقيت مصرعها في سوريا هي خارج تركيا وتقوم بمهام لا علاقة لحلف الناتو بها

ويتابع المعهد في تقريره: في الأسابيع والأشهر الماضية، وجد الرئيس أردوغان نفسه في موقع غريب. بعد ثلاثة أعوام من التقرب من روسيا و "شيطنة" الولايات المتحدة في الإعلام والمجتمع التركي، ومحاربة القوى السورية التي تحالفت معها واشنطن لهزيمة تنظيم داعش، وبعد إنفاقه نحو ملياري دولار لشراء منظومة الصواريخ الروسية إس-400، المصممة لإسقاط طائرات حلف الناتو، وجد أردوغان نفسه يطلب من واشنطن تزويده بصواريخ مضادة للطائرات من طراز باتريوت. شراء منظومة الصواريخ الروسية، تسبب في خلق أزمة كبيرة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، وأدى إلى طرد تركيا من فريق الدول التي ستشارك في تطوير وصناعة طائرة F-35، التي تعتزم دول الحلف تطويرها واستخدامها في قواتها الجوية. وزير الدفاع الأمريكي مارك أسبر انتقد اجتياح تركيا لشمال سوريا بشكل مباشر وقوي، وقال إنّ تركيا تسير في الاتجاه الخاطئ، كما انتقد أسبر بشدة قرار تركيا شراء الصواريخ الروسية، متهماً إياها بالخروج "من فلك الناتو"، والتقرب من روسيا على حساب الحلف.

اقرأ أيضاً: سقوط آخر وريقات التوت عن عورة أردوغان
لا شك في أنّ المواجهات الجوية الجارية في إدلب ستُلقي بظلالها على محادثات بوتين-أردوغان المنتظرة الخميس المقبل، ويرى "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" أنّ "الرئيس أردوغان يجد نفسه الآن وحيداً في مواجهة فلاديمير بوتين في سوريا. هذه مواجهة لا يستطيع أردوغان تحمُّل تبعاتها. ولكن أردوغان وحده مسؤولٌ عنها".

الصفحة الرئيسية