من يقوّض جهود السلام في ليبيا؟

من يقوّض جهود السلام في ليبيا؟


16/04/2020

في يناير من هذا العام حلّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضيفاً على الزعيمة الألمانية أنجيلا ميركل لغرض المشاركة في مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية.

في ذلك الوقت كان الرئيس التركي قد بدأ تنفيذ العديد من استحقاقات الإتفاق الذي وقّعه مع فائز السرّاج رئيس حكومة الوفاق الليبية، وهو اتفاق مثير للجدل، رافقت الإعلان عنه ردود أفعال إقليمية ودولية لكونه ينطوي على العديد من الإشكاليات القانونية والسيادية التي تمس الدولة الليبية وتفتح الأبواب لتدخل تركي واسع النطاق في الشأن الليبي وبما في ذلك التدخل في الثروات السيادية والأمن والدفاع والحدود الإقليمية.

لا شك أن حكومة الوفاق كانت في أضعف حالاتها، ولهذا كان التشبّث بالحليف التركي خياراً لابد منه على الرغم من كونه خرقاً قانونيّاً وسياديّاً فاضحا فضلا عن أن الإتفاق لم يحظ بموافقة جميع الليبيين ما عدا حكومة الوفاق وما حولها.

الرئيس التركي من جانبه وجد ضالّته في المضي في خطط التمدّد والتواجد في بقعة ساخنة من شمال أفريقيا تحمل في طياتها شكل صفقة جيوسياسية من جهة وأن تكون لتركيا حصّة من ثروات ليبيا فضلا عن تواجد دائمي ومفتوح على الأرض الليبية.

هكذا وصل الرئيس التركي إلى برلين، أمامه طريق واحد هو التوسّع في ليبيا وفرض الأمر الواقع ومواجهة خصوم حكومة الوفاق.

والحاصل أن نيّة مواصلة الصراع والحرب كانت خياراً مسبقا بالنسبة لحكومة العدالة والتنمية، كان ضباط المخابرات الأتراك وفيما زعماء العالم مجتمعون في برلين قد وصلوا طرابلس لتقييم الوضع على الأرض.

يقول الباحث جيفري فيلتمان من معهد بروكنجز، "في برلين، تمكّن غسان سلامة وميركل، أقلّه على الورق، من مداهنة الجهات الفاعلة الخارجية التي تسبّبت بمفاقمة المآسي الليبية للتوقيع على أجندة موحّدة. إذ انضمّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى قرابة اثنتي عشرة شخصية أخرى للإعلان عن نيّة لإنهاء التدخّل الأجنبي في مسائل ليبيا الداخلية، فقد ورد في البيان: "نلتزم بالامتناع عن التدخّل في صراع ليبيا المسلّح أو شؤونها الداخلية ونحثّ كلّ الجهات الفاعلة الدولية على حذو حذونا"، وذلك بلغة يأمل المرء أن يؤيّدها المشاركون بنيّة حسنة (وهذا سيكون غير اعتيادي لبعضهم).

ولم يكد يجف حبر ذلك الإتفاق وتأكيداَ على النية المسبقة للرئيس التركي ما لبث أن خرج بتصريح بعد مؤتمر برلين مفاده إن بلاده لا تحاور اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، مؤكدًا أن الأخير مرتزق ووضعه غير شرعي وغير قانوني.

وتأكيدا على الإصطفاف الكامل للرئيس التركي مع فصيل متواجد على الأرض ضد فصيل آخر وكلاهما يحضيان باعتراف دولي، أعلن الرئيس التركي أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، هو الجهة الشرعية الوحيدة في ليبيا..

وأوضح أن الجانب التركي يعقد لقاءاته مع حكومة السراج وليس مع حفتر، لأن حكومة السراج هي الجهة الشرعية الوحيدة في البلاد.

وأعرب أردوغان عن أسفه لدعوة الغرب لحفتر، إلى ذات المكان الذي يدعون إليه السراج وذلك في إشارة لمؤتمر برلين ونتائجه وتقويضاً مباشرا لجهود السلام بجلوس الطرفين المتحاربين على طاولة المفاوضات.

وبعيد انعقاد مؤتمر برلين وفيما كان فائز السراج واللواء حفتر في زيارة لموسكو للبحث في مخرجات مؤتمر برلين وتطبيقها وصولاً إلى افاق شامل، كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يسعى أن لا يكون هنالك أي اتفاق وأن تبقى وتيرة الصراع على ما هي عليه ولهذا لم يكن مستغرباً أن تصدر عنه هذه التصريحات،

اذ قال أردوغان في كلمة ألقاها أمام كتلته النيابية في البرلمان في منتصف يناير الماضي : "لا يمكننا السكوت حيال ما يحدث في ليبيا، لو لم تتدخل تركيا لاستولى الانقلابي حفتر على كامل ليبيا".

وتوعد الرئيس التركي حفتر بـ"تلقينه الدرس اللازم".

وأشار إلى أن ليبيا كانت " لعصور طويلة جزءاً هاماً من الدولة العثمانية"، لذلك لا يمكن لتركيا أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يجري هناك.

وتابع أردوغان في حينه قائلا: " لا أحد بإمكانه أن ينتظر منا إشاحة وجهنا عن إخوتنا الليبيين الذين طلبوا منا يد العون. إن نصرة أحفاد أجدادنا في شمال إفريقيا تأتي على رأس مهامنا.

إن أبناء كور أوغلو (أتراك ليبيا) سواء عندنا مع تركمان سوريا والعراق وأتراك البلقان وأتراك الأهسكا في القوقاز، نحن على وعي بمسؤوليتنا التاريخية تجاه إخوتنا  في ليبيا، هؤلاء وقفوا بجانبنا في أحلك أيامنا بالتاريخ، وعلينا أن نكون بجانبهم في هذه الأيام العصيبة".

هذه التصرحات الصادرة من الرئيس التركي كانت الوجه الآخر للحقيقة، فقد بدا واضحاً أنه كان يساير الجانب الروسي في مسعاه لجمع الفرقاء في موسكو ولتفعيل اتفاق برلين وحيث كانت كل من  تركيا وروسيا قد دعتا لوقف لإطلاق النار يبدأ في 12 يناير، على وقع تحذيرات من احتمال تحوّل ليبيا إلى سوريا ثانية.

ومع دخول الهدنة حيّز التنفيذ، سافر طرفا النزاع الليبي إلى موسكو لعقد محادثات في 13 كانون يناير هدفها وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق وقف إطلاق النار.

في تلك الأثناء كانت تصدر عن الرئيس التركي تصريحات نارية باتجاه تقويض أي اتفاق يذكر بين طرفي الصراع وعلى خلفية عدم الإعتراف بشرعية الجيش الليبي وقائده وتواجده على الأرض.

كانت مهمة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة في تلك الأثناء قد وصلت إلى انسداد لا رجعة فيه مع ذلك التصميم التركي على قلب المعادلة في ليبيا لصالحها ولصالح حليفها السراج مهما كلفها ذلك.

وخلال شهر فبراير ومارس الماضيين كان سلامة ينعى اتفاق برلين  وخرق الهدنة ما دفعه للإستقالة من مهامه وإن كان قد أرجعها لأسباب صحيّة.

لم تكن تركيا ساعتها تتورع عن الإعلان عن وصول المرتزقة والطائرات المسيّرة وقطع المدفعية والمدرّعات وأجهزة التشويش المتطورة والعتاد لغرض قبل موازين القوى وتقويض أية مهمة مستقبلية لإحلال السلام في ليبيا بقدر إحلال صيغة الأمر الواقع وبالقوة والبدء بإعادة إشعال صراع دام لا نهاية له إلا بتحقيق الأهداف التركية على الأرض الليبية.

كانت سيطرة قوات حكومة الوفاق مدعومة بالكامل من تركيا على مدينتي صرمان وصبراته علامة فارقة ومؤكّدة على التصميم التركي على اتباع سياسة الأرض المحروقة والسعي إلى صراع طويل الأمد يتيح لها مد نفوذها على الأرض الليبية مهما كلفها ذلك من تضحيات.

ايديولوجياً يكون الرئيس التركي قد انطلق من إرث عثماني يجب استرداده وبذلك تكون ليبيا أرضا من متبقيات الخلافة العثمانية، يشهد على ذلك تواجد فلول من أصول تركية فتشت عنهم تركيا فوجدتهم وجندتهم لصالحها وهم من يعرفون بالكراغلة ولربما سوف تزيد من إعدادهم وهي فعليا شرعت بتقوية نفوذهم فضلاَ عن إعداد وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا على أنه ممثل تركيا على الأرض الليبية والذي تنتظر منه دوراً مستقبلياٌ.

واقعيا، يكون أي حديث عن سلام مأمول على الأرض الليبية من قبيل المستحيل في ظل الأمر الواقع الجديد الذي فرضته تركيا على جميع الأطراف، محلية، وإقليمية ودولية ما لم تقع متغيرات جديدة حاسمة تنهي الدور التركي الذي لن يتوقف عند حد على الأقل في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور.

عن "أحوال" التركية

الصفحة الرئيسية