مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري

1415
عدد القراءات

2018-05-22

"أنوار تضاء، قرآن يتلى في بهو الاستقبال، المؤذنون يؤذنون فى السلاملك". تصف هذه الكلمات، التي جاءت على لسان "كمال"، الابن الأصغر للسيد أحمد عبد الجواد، في ثلاثية الأديب المصري، نجيب محفوظ، التي وثق فيها التاريخ الاجتماعي المصري، في الفترة ما قبل عام 1952، بعض المظاهر الرئيسية، للاحتفال بشهر رمضان، خصوصاً، في الأحياء الشعبية، والتي تكاد ثابتة، لم تتغير، منذ قرون طويلة، حتى وإن خفتت بعض الشيء، مؤخراً، لكن، أثرها باق، ويعكس حالة من الحميمية، تحتمي بها الذاكرة الإنسانية.

اشتق فانوس رمضان من العناصر الاحتفالية للحقبة القبطية في مصر حيث كان الأقباط يحتفلون بعيد الغطاس

وبقدر ما يعد شهر الصوم عند المسلمين، مناسبة دينية، تقوم على الطاعة والالتزام بطقوسه، التي فرضها الله عليهم؛ لكنه، حدث اجتماعي، يحفر بوجوده بين أفراد المجتمع، يوحدهم على اختلاف عقائدهم، بدرجة من المشاركة الوجدانية؛ حيث يتقاسمون مظاهره وأنشطته، من عادات وأشكال احتفالية مختلفة، توثقها الأغاني، التي يرددها الأطفال، والزينة التي يتشاركون في جمعها، وتعليقها، في الشوارع، وأمام المنازل، بالإضافة إلى شراء "الفانوس"، والتناوب على بعض الألعاب الرمضانية.

الأغاني الرمضانية وأصولها القبطية

"حلو يا حلو.. رمضان كريم يا حلو.. فك الكيس وادينا بقشيش.. أحسن نروح ومانجيش.. يا حلو". جمل ذات تكوينات فنية وعبارات سجعية، يمكن تجميعها من الذاكرة الشفهية، لأطفال الأحياء الشعبية، الذين يتوافدون على الأزقة، ويعرجون بين ممراتها، ممسكين الفوانيس والزينة في أيديهم، فيرددونها طيلة شهر رمضان، الذي ترافق معه ظهور الفرق الغنائية الشعبية، التي تصدح بالمدائح الدينية للرسول وآل البيت، فضلاً عن فنانين مشهورين أمثال: محمد عبد المطلب ومحمد رشدي، ممن كتبوا أشهر الأغنيات مثل: "رمضان جانا.. أهلاً رمضان".

ولئن كانت بعض تلك الأغاني، قد كتبها شعراء وفنانون معروفون، وبعضها الآخر مجهول المصدر، لكن، ثمة ملمح مهم في بعض الأغاني القديمة، التي كشف علماء الأنثروبولوجيا، ارتباطها باللغة القبطية وحضارة مصر القديمة، والتي باتت مرتبطة مع دخول الإسلام مصر، بشهر الصوم لديهم.

"وحوي يا وحوي".. ذاكرة مصر الحية

ويلاحظ الباحث في المصريات والفلكلور القبطي، عصام ستاتي، أنّ الأطفال يرددون كلمات مثل: "وحوي يا وحوي"، و"حلو يا حلو". لكنّ أحداً لم ينقب أو يفتش عن مصدر هذه الكلمات، ويعرف أصولها الثقافية القبطية، التي تعني "الحلول"، وتشير إلى التهنئة والمباركة مع قدوم رأس السنة القبطية، حتى باتت إحدى مفردات التهنئة عند المسلمين، وعلى لسان الأطفال، الذين يحتفلون بقدوم شهر رمضان.

ويشرح ستاتي، في تصريح لـ"حفريات" بأنّ عبارة "وحوي يا وحوي إياحة"، ذات المصدر القبطي، تنقسم إلى "واح-أيوح"، بمعنى استقر يا قمر ولا تغيب، وكان المصريون يقولونها عندما يغيب القمر، أو يحدث له خسوف، حيث كان الاعتقاد القديم السائد وقتها، أنّ هذا "الخسوف" نتيجة غياب إيزيس عن الوطن، وهي تبحث عن زوجها أوزير، ومن ثم، كان الأطفال يغنون تلك الأغنية بغية عودتها. 

ويربط الباحث في الفلكلور القبطي، الاحتفال بشهر رمضان، وعاداته المختلفة، وطقوسه، باعتبارها جزءاً يتصل عضوياً بالنسيج القومي للثقافة المصرية، ويعضد من عناصرها ومكوناتها، إذ تتشابه وتتطابق إلى حد بعيد.

حرافيش مصر.. الإيمان السهل

إذا كان المسلمون، قد اعتادوا على الصيام في "مولد العذراء"، وحضور تلك المناسبة في مواقيتها وأماكنها المختلفة، في محافظات مصر، لما للعذراء من حضور مهم ومكانة في الوعي الديني الإسلامي والمسيحي، وأنها تقضي حوائج الناس، وقادرة على المساعدة والشفاء، فإنهم كذلك يتبادلون الزيارات، خلال الشهر الكريم، والإفطار معاً، على مائدة واحدة، كما أنّ النساء المسلمات يحضرن لموالد القديسين، ويطلبن شفاعتهن، بينما تقوم السيدات المسيحيات بتقديم النذور في مقام السيدة زينب، مثلاً.

ويعد "فانوس رمضان"، من بين العناصر الاحتفالية، التي اشتقت وجودها من الحقبة القبطية في مصر؛ حيث كان الأقباط يحتفلون بعيد "الغطاس"، عن طريق صنع الفوانيس، والشموع الضخمة، وكان يسمى هذا العيد بـ"عيد الأنوار".

تقيم كنيسة قصر الدوبارة بوسط القاهرة مائدة رمضانية يعدها مسلمون ومتطوعون من أبناء الحي ورجال الكنيسة

ويتواجد في حي مصر القديمة، الذي يجمع الكنائس الأثرية، بالإضافة إلى المعبد اليهودي، ومسجد عمرو بن العاص، منطقة تسمي "قصر الشمع"، الذي كان يصنع فيه الأقباط الفوانيس والشموع.

وفي وسط القاهرة، تقيم كنيسة قصر الدوبارة، مائدة رمضانية، طوال الشهر، يتشارك في إعدادها، كلّ عام، مسلمون ومتطوعون من أبناء الحي ورجال الكنيسة والخادمين فيها. وتسمى "مائدة الرحمن.. مائدة المحبة"، ويتولى المتطوعون وضع طاولات ومقاعد، قبل موعد الإفطار، خارج الكنيسة، القريبة من ميدان التحرير، بينما تتولى مجموعة أخرى، إعداد أطباق الطعام التى توزع على الصائمين في الشارع، قبل دقائق من غروب الشمس.

اقرأ المزيد...

الوسوم: