محمود البريكان وقاتله الاستثنائي

صورة عبدالزهرة زكي
كاتب عراقي

49
عدد القراءات

2018-04-01

في أحيان كثيرة أكون منشغلاً كثيراً بمحمود البريكان (1931 ــ 2002)، بشعره الضائع، وهو شعرٌ ليس بالقليل، سواء من حيث كميته، أو قيمته، وهذا هو المهم، ومن حيث موضعة هذه القيمة في سياق تطور الحداثة الشعرية العربية خلال القرن العشرين. سيرةُ البريكان تجعل منه الشاعر، وقد زهد بالريادة إلى حيث صومعته الداخلية، منفاه الروحي العميق.

كان محمود البريكان مثالاً للشاعر الذي يكتب فعلاً في ضوء حاجته الشخصية للكتابة الشعرية، إنّها حاجة الروح بتماسّها وبافتراقها عن العالم.

ما بعد التأليف؛ التصرّفُ بالشعر، وعرضه للنشر، وإيصاله للقراء، واستجابتهم أو عدم استجابتهم له، لم يشغل شيئاً من بال البريكان. لم يفكر حتى بمجرد إطلاع مقربين على ما كان يكتب ويحفظ، لم يتحرَّ عن رأي، لم يرد معرفة ردود أفعال الآخرين إزاء هذا الذي يكتبه.

لم يكن معنيّاً إلا بما يكتب، ويستمتع هو شخصياً بالكتابة وبما صنع له من حياة معها.

كان قاتل البريكان يقدّر حاجته في الأمرين: المال والشعر المخطوط. أي قاتل هذا الذي يسرق دفاتر شعر مخطوط؟

سوى هذا، فإنّ احتكاك البريكان بالخارج كان محدوداً، ويكاد يكون معدوماً، وتزداد هذه الحدود كلّما كان بمجال من شأنه التذكير بالبريكان الشاعر وبشعره، لم يسعَ من أجل هذا الاحتكاك بالخارج إلا بقدر ما كان الخارج هو من يحتك بالشاعر ويتحرّى عن شعره المخفي. كان هذا الخارج محكوماً بدافع الفضول مرة أو بدوافع الحاجة الحقيقية إلى هذا الشعر مرات أخرى. الجمهور، أو فلنقل نخب الأدباء والكتّاب ومثقفين آخرين، كانوا يدركون قيمة البريكان، فظلّوا يتحرّون هذه القيمة في ما أُخفي من شعر الشاعر عنهم. لكن البريكان كان لبقاً ودبلوماسياً في التخلّص من الحرج الذي يكون فيه كلما كان بتماس مع هذه الطلبات، ويزداد حرجه حينما يدرك أنّ الطلب يأتيه بدافع شعري وثقافي خالص ورصين، وليس من باب الفضول وما يتراكم من إشاعات حول الشاعر وعزلته والنأي بنفسه وبشعره عن الحياة العامة.

تجربة البريكان مع العزلة هي تجربة تكاد تكون فريدة في الحياة الثقافية العراقية والعربية، وكان لهذه الفرادة أن تكون داعياً لتخليق الإشاعات وتراكمها. الإشاعات وسيلة تخيلية لاقتحام عزلة الشاعر وفكّ ألغازها، فكان أن اختلطت الإشاعة بالتحليل، بالرأي، بالتصورات المقامة عن الشاعر وعما ينتجه في معتزله.

لا أدري ما إذا كان هذا الوضع المشحون بالتصورات والإشاعات قد ساعد هو أيضاً على أن يوغل الشاعر أكثر في عزلته ونأيه والنأي بشعره عن العالم. ما أعرفه من خلال لقاءاتي القليلة به أنه كان يحثّ الآخرين، خصوصاً من الشعراء الشباب، على أن ينشروا وأن لا يجري فهم ما هو عليه على أنه عزلة. كان يفضّل التأكيد أنه كائن متّصل ومنفعل بالحياة والفكر والتاريخ. وكنت أفهم قوله وتأكيده أنه يريد بهذه الصلة ما يقيمه هو من جسور من خلال الثقافة والمعرفة والكتب.

القليل من قصائده التي تسرّبت للنشر خلال التسعينيات، وكان هذا في حياته وبإرادته، تؤكد هذا التصوّر؛ إنها انشغال بالمصائر وبتراجيديا الوجود في العالم، وليس صعباً الوقوف على النزعة الثقافية الفاعلة في نظرته إلى العالم وفي تعبيره وتمثّله الشعري لتلك النزعة.

بعد كل هذه السنوات على الغياب المفجع للشاعر، قتيلاً في منزله بالبصرة عام 2002، أتوقّع أنه كان من الممكن الحفاظ على نتاجه الشعري الذي ضاع بمقتله. كان هذا ممكناً لو أن (القدر) تأخر قليلاً.

ففي أواخر عام 2001 كانت لدى الشاعر رغبة بنشر شعره بديوان يضمّ أعماله الشعرية الكاملة. هذا ما أفصحت عنه الرسالة التي حملها لي منه الشاعر البصري علي الأمارة، وقد تحدثت عنها بمناسبة سابقة. كان البريكان يسألني فيها الرأي بمدى الجدوى من نشر بعض قصائده عبر مجلة عربية، فيما يتحدث في الرسالة عن رغبته في أن تصدر أعماله الكاملة بطبعة عراقية، وكان خياره، كما توحي به الرسالة ولم تقله، لا يميل للنشر المتفرق في المجلات؛ بل يأمل طبعة عراقية لائقة لكامل أعماله. كان يشكّ مقابل هذا في إمكانية ضمان طبعة جيدة في بغداد، فقد كان وضع الكتاب العراقي حينها في أسوأ أحواله بفعل ظروف الحصار.

كانت صلتي طيبة بالشاعر سامي مهدي، وهو من أكثر الأدباء تفهُّماً لمثل هذه الحالة التي وجدتني أمامها ولا أملك معها أية إمكانية لتنفيذ رغبة الشاعر الذي أحب، كما لا أريد أن تضيع هذه الفرصة للظفر بشعر شاعر نادر ظلَّ محتجباً طويلاً. واقعاً، نحن، شعراء وقرّاء، نحتاج شعر البريكان أكثر مما هو محتاج إلى طباعة أعمال كاملة.

كان البريكان مثالاً للشاعر الذي يكتب فعلاً في ضوء حاجته الشخصية للكتابة الشعرية وكان احتكاكه في الخارج محدوداً

قصدتُ مباشرة، ومعي الصديق الإمارة، الشاعر سامي مهدي في مقر عمله بعد الاتصال به هاتفياً.

أطلعته على رسالة البريكان، فسرّ كثيراً بها، لكن عبّر عن شيء من عدم الثقة بإمكانية أن يكون البريكان جاداً بقراره. فقد كان معروفاً أن البريكان قلقٌ في هذا الجانب، وكان كثيرَ التحسّب.

قلت ما معناه: نعم، ما أكثر ما تراجع عن وعود مماثلة، لكن تلك حالات كان البريكان يُسأل فيها ويطلب منه النشر. هذه حالة أخرى هو يريد بها النشر ويكتب رسالة بهذا الصدد. كتابة رسالة من رجل مثل البريكان، ومن أجل موضوع حساس كموضوع هذه الرسالة، أمر له وقعه الخاص، إنه رجل يتردد كثيراً قبل أن يقدم على ترك أثر.

أكّد سامي مهدي إمكانية أن تُطبع الأعمال الكاملة خلال أسبوع، وأن تصدر بأفضل ما يمكن أن يصدر به كتاب في بغداد.

بالغت في طلباتي فسألت سامي أن يحرّر للبريكان رسالة يؤكد فيها ما سمعته منه. وفيما كان سامي مهدي يتناول ورقة وقلماً ضحك، وقال لي: ولكن الرسالة ليست موجهة لي لأجيب محمود.. وكتب الرسالة التي بعثت بها مع علي الأمارة إلى البريكان.

كان يجب أن أتابع الموضوع للإسراع بتنفيذ رغبة الشاعر الكبير، لكن من كان يحسب أن الموت أسرع؟

أتوقّع أن الشعر ما يزال محفوظاً، وإلا لماذا سُرق مع مبلغ مالي مما كان لدى الشاعر؟

كان السارق يقدّر حاجته في الأمرين: المال والشعر المخطوط. أي قاتل هذا الذي يسرق دفتراً أو دفاتر شعر مخطوط؟

من المستحيل أن يتلفها. آمل له فعلاً أن يكون استثنائياً بين أقرانه القتلة بهذا الجانب الذي يقدّر قيمة الشعر المسروق.

هل أبدو متفائلاً وحالماً إذا ما قلت إنّ هذا الشعر سيجد فرصته للظهور في لحظة يصحو فيها ضمير من يحتفظ بالشعر ليسرِّبه إلى جهة ناشرة؟ تقنيات الميديا المعاصرة تسهّل له ذلك من دون الكشف عن هويته. ليته يقرأ هذا الرأي.

هل يمكن للمحتفظ  بالشعر أن يؤجّل هذه اللحظة لحين مغادرته هو الحياة؟

لقد انتهت حياة شاعر مهم، في حين ما زال بإمكان القاتل، أو من يتستر عليه أن يساعد في إنقاذ حياة شعر الشاعر. ربما في هذا عزاء يلتمسه لنفسه ونلتمسه له.

اقرأ المزيد...

الوسوم: