محمد شكري .. رسول المتعيشين على الخبز الحافي

صورة سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

116
عدد القراءات

2018-03-20

ربما تضع الأقدار قوانينها الصارمة، ويظن البعض أنها أحكمت أسيجتها جيداً، بحيث يبدو الفكاك منها أمراً مستحيلاً، لكنها دوماً تمنح في متاهات دروبها المتشابكة باباً للخلاص، لا يملك مفتاحه إلا الحالمون الرافضون للحتميات الموهومة.

لوحات القهر

في ظروف تتنوع فيها ألوان المعاناة، فتلتقطها فرشاة القهر، لترسم بها لوحات درامية لا تعرف الرحمة، تفتحت أعين الصغير الذي ولد في آيات شيكر بإقليم الناظور في شمال المغرب العام 1935؛ حيث الفقر المدقع هو السمة السائدة في مجتمع الهامش شديد البؤس، بينما الاحتلال يستنزف موارد الوطن، ولا يترك لأبنائه غير فتات من خبز أصابه العفن في كثير من الأحيان.

تهاجر الأسرة إلى طنجة هرباً من المجاعة، تحت قيادة أب يفوق الحياة في قسوتها، بحيث لم يتورع في نوبة جنون عن ضرب ابنه الصغير حتى الموت، يختبر محمد شكري حياة الليل منذ نعومة أظفاره، يهرب مراراً وتكراراً من قسوة الوالد، وضراوة الجوع، تلمحه هنا وهناك بين أكوام المزابل يلتقط بقايا الطعام الفاسدة؛ عله يسكت ضجيج أمعائه الخاوية، يتنقل بين عديد الأعمال الشاقة التي يسخره فيها أبوه كلما عثر عليه، قبل أن يفر من جديد لدنيا الليل وعوالم الصعاليك، يقول شكري: "كنت أتبع خطى السكارى والحشّاشين وطوافي الليل أجد لي دائماً مكاناً بينهم، لقد كانت لنا نفس الذكريات واللغة، لنا عالمنا ليلاً ونهاراً، في لعنتنا الجميلة".

تفتحت أعين شكري في آيات شيكر بإقليم الناظور شمال المغرب حيث الفقر المدقع هو السمة السائدة

من رحم القسوة ومن بين أنّات بطون الجائعين وصلب المتعيشين على الخبز الحافي خرج محمد شكري ليسمع كلمته للعالم، يبدأ رحلة التعليم وهو في الواحدة والعشرين من عمره، يتعرف على الحروف والأرقام متحملاً تعالي المعلمين، وقسوة الفقر والحرمان، لكنه لا يسلو حياة الليل وصحبة الصعاليك، تتجاذبه الأنواء ولكن التحديات لم تفلح في كسر إرادته، كان التعليم هو شاطئ الخلاص الأخير لتائه قرر أن يجد طريقه بين الأمواج العاتية، لتحدث المعجزة، ويفلح شكري في تعويض ما فاته، فيحصل على الثانوية، بعد أن درس العربية والإسبانية في المدرسة وأجاد الفرنسية بطلاقة، ثم التحق بمدرسة المعلمين، ليصبح معلماً، وهو الذي كان منذ سنوات ضحية الأميّة يحبو في عوالم الأسطر، ويضل طريقه بين الكلمات.

بدءاً من العام 1966 بدأ محمد شكري ينشر محاولاته الأدبية، واستقبلتها بالاحتفاء عدة مجلات متخصصة في الأدب في المغرب ولبنان وعدد من البلدان العربية، وظهرت ترجمات لتلك الأعمال في دوريات أدبية أمريكية وأوربية.

استمرت كتابات شكري، ومساهماته الإبداعية، واحتفت به وسائل الإعلام الغربية، خاصة في باريس التي دعته إحدى قنواتها التلفزيونية للإطلال منها على العالم، ويبدو من اللقاء طلاقة ابن الريف في التحدث بالفرنسية وهو الذي لم يكن يعرف سوى الأمازيغية، كما تألق شكري في المجال الإذاعي من خلال برنامج أعده بعنوان "شكري يتحدث" حيث كان يطل على جمهوره صباح كل سبت من إذاعة البحر المتوسط الدولية التي تبث من طنجة.

في العام 1972 كتب محمد شكري سيرته الذاتية (الخبز الحافي)، بناء على اقتراح من صديقه بول بولز

الخبز الحافي

في العام 1972 كتب محمد شكري سيرته الذاتية (الخبز الحافي)، بناء على اقتراح من صديقه بول بولز، وفيها كثّف الضوء على مرحلة الهامش التي عاشها قبل أن يبدأ رحلة التعليم، ومن ثم الانخراط في عالم الأدب وتبوؤ مكانة بين النخبة المثقفة، والرواية في مجملها ملحمة سردية صادمة في صراحتها، يتنقل فيها الكاتب بين أروقة طنجة وأرصفتها وعالمها السفلي الذي كانت ملجأه الأثير، فيحكى في تلقائية شديدة العنف كيف احترف في طفولته التسول والسرقة، وكيف عكف دوماً على البحث عن بقايا الطعام بين المزابل والمخلفات، في صحبة أبناء الليل، إنها قصة اندماجه وكينونته في مجتمع الهامش المغربي إبان الاحتلال وعشية الاستقلال، وهو هامش شب فيه وتورط في كل تفاصيله حتى الثمالة؛ حتى أنّه باع جسده ذات يوم لعجوز من أجل حفنة من مال يسد به جوعه.

نشأ في كنف أب يفوق الحياة في قسوتها لم يتورع عن ضرب ابنه الصغير حتى الموت

تمضى الرواية/ السيرة لتهدم كل تابوهات المجتمع الشرقي، في مشهد يتصدره الفقر المدقع وحده، مضى شكري يسرد تاريخه بنوع من الاعتراف بلا ندم، لقد عاش اللعنة وتأملها واستوطن ثناياها، قبل أن يقرر الخروج من الباب الضيق، لكنه يبدو ممتناً للطريق الصعب، بحيث لا يصيبه أي قدر من العار، فالعار وحده يبقى من حق أولئك الذي صنعوا أو ساهموا في صنع هذا الجحيم الأرضي.

كانت المشاهد الجنسية الحادة والمتعددة من أكثر الصور الصادمة في الرواية، فالكاتب يشرح حياة الليل التي عاشها لأكثر من عقدين من الزمان، في صحبة القوادين واللصوص وبنات الهوى، حيث ألِف حياتهم، وعاش معاشهم، وفي عمق أدبي يحاول أن يسقط قسوة الأيام على الجنس، وهو التابو النمطي الذي يتحسّس منه المجتمع العربي، ويبدو أنّ شكري أراد بهذا القدر من الصراحة الفجة الانتقام من المجتمع مدعي الفضيلة والتديّن، والغارق في نفس الوقت في كل أنواع الرذيلة.

كانت الرواية التي تندرج تحت ما يسمى بأدب الشُطّار؛ أي الحرافيش والمهمَّشين، تمثّل صداماً حاداً مع التقاليد العربية، فهي جريئة في مخاطبة السماء، وتحدّي سلطة الأب، وطرح الجنس كموضوع، وهي أمور لم تألفها الرواية العربية، ويمكن القول إنّ "الخبز الحافي" تعد وثيقة اجتماعية شديدة الأهمية تعكس حالة المغرب أثناء الاحتلال وبعده.

فض قيوده وتحدى التيار، ليجني الكثير من الشهرة والمال والمكانة في أنحاء العالم

مع معاناة المنع

سلّم محمد شكرى الرواية العام 1972 إلى بول بولز الذي ترجمها إلى الإنجليزية، وترجمها إلى الفرنسية الطاهر بنجلون العام 1981 ولم تنشر بالعربية حتى العام  1982، ووصل عدد ترجماتها إلى ثمان وثلاثين لغة أجنبية.

ومع ظهور النسخة العربية ثارت ضجة كبيرة في المغرب، وظهرت حملة تزعّمها أحد الفقهاء من هيئة علماء المغرب، لمطالبة الدولة بمنعها، بحجة أنها تشجّع على العقوق على الأصول، مستقطعاً ما يدلل على أنّ القتل الرمزي للأب على صفحات الرواية، يمثّل دعوة صريحة للأبناء لسلوك هذا السبيل، وانتشرت دعاوى المنع، وبالفعل منعت الرواية بالمغرب، وعدد من الدول العربية.

تمكن شكري في شبابه من تعويض ما فاته وتجاوز أميته حتى تخرج من دار المعلمين وأجاد الفرنسية بطلاقة

على صعيد آخر، كانت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تقوم بتدريس "الخبز الحافي" لطلبتها ضمن مناهج الأدب العربي، ومع انطلاق حملات المنع في عدة دول عربية، بدأت ضغوط كبيرة على الجامعة لمنع تدريسها، وقامت تظاهرات بتحريض من التيار المتشدد خارج الجامعة، انضم لهم بعض أولياء الأمور المتزمتين، لتنصاع الجامعة الأمريكية في النهاية وتعلن وقف تدريس الرواية في العام الجامعى 97/98.

وفي العام 2000 أعلنت دار الساقي صاحبة حقوق النشر عن منع إدارة معرض القاهرة الدولي للكتاب رواية "الخبز الحافي" من المشاركة في المعرض ضمن ثلاثة كتب أخرى لمحمد شكري هي: الشطّار (الجزء الثاني من سيرته الذاتية) والخيمة، ومع المنع ذاع صيت الرواية أكثر فأكثر، وهبّت الأقلام المستنيرة تذود عن حرية الكلمة، وكان أبرز المدافعين عن شكري وروايته هو الروائي الكبير صاحب نوبل نجيب محفوظ.

مع ظهور النسخة العربية من الخبز الحافي ثارت ضجة كبيرة أثمرت عن منعها أكاديمياً وفي معارض الكتاب

خرج شكري من متاهة الأقدار التي فرضت عليه الفقر والجهل، ففض قيوده وتحدى التيار، ليجني الكثير من الشهرة والمال والمكانة في أنحاء العالم، وحين قرّر المرض أن يسدل الستار على مسيرته، حظي برعاية كاملة من الدولة، كأي مبدع تفخر به بلاده، وأصدر الملك محمد السادس أمراً ملكياً بعلاجه بالمستشفى العسكري بالرباط العام 2002، قبل أن يودع عالمنا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2003.

التاريخ يصنعه المهمّشون، ويكتبه المنتصرون، هكذا نبهنا محمد شكري، وهو يسرد رحلته في الهامش، ومدى قسوة الحرمان ووطأته على رقاب أولئك الذين قذفت بهم الأقدار إلى هذا العالم السفلي، عاش شكري لعنته مستسلماً ومتأملاً في الوقت نفسه مرافئها البعيدة، بين المواخير والمزابل وعوالم الجريمة، هامَ على وجه الليل الثقيل يلتمس طريقا للبقاء، كالسائر نائماً عبر الأزقة ومرافئ الذكريات، وتلك الأيام الطويلة المثخنة بالطعنات، كتب شكري سيرته الذاتية الخبز الحافي الصادمة لكل ثوابت مجتمعه وتقاليده الزائفة في عصر الاستعمار وما بعد الاستقلال، كتبها على صفحات الأيام ليعلن أن مهمّشاً سحقته الأقدار عَبر من نوافذ الأمل إلى حيث فضاء المعرفة الفسيح، لنعلم أنه ذات يوم مر من هنا.

يقول شكري:"لقد علمتني الحياة أن أنتظر، أن أعي لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته، قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها".

اقرأ المزيد...

الوسوم: