مبادرات المساواة التشريعية بين الجنسين: كيف يتم تصويرها كأحكام طغيان؟

مبادرات المساواة التشريعية بين الجنسين: كيف يتم تصويرها كأحكام طغيان؟

مشاهدة

20/02/2021

الطغيان هو صفة تنكيل السلطة أو القانون بالمواطن وحقوقه، لكن ماذا إن تمسك المواطن بحقه في التسلط على غيره من المواطنين، وعدّ هذا التصرف حقاً من حقوقه الأساسية والشرعية، بموجب القانون الذي منحه حق الأفضلية.

هنا يتولدّ لدى هذا المواطن الشعور بأنّ منح الحقوق لغيره انتقاص لحقه، واعتداء عليه، فيتراءى له أنّ أي مساعٍ للمساواة أو الحد من التمييز التشريعي هو بمثابة طغيان للسلطة والقانون على حقوقه الشخصية، فتصبح سيكولوجية رفض حقوق الآخرين نابعة من الرغبة في التسلط عليهم.

كلما تم تعديل تشريعي مجتزأ في قانون الأحوال الشخصية عربياً وُصف بأنه ممارسة طاغوتية

من أبرز الأمثلة على ذلك، رد فعل الأسياد البيض في الولايات المتحدة على وثيقة تحرير العبيد التي أصدرها الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن في العام 1863، حيث وُصف الإعلان بالطغيان في حق مُلاك العبيد؛ فأصبح استعباد الآخرين حقاً من حقوق الإنسان، وتلك مغالطة منطقية، فحقوق الإنسان لا تعني التسلط على الآخرين، حتى وإن كان هذا التسلط أمراً تجيزه القوانين؛ ولهذا نجد أنّ التشريعات القانونية في حالة تعديل مستمر حتى تواكب تطور الأمم في حاضرها وليس من أجل التماهي مع ماضيها.

إسقاط صفة الطغيان على مبادرات العدالة

إن نشأ المواطن على مبدأ الأفضلية القانونية على غيره من المواطنين لأسباب وطنية أو دينية، يرى التسلط على غيره حقاً مكتسباً لا يجوز الاعتراض عليه، ويرى المساواة أو تقليل الفوارق بمثابة الطغيان التشريعي.

اقرأ أيضاً: الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

وعلى نفس الشاكلة، كلما تم تعديل تشريعي مجتزأ على مدار المئة عام الماضية في قانون الأحوال الشخصية والأسرة في البلاد العربية، بغرض تقليل الفوارق التشريعية بين النساء والرجال، وُصفت التعديلات الحقوقية بأنها ممارسات طاغوتية؛ أي مستمدة من الطاغوت حسب اللفظ القرآني الذي تطوعه الجماعات الأصولية في خطابها.

وتستند هذه المغالطات المنطقية إلى إقناع الجماهير بأن حقوق النساء انتقاص لحقوق الرجال، ومن بين المبادرات التي توصف بالطاغوتية، مبادرة وجوب الطلاق في حضور الزوجين، أي إلغاء الطلاق الغيابي.

الطلاق الغيابي من منظور المساواة

الطلاق الغيابي ليس غريباً على بلدان العالم، بل يتم في البلاد التي أقرت المساواة التامة بين الأزواج والزوجات في حق الحصول على الطلاق المدني بدون ولاية أحدهما على الآخر أمام القانون، فالطلاق الغيابي ليس غريباً على الولايات المتحدة (على سبيل المثال لا الحصر)، ويُعرف في هذه الحالة بـDivorce in absentia .

الطلاق الغيابي ليس غريباً عالمياً بل يتم في البلاد التي أقرت المساواة التامة بين الزوجين

فلسفة الطلاق الغيابي في هذه الحالة قائمة على دفاع القانون المدني عن حق المواطن (الزوج) أو المواطنة (الزوجة) في التحرر من عقد الزواج في حالة تغيب أحد أطراف الزيجة، أي في حالة هجر أحد الزوجين للآخر، وهو ما ُيعرف بالهجر الصامت، مع عدم القدرة على الاستدلال على عنوانه أو عنوانها.

 هنا وجد القانون لحماية الزوج أو الزوجة (على قدم المساواة) من الآثار المترتبة على الاحتباس في عقد زواج غير قائم، ويصبح اللجوء للقانون والقضاء بمثابة التحرر من زيجة مبهمة المعالم؛ فالقانون وُجد لحماية المواطنين والمواطنات على حد سواء، فيصبح الطلاق الغيابي أداة مساواة بين الزوج والزوجة وليس أداة تفوق لطرف ضد آخر.

تلك الفلسفة التشريعية ليست قاصرة على الغرب، فإن اتجهنا شرقاً، سنجد أنّ عدداً من بلاد الشرق الأقصى ومن بينها اليابان وضعت حداً للطلاق الغيابي الذي يمارسه الزوج، كونه أداة تمييز تتنافى مع حقوق المواطنة العادلة بين الجنسين في العام 1947، ومن قبل هذا التاريخ كان الرجل بإمكانه تطليق الزوجة بمجرد كتابة ورقة تفيد بذلك، أما بعد المساواة القانونية، يمثل الطرفان أمام القضاء لإنهاء إجراءات الطلاق على قدم المساواة.

فلسفة الطلاق الغيابي في البلاد العربية

لكن فلسفة الطلاق الغيابي في البلاد العربية مختلفة تماماً، ولهذا فإنّ الترجمة الحرفية للطلاق الغيابي بـ Divorce in absentia يُفرغ القضية من معناها، وهو الأمر الذي نصطدم به في الأبحاث الأكاديمية خارج حدود البلاد العربية؛ حيث يتم إسقاط المصطلحات الغربية الأوروبية أو الأمريكية على واقع شرعي مختلف، قائم على فلسفة "ولاية الزوج"، وليس المساواة الجندرية أمام القانون.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين

لهذا فإنّ الطلاق الغيابي في البلاد العربية، والتي تستمد معظم حكوماتها قوانين الأسرة من تأويلات شرعية، يعني حق الزوج وحده في طلاق الزوجة غيابياً، عملاً بمبدأ الولاية على الزوجة؛ فكل ما يلزمه هو مأذون شرعي وشاهدان، كما يحق له رد الزوجة بدون علمها أو ضد رغبتها كذلك، فتتحول الزوجة إلى متاع بموجب القانون الشرعي المعمول به مدنياً.

إذن لا يوجد اشتراط لقبول المرأة ورضاها للعودة إلى زوجها في حالة الطلاق الرجعي أي في حالة عدم انقضاء العدة، حيث يردها الزوج ومن بعد ذلك يطلعها أو لا يطلعها على الأمر، وهو مختلف عن الطلاق البائن الذي لا يجوز فيه رد الزوجة.

وهو الأمر الذي يستهلك الكثير من الوقت والمجهود لبيان إن كان رد الزوجة تم في إطار الطلاق الرجعي؛ أي فترة شهور العدة وهو أمر جائز، أم في حالة الطلاق البائن الذي لا يجوز، وبدلاً من تصحيح الثغرات القانونية، يميل المشرع إلى لوم "الذمم الخربة" لبعض الأزواج، فتصبح المشكلة في التطبيق وليس في ثغرات القانون حسب بعض المشرعين.

 مطالبات توثيق الطلاق أو رد الزوجة بحضور الطرفين

أثار العوار في هذا القانون الكثير من المبادرات التي تسعى لحل إشكالية الطلاق الغيابي ورد الزوجة بدون علمها، في عدد من البلدان العربية، ومن بينها مصر، حيث اقترحت وزيرة التضامن الاجتماعي عائشة راتب في العام 1975 إلغاء الطلاق الغيابي بحيث يتم الطلاق بحضور كافة الأطراف أمام القاضي وليس المأذون الشرعي.

 قوبل طلب الوزيرة المصرية بثورة من طلاب الأزهر، اتهمتها بالتعدي على حدود الله التي جعلت حق الطلاق في يد الزوج، وقد روّت الوزيرة الراحلة في العام 2008 عن أزمة المظاهرات التي تفجرت داخل الأزهر بسبب مبادراتها، واتهمتها بالسعي لسحب حق الطلاق من يد الزوج.

فالشرع جعل الطلاق للزوج؛ إما بالأصالة؛ أي يوقعه بنفسه، وإما بالوكالة، وكذلك جعل حق الطلاق في يد القاضي، ويُسمى تطليقاً في أحوال محددة؛ وهي: الإضرار، كغيبة الزوج فترة طويلة، والإعسار بالنفقة، والإيذاء المحقق، وما عدا ذلك فهو غير شرعي، فضلاً عن الخلع الذي تم إقراره في عدد من البلدان العربية لاحقاً إلى فئة "التطليق " بيد القاضي.

وعلى الرغم أنّ المساواة التامة في طلب الطلاق في القانون المدني ليس اتهاماً أو إثماً، إلا أنّ الوزيرة عائشة راتب لم تطالب بالمساواة في حق الطلاق المدني فقط، بل بالحد من تسلط الزوج في استخدام حق الطلاق الغيابي وما يترتب عليه من إشكاليات، الذي وصفته بنزهة في طريقه إلى المقهي.

أثارت هذه المبادرة أزمة نقاشية حادة، وأصبحت النساء المطالبات بالمساواة أو حتى هؤلاء اللاتي يشكين من مأساة الطلاق الغيابي بمثابة المتآمرات على الإسلام، مما فتح مجالاً آخر للنقاش، وهو الترويع المعنوي واتهام المبادرات المعنية بالمساواة أو على الأقل تقليل الفوارق التشريعية بين الجنسين بمثابة الاعتداء على الذات الإلهية.

العصمة في يد الزوجة: منافاة للحق المدني  

 "العصمة في يد الزوجة" حالة فقهية يتم التذرع بها للرد على المطالبات بإلغاء الطلاق الغيابي للزوجات، لكن هذا التذرع يشوبه العديد من المغالطات ومن بينها:

- هذه الحالة نادرة وليست شائعة، والتذرع بامتلاك قليل من الزوجات لحق العصمة لا ينفي تعرض الأكثرية من النساء لإشكاليات الطلاق الغيابي؛ فامتلاك امرأة للعصمة لا يفيد امرأة أخرى تعرضت للطلاق الغيابي والرد للزيجة في حالة الطلاق الرجعي بدون علمها.

-  لا يجب أن يشترط العقد المدني أن تكون العصمة في يد رجل أو امرأة، العقد المدني يسعى للمساواة، لا منح طرف الغلبة على الآخر.

- هنا أصبح الحديث عن حقوق الزوجة مؤسساً على الرغبة في الجدل الفقهي لا الرغبة في حل أزمة التشريعات وعوارها وتأثيراتها المجتمعية في الزمن المعاصر الذي يختلف عن الزمان والمكان الذي ُوجد فيه التشريع، وهو ما تتم دراسته حسب علم أسباب النزول.

إلغاء الطلاق الغيابي في السعودية والمصلحة المجتمعية

أثار تصريح وزير العدل السعودي وليد الصمعاني مؤخراً بإلغاء الطلاق الغيابي في المملكة، مع وجوب وقوع الطلاق بحضور طرفي الزيجة ضجة كبيرة، حيث تراءى للمعترضين أنّ إلغاء حق الزوج في التصرف في زوجته بالطلاق الغيابي اعتداء على حدود النص الديني، لكن أصحاب هذه النظرية يتغاضون عن فلسفة التشريع القائمة على إيجاد حلول للبشر في حياتهم الدنيا.

حسب الوزير الصمعاني فإنّ مشروع القانون المنتظر ما هو إلا محاولة للتصدي للعديد من المشكلات الأسرية والاجتماعية؛ أي إنّ التعديلات قائمة على إيجاد اتفاقات واضحة بشأن حضانة الأطفال والزيارة وغيرها من الأزمات التي تنشب بعد وقوع الطلاق، لا سيما إن كان الطلاق قد وقع بشكل غيابي.

اللافت أنّ إصدار التصريح جاء من المملكة السعودية، مما يعد إشكالية كبيرة لكثير من المؤسسات الدينية في البلاد العربية والتي تعارض إلغاء الطلاق الغيابي على الرغم من عرض آثاره السلبيه المجتمعية، فأصبحت السلطة الدينية في تضاد مع الأزمات المجتمعية.

تمعناً في تصريح وزير العدل السعودي، ُيمكن التركز على نقطتين:

أولاً: لم يقترب التصريح من إلغاء نظام الولاية المعمول به على الرغم من إشكالياته، والتي لازال الاعتراض عليه تهمة، على اعتبار أنّ هذا جزء من المنظومة العامة.

 ثانياً: تصريح وزير العدل السعودي يأتي في إطار جزئي؛ أي إنّه لم يقر مساواة بقدر ما اقترح الحد من التمييز، لكن هذا التعديل الجزئي مردوده كبير في إطاره الاجتماعي، فالتشريعات أمر اجتماعي بالمقام الأول.

هل هدف القانون تغيير الثقافة أم إقرار المساواة؟

إلغاء الطلاق الغيابي لا يعد مساواة قانونية كاملة، لكنه يقع في إطار الحد من التمييز، والحد من استخدامه في التسلط أو ممارسة الأفضلية القانونية الممنوحة للأزواج حسب نص القانون، هنا تتعالى الأصوات بضرورة تغيير الثقافة أولاً قبل تغيير القوانين، وهنا نطرح رؤيتين:

أولاهما: أنّ التغييرات التشريعية تساهم في خلق ثقافة جديدة، فحين أقرت البلدان العربية حق المرأة في التعليم المدرسي والجامعي في القرن العشرين، دولة تلو أخرى، وعلى الرغم من اعتراض المجتمعات المحافظة على الأمر، إلا إنه أصبح أمراً بديهياً بعد عقود من الزمان، فالقانون يسهم في تغيير الثقافة بشكل متدرج.

ثانيتهما: مهمة القانون الأساسية ليست بالضرورة تغيير الثقافة في التو واللحظة، وإنما في إقرار المساواة بين المواطنين، أو على الأقل إجراء تعديلات تشريعية تدريجية تقلل من التمييز على أساس النوع، وهو ما تسعى إليه مبادرات إلغاء الطلاق الغيابي، وتوثيقه في حضور الطرفين، وما يتبعه من حل أزمات تتعرض لها الأسرة والأطفال فيما بعد؛ أي إن القانون يقر حقوقاً للزوجة وللزوج وللأطفال كذلك.

الصفحة الرئيسية