ما مصير أطفال الدواعش التونسيين المنسيين في سجون ليبيا؟

ليبيا

ما مصير أطفال الدواعش التونسيين المنسيين في سجون ليبيا؟


07/01/2020

في خضم الصراع السياسي بشأن كيفية التعامل مع إرث سنوات القتال في سوريا وليبيا والعراق، طفت مسألة إنسانية تتعلّق بالأطفال التونسيين العالقين في مناطق التوتر، الذين قادتهم خطيئة أوليائهم "الدواعش" إلى سجون ليبيا، التي يقبع فيها حوالي 44 طفلاً، على خلفية شبهات إرهابية تتعلق بوالديهم، وفق اللجنة البرلمانية التونسية التي زارت ليبيا عام 2017.

تختلف المعطيات المتداولة حول عدد المقاتلات التونسيات المحتجزات في سجون ليبيا

وبرغم التصريحات المتعاقبة للمسؤولين التونسيين بخصوص بذل جهود من أجل استرجاع هؤلاء الأطفال من السجون الليبية، فإنّ الإجراءات في الواقع تثبت عدم جديّة الجهات الرسمية التونسية في التعامل مع هذا الملف الحقوقي، وعجز الدولة عن حمايتهم، فيما تحاول بعض منظمات المجتمع المدني التونسي، بالتعاون مع العائلات، تحريك الملف لاستعادتهم ولكن دون جدوى.

وكانت ليبيا قد طالبت في العديد من المناسبات تونس باستعادة أبناء المواطنين التونسيين الذين التحقوا بتنظيم "داعش" على أراضيها، وكشف مركز دراسات أمريكي أنّ عدد المقاتلات التونسيات المنضويات تحت لواء التنظيمات الإرهابية المقاتلة في ليبيا وسوريا يبلغ نحو 804، وأعتُقل 104 منهنّ يقبعن في السجون السورية أو الليبية. وهناك كثيرات منهنّ أنجبن أطفالاً هناك. ويطالب العديد من الجمعيات والمنظمات التونسية بضرورة فتح ملفهنّ والالتزام بإعادتهن مع أولادهنّ إلى بلادهن وإدماجهن في عائلاتهن الموسعة تماماً كما فعلت روسيا والشيشان وبلجيكا.

فرج: فشل الدولة بترحيل الأطفال الأبرياء لبلادهم سيعمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشونها

أمهاتهم يحتمين بهم

وضبطت السلطات التونسية والليبية قائمة في 2017 تضم 43 طفلاً من المفترض أن يكونوا تونسيين، تم استرجاع ثلاثة أطفال منهم بعد التأكد من هويتهم في ذات العام، ومنذ ذلك الحين تحُول مشاكل عدة دون استرجاع الأطفال، ترتبط أغلبها بضعف التعاون القضائي في هذا المجال وصعوبة التعرف على الهويات وتحديدها.

اقرأ أيضاً: "أطفال داعش".. سلاح التنظيم الإرهابي بعيد المدى

ويقول في هذا الخصوص رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ هذا الملف استغرق وقتاً كبيراً دون الوصول إلى نتائج تذكر، برغم التقدّم على مستوى المفاوضات مع الطرف الليبي، والتنسيق مع المنظمات العالمية.

وكشف عبد الكبير أنّه تم استرجاع طفل واحد من جملة 39 طفلاً يقبعون في سجون ليبيا رفقة أمهاتهم، وأرجع ذلك إلى التعاطي الحكومي السلبي مع هذا الملف، إلى جانب توتّر الوضع الليبي، خاصّة أنّهم كلّما توصلوا إلى حلّ مع طرفٍ يصطدمون بآخر.

رئيس جمعية التونسيين العالقين بالخارج إقبال بن رجب: ملف أطفال تونس بسجون ليبيا أصبح وصمة عارٍ

عبد الكبير يشير أيضاً إلى أنّ بعض الأطراف الليبية ترفض الإفراج عن الأطفال أبناء مقاتلي داعش، إلا إذا تم حل الملف كاملاً بما في ذلك آباؤهم وأمهاتهم، واعتبر أنّ هذا التعنّت الليبي قد أخذ كثيراً من عمر الأطفال الذين عاشوا فترات طويلة على وقع أصوات المتفجّرات والقنابل، لافتاً إلى أنّ أمهات هؤلاء الأطفال أيضاً لم يتعاونّ في الملف؛ حيث إنّهنّ يرفضن التوقيع على الإفراج عن أبنائهن؛ لأنّهن يحتمين بهم لتأجيل محاكماتهم، خاصّةً أنّ القانون لا يسمح بانتزاع أطفال من أمهاتهم.

وأفاد عبد الكبير أنّ 50 بالمائة من الأطفال "الدواعش" التونسيين ولدوا في السجون الليبية، فيما فرّ 50 بالمائة منهم مع آبائهم وأمهاتهم منذ 2011، إلى ليبيا للانضمام إلى التنظيمات الارهابية، والمقاتلة في صفوفهم.

ومنذ ظهور تنظيم "داعش"، شاركت النساء في القتال في كل من سوريا والعراق وليبيا، وازدادت أعدادهن في صفوف التنظيم، بينهن تونسيات؛ حيث كشفت وزارة الداخلية التونسية مؤخراً عن وجود قرابة 120 امرأةً تونسية في بؤر التوتر، وأنّ نصف عدد النساء سافرن إلى سوريا والعراق وليبيا رفقة أزواجهن، والنصف الآخر غير متزوجات من بينهن طالبات.

أكثر من 50% من أطفال الدواعش التونسيين ولدتهم أمهاتهم في سجون ليبيا

وتختلف المعطيات المتداولة حول عدد المقاتلات التونسيات المحتجزات في سجون ليبيا؛ حيث تشير بعضها إلى وجود حوالي 20 سجينة تونسية في ليبيا، مع غياب تأكيدات رسمية حول ذلك.

تقاعس الجهات الرسمية

هذا ونظم العشرات من أهالي أطفال تونسيين عالقين في بؤر التوتر، في 27 أيار (مايو) الحالي، وقفة احتجاجية لمطالبة الحكومة بالتدخّل لإعادة أبنائهم من مناطق التوتر.

ويواصل أهالي أطفال انضمّ آباؤهم وأمهاتهم للجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا، منذ أشهر المطالبة باستعادة أبنائهم الذين قالوا إنّهم يعيشون أوضاعاً صعبة في السجون الليبية، ومخيمات إيواء لدى جماعاتٍ إرهابية شمالي سوريا.

اقرأ أيضاً: الموتى الأحياء.. أحدث طرق "داعش" لشنّ الهجمات الإرهابية

من جهتها، أكّدت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير لها صدر في 12 شباط (فبراير) 2018، أنّ المسؤولين التونسيين يتقاعسون في إعادة أطفال تونسيين محتجزين من دون تُهم في معسكرات وسجون تنظيم "داعش" في ليبيا وسوريا والعراق إلى بلدهم تونس.

وقالت إنّ أغلبية هؤلاء الأطفال محتجزون مع أمهاتهم، وأضافت أنّ أمهات الأطفال صرّحن، في مكالمات ورسائل نادرة مع عائلاتهنّ، أنهنّ يعشن في زنزانات مكتظة في ليبيا أو في معسكرات تتكوّن من خيام شمال شرقي سوريا، ويعانينَ من نقص حاد في الغذاء واللباس والدواء.

هيومن رايتس: أغلبية الأطفال محتجزون مع أمهاتهم

تأكيداً لذلك، قال إقبال بن رجب، رئيس جمعية التونسيين العالقين بالخارج والمهتمة بالملف، في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ الملف "أصبح وصمة عارٍ على الديبلوماسية التونسية، وعلى الحكومة، وعلى رئيس البلاد بشكل خاص، وأنّ التعاطي معه مرتبط بمصالح سياسية لا تهتم بمصلحة الأطفال الذين خسروا جزءاً مهماً من طفولتهم في سجون ليبيا".

رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبدالكبير: المقاتلات التونسيات يرفضن التوقيع على الإفراج عن أبنائهن

وأضاف بن رجب أنّهم استطاعوا بفضل التنسيق مع منظمات عالمية من إعادة طفلٍ يتيمٍ ظلّ فترة دون أمّ ولا أبٍ في السجون، واثنين آخرين استطاعت عائلتهما توكيل محامٍ نجح في إخراجهما من السجن وإعادتهما إلى أسرهما في تونس، متّهماً المسؤولين والسياسيين بـ"التراخي" في حلّ الملف، مشيراً إلى أنّ جمعيته راسلت رئيس البلاد الباجي قايد السبسي منذ 9 كانون الثاني (يناير)، لكنّهم لم يتلقوا أي ردّ.

رئيس جمعية التونسيين العالقين بالخارج أشار أيضاً إلى أنّ معدّل الأطفال المعنيين يتراوح بين 4 و6 أعوام، وهو ما يزيد خطر تعرّضهم إلى أزمات نفسية، في وقتٍ لا تقوم فيه الدولة بواجبها الطبيعي تجاههم بحماية مواطنيها، لافتاً إلى أنّها "تساهم في تنشئتهم على الإرهاب".

اللجنة البرلمانية غير مهتمة

أستاذ علم الاجتماع صلاح الدين بن فرج وصف في تصريحه لـ"حفريات"، هذا الملف بـ"المأساة الاجتماعية"، التي عجزت الدولة عن حلّها رغم خطورتها، وانعكاسها السلبي على الأطفال المساجين بشكل خاص، وقال إنّ الطفل لا يملك معطيات كافية لتفهم الأوضاع الاجتماعية والأمنية والجيوسياسية ليستطيع استيعاب مكان وجوده، ولا لتحميل المسؤولية لأي طرف.

يطالب عشرات الأهالي الذين انضموا للجماعات الإرهابية بإعادة أبنائهم

واعتبر بن فرج أنّ فشل الدولة في ترحيل الأطفال الأبرياء إلى بلادهم، سيعمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشونها، وسيولد الشك لدى فئة الأطفال والشباب حول دورها في حمايتهم، وشدّد على ضرورة استثمار كل الإمكانيات من أجل إنقاذهم، قبل أن يتفاقم خطر الإرهاب، لافتاً إلى ضرورة ألا تتحول فرضية الخطر القائمة إلى حجّة للتفريط فيهم.

فرج: فشل الدولة بترحيل الأطفال الأبرياء لبلادهم سيعمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشونها

في غضون ذلك، أكّد عدد من أعضاء لجنة التونسيين بالخارج البرلمانية، من الذين اتصلت بهم "حفريات"، حول عمل اللجنة من أجل استعادة أطفال مقاتلي داعش من سجون ليبيا، أنّهم غير معنيين بالموضوع وليست لهم معلومات حوله، فيما لم نتمكن من التواصل مع باقي الأعضاء.

وكانت بعض المصادر الليبية قد كشفت، في تصريحات صحفية متلاحقة، عن قسوة ظروف إقامة الأطفال في السجون، حتى إنّهم لا يحصلون على وجبات يومية كونهم ليسوا سجناء، ووجودهم استثنائي، وأنّ القائمين على السجن يعملون على أخذ حصص من وجبات السجناء ليوفروا منها وجبة للأطفال.

الصفحة الرئيسية