ما الذي جعل النكتة مصدراً إعلامياً لنا؟

ما الذي جعل النكتة مصدراً إعلامياً لنا؟

مشاهدة

11/01/2021

يقول "كارلوس زافون" في روايته "ظل الريح": "لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة، التي ستحوّل الواقع إلى نكتة سخيفة". قد تكون النكتة التي قصدها زافون هي التحفة الأخيرة لعبقرية العدم؛ حيث الكل يجلس مكتوف الأيدي أمام عنجهيّة الحماقة وسطوتها، ابتداءً من "صباح الخير"، التي لا نعنيها، انتهاءً بـ "تصبحون على خير" مجرّدة، لقد أصبح هذا الخير مجوفاً تماماً كاليوم البشري الذي يصنعه الجميع باللاجدوى والتفاهة، بينما الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يمكن أن يُقال بثقة: نحن لسنا بخير.

اقرأ أيضاً: الإرهاب وماكينة التضليل الإعلامي

"أدركنا منذ زمنٍ طويلٍ أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة، أن لا نأخذه على محمل الجد". تبدو هذه الوصفة الوجودية التي أطلقها "رامون" في رواية "حفلة التفاهة" "لميلان كونديرا" وصفةً ناجعةً، شرط ألّا نولي اهتماماً لما لم تقله، إنها لا تقول بوضوح تام: التفاهة هي الحل، فأن لا يؤُخذ شيء بجدّية، هي أن لا يكون هناك معنى لأي شيء، أو أن يفقد كل شيء معناه للأبد، هذه هي الحرية الأخيرة المتوفرة للكائن البشري اليوم، حريته المطلقة في أن يفقد معناه.

المفارقة التي تقوم عليها النكتة في مجتمعاتنا تحديداً تشير بحدّة إلى التناقض الذي تعكسه، فالمضحك الذي تصنعه اليوم يقوم تماماً على المُبكي

إنّ المفارقة التي تقوم عليها النكتة في مجتمعاتنا تحديداً، تشير بحدّة إلى التناقض الذي تعكسه، فالمضحك الذي تصنعه اليوم يقوم تماماً على المُبكي، إنها مؤشر على التفاهة التي يُدار بها واقعنا، فمن خلالها بات بإمكاننا أن نقيس منسوب التفاهة الذي يُصدَّر لنا في كل لحظةٍ، فكلما ازداد ضخّ النكات نعلم أنّ التفاهة تدير الكارثة، حتى أصبح بإمكاننا اعتبارها مصدراً إعلامياً ينقل الخبر بوضوحٍ عالٍ ودقةٍ، يفوقان أي تحليل لأصحاب البدلات الأنيقة الذين يجلسون على كراسي أوهام أو اعتقاداتهم بأهميتهم.

اقرأ أيضاً: كيف استغل الإخوان المسلمون سلاح الإعلام لتمرير أفكارهم؟

لماذا لسنا بخير؟ قد يبدو هذا السؤال فائضاً عن الحاجة أمام المردود العدمي لمجمل السلوك البشري، والذي يتقاطع مع نظريات فيزياء الكم الحديثة، في تأكيدها على أنّ الأفكار تصنع الواقع، إنّ أفكارنا وتصوراتنا أو الأصح ما نعتقد أنها أفكارنا وتصوراتنا، ساهمت بشراسةٍ في صناعة الواقع الذي نعيش، وبهذا السياق سيكون الجواب الأكثر حسماً على لماذا لسنا بخير؟ لأننا لسنا بخير، ولكن هذه الإجابة تنتمي إلى ذات الحظيرة التي هربت منها ثيران اللا جدوى لتفتك أقدامها بالعالم. من أطلق هذه الثيران؟ ولماذا لا يستطيع أحد أن يعيدها إلى الحظيرة؟ ربما كل الإجابات التي ستُقال صحيحة، ولكنها لن تغير شيئاً.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل الإعلام الديني من الوعظ لخطاب أيديولوجي سياسي؟

لم تتوقف الأنظمة التسلطية عن تغذية واقعنا بالنزعات التي حددتها "كارين هورني" وهي "التحرك ضد الآخرين، والتحرك نحو الآخرين، والابتعاد عن الآخرين"، لتخلق مناخاً عدائياً يجعل من الآخر عدواً، إن كان بمقاومته أو الابتعاد عنه أو التبعية له، الآخر الذي يتجذر في داخلنا أكثر، ليسيطر على جميع سلوكاتنا وأهدافنا، وفي بحثنا عن الطمأنينة، سنهرب من ألم القلق، الهرب الذي سيبعدنا عن ذواتنا أكثر. ولهذا تحت سقف الانكماش الاقتصادي الذي غطى العالم في العام المنصرم نتيجة لتفشي كورونا، تُفاجئنا الإحصائيات العالمية بازدهار سوق التسلّح  وتجارة السلاح.

اقرأ أيضاً: أردوغان والإعلام والأنا المتضخمة

لقد عبر العالم عاماً صاخباً إلى العام الجديد، وأنظار البشرية كالعادة تتطلع إلى عامٍ سعيدٍ تتجاوز فيه إخفاقاتها المتكررة، ولكن ماذا سنفعل لنحظى بهذه السعادة، في عالمٍ عبر تاريخه لم يُفضِ النمط التملكي فيه بشقيه الاكتنازي القديم والاستهلاكي الحديث إلى أي وجه من أوجه السعادة، فأوهام السيطرة والتملّك التي ساهمت بفعاليّةٍ في تقهقر الوعي وترديه، فرضت قيماً كميّة ونهائية على عالمنا، وإلا ماذا يعني أن نقرأ على عداد "وورلد ميتر" أنّ 216 ألف متوفى من الجوع منذ مطلع العام السعيد فقط؟ ماذا لو منحنا هذه الأرقام أجساداً لإناثٍ وذكور، لأطفالٍ وشبان وعجائز كانوا منذ قليل يعيشون بيننا على هذا الكوكب، العداد لا يوثق شدة ألمهم وإحساسهم بالجوع، ولا حتى الحكاية التي كانوا سيروونها لو ظلوا على قيد الحياة، ولكنه يخبرنا في كل مرة يقلب إلى رقمٍ جديد: أننا لسنا بخير.

بدأ عام جديد ولكن على الروزنامة فقط، فعداد "وورلد ميتر" لوفيات الحرب والجوع والمرض وسوء التغذية ما زال يمضي في جنونه الجهنمي

لقد كان عاماً ممتلئاً، خلق فرصاً واسعة لإشعال حروبٍ، سدّد ثمنها كالعادة من لا يد لهم في إشعالها، كان عام الحرائق بأفواهٍ غير مسبوقةٍ، عام الأمراض والأوبئة. حقاً لقد تخلصنا من عامٍ ثقيل، لكن الأمنيات الطيبة بعامٍ سعيد، لن تجعل هذا العام أفضل، فهذا ما تمنيناه في كل السنوات السابقة وما لم يحدث، إنّ السعادة ليست أمنية نتمناها بل شيئاً نصنعه، بينما في كل ما فعلته البشرية حتى الآن لم تترك وراءها سوى خيط طويل طويل من الألم والخوف، فالبشرية التي تعيش قلقَ الغد على ما تفعله اليوم؟ هذا لأنّ الواقع الذي خلقته أصبح نكتة سخيفة، أجل إن "كارلوس زافون" محق، فنحن نعيش عصر الابتذال والإفراط بالتفاهة، ولكننا في النهاية لن نجد ما نضحك عليه سوى أنفسنا.

اقرأ أيضاً: مستقبل غير مشرق للإعلام الإخواني

كل عام وأنتم بخير، بدأ عام جديد ولكن على الروزنامة فقط، فعداد "وورلد ميتر" لوفيات الحرب والجوع والمرض وسوء التغذية ما زال يمضي في جنونه الجهنمي، وألبوم صور الأطفال المشردين على حدود أوطانهم لم يغلق، والصرخة التي أطلقها طفل في وجه العالم: ما أتفهك، لم تهز شعرة واحدة في رأس السياسات التي تدير العالم، وما زلنا نردد مع أحمد مطر / نموت كي يحيا الوطن/ يحيا لمن؟/ إن لم يكن بنا كريماً آمناً/ ولم يكن محترماً/ ولم يكن حراً/ فلا عشنا ولا عاش الوطن/.

الصفحة الرئيسية