مؤرخو السلاطين إذ يهملون ثورة الزنج ويصفون أبطالها بالفاسقين

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية

7296
عدد القراءات

2018-05-30

بينما انشغل مؤرخو العرب، بتسطير إنجاز الحُكام، وتمجيد الفاتحين، أهملوا التأريخ لحركات اجتماعية، ثار أصحابها سعياً للعدالة والمساواة، وهو ما قام به الزنج بقيادة علي بن محمد أو "سبارتاكوس العرب" كما أطلق عليه عميد الأدب العربي طه حسين، فيما راح مؤرخون يصفون أبطال تلك الثورة بالفاسقين.

الرق قديم قدم الإنسان، عرفه البشر منذ قرون طويلة، ونال أصحاب البشرة السمراء منه النصيب الأكبر، وحين جاء الإسلام لم يُحرم الرق؛ بل وضع له أّطراً دينية واجتماعية، تمنع السيد من الإساءة للعبد، وتجعل عتق الرقاب من أعمال البر والتقوّى، لكن الواقع لم يكن بجماليات النص الديني الذي حض المسلمين على الرفق بالعبيد، وإعتاق الرقاب. توسعت الدولة الإسلامية في فتوحاتها، وجُلب الأسرى من كل أنحاء العالم وظهر نوع جديد من الرق كان الأكثر سوءاً وهو "النخاسة"، فقدم الرقيق من أفريقيا، والحبشة، وكذلك بعض بلدان أوروبا التي غزاها المسلمون، وزادت أعداد العبيد في الدولة وأصبحوا يعملون بالزراعة وكل الأعمال المرهقة، فقد كانوا عمالة زهيدة الثمن، قوية البنية، لذلك تم استغلالهم من الجوانب كافة.

لم تكن الأحوال الاقتصادية وحدها دافع الزنج للثورة بل التحقير الاجتماعي ووصمهم بأنهم لا يشعرون وعقولهم محدودة

في كتابه "ثورة الزنج"، يحلل الباحث العراقي فيصل السامر الحراك الاجتماعي الذي أحدثه الزنوج خلال الحكم العباسي، قائلاً إنّ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري شهد "أعظم حركة قام بها الزنج في وجوه أسيادهم مطالبين بتحسين أوضاعهم الاجتماعية، كانت أعدادهم ضخمة حتى بلغت قواتهم ثلاثمائة ألف محارب"، وهو ما يقود إلى التنقيب عن الأسباب التي دفعت العبيد لتنظيم أنفسهم ومواجهة الدولة، في إطار بعيداً كل البعد عن الدين.

لم يتخذ الزنج شعارات دينية أو قومية، أو عرقية؛ إذ وضعت مطالبهم في إطار اجتماعي بحت يعكس ما آلت إليه أوضاعهم من تردٍ، وهو ما أكده أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا، الدكتور محمد فياض لـ"حفريات"، معتبراً أنّ "ثورة الزنج أولى الثورات التي تمّ تشويهها في التاريخ الإسلامي وأهمها، هي انتفاضة عمالية لفئات مسحوقة اجتماعياً تعاني من أوضاع رثّة، ولكن المشكلة الحقيقية في هذه الثورة أنّ من أرّخ لها كانوا كُتّاب البلاط، الذين ابتغوا إرضاء الخلفاء، لهذا تم تشويهها بشكل كبير، ولكنها أهم ثورات التاريخ الإسلامي ذات الأبعاد الإجتماعية الخالصة، وحتى الآن لم تكتب بشكل منهجي صحيح".

كتاب "ثورة الزنج" للباحث العراقي فيصل السامر

تأصيل سيسولوجي

طال التشويه ثورة الزنج، حتى قضي عليها، وطمست من التاريخ، وتم استحضار النعرات الدينية والمذهبية  لتشويه الثوار، بينما الأمر لم يتعدَّ حراكاً اجتماعياً على ظروف المعيشة، فبمجرد إلقاء النظر على الأوضاع الاقتصادية والتناقضات الصارخة التي خلقتها الدولة الإسلامية، ابتداءً بالأمويين، مروراً بالعباسيين، فإنّ ثورة الزنج لم تكن سوى النتاج التراكمي للآليات الاقتصادية التي انتهجتها دولة الخلافة وعصفت بحق الأغلبية لصالح الأقلية.

كما أنّ منظومة الاقتصاد الإقطاعي - الرأسمالي، التي ملكّت الأراضي للنبلاء، عادت بالمسلمين إلى إقطاع روما، وفرضت الضرائب الباهظة على الفلاحين، حتى إنّ بعض الملاك الصغار والفلاحين كان يسجل أرضه باسم مسؤول في الدولة يرتضي ذلك، مقابل جزء مما تخرجه الأرض، ليلوذ بالفرار من ضرائب تركت آلاف الفلاحين الفقراء في بلد يعتمد على الزراعة بالمقام الأول.

لم تكن الأحوال الاقتصادية وحدها دافع الزنج للثورة، بل التحقير الاجتماعي الذي لاقوه، فبينما كان يباع العبد الأبيض مقابل ألف دينار، يباع العبد الأسود مقابل ثلاثين فقط، ووصموا بأنهم لا يشعرون وعقولهم محدودة، وكان يتم تشبيههم بالحيوانات، وقد ثار الجاحظ لما يلاقيه الزنج من معاملة ووضع اجتماعي غير آدمي، فدافع عنهم في إحدى رسائله بعنوان "فضل السودان على البيضان"، رافضاً النظرة الدونية التي دفعت إلى تسخيرهم لأكثر الأعمال الشاقة؛ حيث عملوا بالقسم الأدنى من دجلة والفرات لجمع سباخ الأرض، وهي منطقة موبوءة بالملاريا، أصيب العديد منهم بالملاريا، ولقي حتفه؛ إذ كانوا يبيتون في العراء بلا مأوى من البرد أو الحر، بحسب ما استعرض أحوالهم بدقة الباحث العراقي سامر الفيصل.

دافع عنهم الجاحظ بإحدى رسائله بعنوان "فضل السودان على البيضان"

صراع العروش

في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، اخترق العسكر الأتراك نظام الدولة الإسلامية، وأصبحوا مسيطرين على الخلافة، يضعون خليفة ويقتلون آخر، ويحكمون عبر خلفاء لا يتعدى دورهم الأداء الحركي والمظهري لقيادة الدولة، في كتابه "مسلمون ثوار"، أرّخ الدكتور محمد عمارة لخلفاء الدولة العباسية بالتزامن مع تصاعد حراك الزنج الذي عكس حدة الصراع الطبقي المستفحل في ظل تلاعب الأتراك بسياسات البلاط، كان هذا الدافع لقتلهم الخليفة المنتصر، الذي أشاع العدل بين الناس، وخفّض الضرائب، وسعى لتوحيد الصف، وتصالح مع العلويين، أخطر الجبهات عداءً للعباسيين، وهو ما أغضب الأتراك، فقرروا التخلص منه، والإتيان بالخليفة "المتوكل"، الذي كان ضعيفاً مستسلماً، يطيع الأوامر القادمة إليه من سامراء.

لم يتوقف الأمر عند قتل الخليفة فحسب، بل امتد لاعتقال ونفي حاشيته وأتباعه، الذين كان على رأسهم "علي بن محمد" قائد الزنج ومفجر الثورة، والذي لم يحفل به التاريخ المنشغل بنقش أسماء الخلفاء بحروف من ذهب، وما ورد عن أثره لم يكن بكثير، إلاّ أنّ درايته الكبيرة بأحوال الزنج على اختلاف شرائحهم، أدت لنجاح دعوته، لهؤلاء البائسين الذين لا ناقة لهم في الحياة ولا جمل، لا يملكون ما يخسرونه، متلهفين لأّية بارقة من التغيير في حياتهم، وهو ما عمل عليه قائدهم، الذي سعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، فبينما تراكمت الثروات في خزائن الأسياد، لم يعرف العبيد طعم الشبع، كانوا يجوعون دائماً، ويضربون إذا اشتكوا الجوع لأسيادهم.

بانتهاء ثورة الزنج تنتهي أطول ثورات التاريخ الإسلامي وأكثرها دموية مخلفةً بحسب المؤرخين نصف مليون قتيل

بدا الطريق ممهداً أمام علي بن محمد، لتحقيق أهدافه، والثأر من الدولة العباسية والأتراك، فهذه الفئة المضطهدة اجتماعياً المشبعة بالفقر، والمتخمة بالتخلف، رأت في القائد خير من يمثلها، فاستطاعوا هز عرش الدولة العباسية، وتكبيدها العديد من الخسائر، فقد شُلت حركة الاقتصاد ككل، وأغاروا على بيوت كبار الملاك فاستولوا على الطعام وأكلوا حتى شبعوا، وهو ما يعكس سوء حالتهم، وتطلعاتهم الإنسانية البعيدة كل البعد عن الدين أو السياسة، هذا ما أشار إليه المؤرخ والفيلسوف اللبناني حسين مروة في موسوعته "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"؛ حيث برهن على أنّ فشل الحركة وإجهاضها لا يرجع لشيء إلا لقصر الرؤية الأيديولوجية التي حملها القائد، والتي حالت بينه وبين صياغة برنامج أو مطالب في إطار منهجي لحل معاناة هؤلاء الثائرين، وكذلك عمق التخلف الاجتماعي الذي عاناه الأتباع، لم يكن بمعين على صياغة مطالب، أو وضع إطار ثوري يتحركون من خلاله لتحديد أهداف وآليات عمل لتحقيق هذه الأهداف، إذاً فالرؤية الأيديولوجية وقصورها حالت بين ثورة الزنج وبين تحقيق الهدف على الرغم من استمرارها عشرين عاماً.

خلّد الشاعر المصري أمل دنقل ملحمة اسبارتاكوس بقصيدة "كلمات اسبارتاكوس الأخيرة"

معلّقٌ على مشانق الصباح

خلّد الشاعر المصري أمل دنقل ملحمة اسبارتاكوس بقصيدة "كلمات اسبارتاكوس الأخيرة"، ولمَا قدمه عميد الأدب العربي طه حسين من تأريخ لسيرة ثورة الزنج وقائدها التي أسقطها على ثورة العبيد في روما، وكيف وقف التاريخ مستشهداً ببسالة سبارتاكوس، ولم يحفل ببسالة "علي بن محمد" وأتباعه، الذي حارب الزنج الدولة العباسية حرباً شرسة لم تهدأ يوماً ولم تتخللها الهدنة، ودفعت بسالتهم الفريدة أعداءهم من كتاب السلطة، إلى الاستشهاد بها على الرغم من طمسهم لحقيقة ما حدث، ففي تأريخ الطبري للوقائع نجد عبارات مثل "وقاتل الفسقة أشد القتال" وفي موضع آخر "وصبر الفسقة أشد صبراً وقاتلوا".

كانت المختارة العاصمة التي بناها الزنج لهم، وحصنوا أنفسهم فيها من العباسيين، موقع الحرب، فقد حاصر جيش الدولة الثوار أربع سنوات، بلا إمدادات ولا طعام ولا ماء، حتى أكل بعضهم بعضاً من الجوع، وأعطت الدولة الأمان لمن يهربون ويلتحقون بمعسكرهم فتمنحه خيلاً وتغدق عليه العطاءات والنعم، وتظهره أمام أعوانه الجوعى، لتحفيزهم على ترك المدينة والعدول عن الثورة.

في غمرة ذلك، اضطر القائد إلى الهرب، ومعه بعض أتباعه، ليلاحقه الجند الذين لم يتمكنوا من قتله إلاّ بعد أن لاحقه لؤلؤة قائد الجيش المصري ومعه بعض كتائب الجيش،  الذين  قطعوا رأسه وأعادوها إلى العباسيين ليحتفلوا بقتل من أذاقهم الويلات عشرين عاماً أو يزيد، ولم يتخلَّ عن موضعه، ولم تزحزحه المغريات عن مطالبه الثورية حتى قطعت رأسه، لتنتهي أطول ثورات التاريخ الإسلامي، وأكثرها دموية، مخلفةً بحسب المؤرخين نصف مليون قتيل، ليهلك معظم أهلها، ويسطروا بدمائهم ملحمة لا تقل ثورية عن ملاحم أبطال روما، وفرسان الإغريق.

اقرأ المزيد...

الوسوم: