لماذا سطع نجم كولن ولسن ثم خبا؟!

لماذا سطع نجم كولن ولسن ثم خبا؟!

مشاهدة

04/04/2021

يندر أن تلتقي بمثقف عربي من مواليد الخمسينيات أو الستينيات، دون أن يؤكد لك بطريقة أو بأخرى، أنّ كتاب (اللامنتمي) لكولن ولسن (1931 - 2013) قد مثّل منعطفاً حاسما في تكوينه الثقافي الأول. والحق أنّ ولسن ذاته ظلّ يمثّل أيقونة بكل ما في الكلمة من معنى، لكثير من المثقفين العرب، حتى منتصف الثمانينيات، وإلى الحد الذي كان يصعب معه مطالعة مقال أو دراسة أو كتاب أو حتى حضور ندوة، دون أن يتردّد اسم ولسن أو عنوان كتابه الأول.

ومع أنّ غير قليل من كتّاب الغرب قد سطعت نجومهم في سماء الثقافة العربية ثم مالت للبهوت تدريجياً وبنسب متفاوتة، إلا أنّ ولسن تحديداً ومقارنة بهم، اختفى أو كاد يختفي على نحو مثير للدهشة؛ فما زال همنغواي وماركيز وبورخيس، على سبيل المثال لا الحصر، يحظون بحضور ملموس، لكن مبدع (اللامنتمي) توارى وكأنه لم يكن لسنوات طويلة مالئ دنيا الثقافة العربية وشاغل مثقفيها.

يندر أن تلتقي بمثقف عربي من مواليد الخمسينيات أو الستينيات، دون أن يؤكد لك بطريقة أو بأخرى، أنّ كتاب (اللامنتمي) لكولن ولسن مثّل منعطفاً حاسما في تكوينه الثقافي الأول

ورغم توفر بعض التفسيرات التي قد تبرّر هذا الغياب الفادح، مثل القول بأنّ (اللامنتمي) ليس أكثر من ضربة حظ أو القول بأنّ ولسن لم يستطع تجاوز أطروحته الأولى وظل يجترّها أو القول بأنه أغرق في الكتابة عن الجنس أو الجريمة أو القوى الخارقة، إلا أنّ هذه المزاعم كلها، مفردة ومجتمعة، تظل غير مقنعة؛ بدليل أنّ العديد من الكتّاب ظلوا يقتاتون على الشهرة التي جلبها لهم كتاب واحد من كتبهم، وبدليل أنّ العديد من الكتّاب أيضاً، قبل ولسن وبعده، أغرقوا في الكتابة عن الجنس والجريمة أو القوى الخارقة وحازوا، مع ذلك، كثيراً من الشهرة. ويكفينا على هذا الصعيد التنويه بسلسلة روايات (هاري بوتر) لرولنغ التي استأثرت بمتابعة وإعجاب مئات الملايين من القرّاء، على اختلاف مكوناتهم التعليمية أو الثقافية ومستوياتهم الاقتصادية أو الاجتماعية، ورغم الحمولة الثقيلة من الخرافة واللامعقول التي تثقل كاهل هذه السلسلة الروائية السحرية.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

ولعلّ أخطر ما ظلّ يخطر لي كلّما أعدت التفكير في هذا اللغز، يتمثل في حقيقة أنّ (اللامنتمي) قد غزا الغرب والعرب في ذروة الحرب الباردة! وإن كان اجتياحه للغرب في عام 1956 يمكن أن يُفسّر بتصاعد حركات الشباب الغاضب؛ الوجودية واليسارية والفوضوية، فإنّ ترجمته واجتياحه للوطن العربي بعد عام واحد فقط من صدوره في بريطانيا يدعونا للاستغراب حقا؛ لأن الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تمثّل الحقبة الذهبية للمد الأيديولوجي العربي المتشدّد بكل تجليّاته؛ القومية والماركسية! فكيف يمكننا الجمع بين التشدد السياسي الذي وسَم الناصريين والبعثيين والشيوعيين من جهة، وإقبال مثقفي هذه التيارات غير المسبوق على التهام وترديد مقولات كتاب منقوع في اللايقين واللاجدوى من جهة أخرى؟

اقرأ أيضاً: لماذا نقرأ بعيون الآخرين؟

والأخطر مما تقدم، يتمثل في صعوبة مقاومة التفكير بما اشتمل عليه كتاب الباحثة البريطانية سوندرز (مَن يدفع للزمّار؟) من معلومات صادمة على صعيد الزعم بوجود علاقات وطيدة ربطت العديد من كبار الكتّاب في الغرب بأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية! فهل كان ولسن أحد ضحايا هذه العلاقة التي أريد لها أن تتمخض عن كتاب تقويضي واحد فقط لخلخلة التماسك المتزايد في صفوف اليسار الشبابي الغربي ومن ثم إسدال الستارة على الكِتاب بعد أن يؤتي ثماره؟ وهل تفسر هذه العلاقة المفترضة التحول المفاجئ في موقف النقاد البريطانيين من الكاتب بعد أن أصدر كتابه الثاني (ما بعد اللامنتمي)؟ وإلى أي مدى أسهم إصرار ولسن على إصدار مزيد من الكتب، رغم التزايد في تجاهله ثقافياً ونقدياً وإعلامياً، في إحكام الحصار من حوله؟ وهل كان ولسن يدرك الدور الذي اضطلع به كتابه على الصعيد السياسي والفكري أم أنه جرى توظيفه عن بُعد وعبر وسطاء مثل بعض الكتّاب الذين لم يدركوا هذه الحقيقة المرّة كما زعمت سوندرز؟

مع أنّ كتّاباً غربيين سطعت نجومهم في سماء الثقافة العربية ثم مالت للبهوت تدريجياً وبنسب متفاوتة، إلا أنّ ولسن اختفى أو كاد على نحو مثير للدهشة

ومما يزيد من وجاهة هذه التساؤلات، رغم أنّ كاتب المقال ليس من المعجبين بنظرية المؤامرة، المصير الذي حاق بمترجم الكتاب إلى العربية! فكل ما نعرفه عن أنيس زكي حسن أنه قاص ومترجم عراقي كان يعمل وينشر في دوائر ومجلات النخبة الثقافية العراقية، وأنه قد آثر الانزواء رغم العروض المغرية التي قُدّمت له لترجمة مزيد من كتب ولسن، بدعوى أنّ ما نشره مؤلف (اللامنتمي) بعد كتابه الأول لا يستحق الترجمة! وحتى تتكاثف ظلال اللغز أكثر فأكثر، فقد طلع علينا أنيس منصور بمقال نشره في جريدة (الشرق الأوسط) عام 2008 وتساءل فيه عما تبقى من (اللامنتمي) كما نوّه بمترجمه الفذ الذي اختفى من المشهد الثقافي العراقي والعربي، لتصله رسالة شكر أليكترونية من أنيس زكي حسن الذي أعلمه بأنّه يعيش في باريس بعيداً عن عالم الثقافة والمثقفين العرب !

وإن كان المفكر العتيد عبد الرحمن بدوي، لم يدخر وسعاً لاتهام عدد من المفكرين والكتّاب العرب بالعمالة للإنجليز، كما لم يدخر وسعاً لتعزيز هذا الاتهام بالأدلة والبراهين التي أودعها سيرته الذاتية المسهبة، فإنّ كل ما أوردناه من فرضيات وتساؤلات لا يعدو كونه ضرباً من ضروب العصف الذهني الذي تصعب  مقاومة الانسياق معه كلّما ذُكر كتاب (اللامنتمي) أو كلّما ذُكر المصير الذي آل إليه مؤلفه كولن ولسن؛ غرباً وشرقاً !

الصفحة الرئيسية