لماذا تئن مراكب الصيد في غزة من العطالة والتعب؟

لماذا تئن مراكب الصيد في غزة من العطالة والتعب؟

مشاهدة

03/01/2021

داخل ميناء غزة البحريّ، يتأمّل الصيّاد، أحمد أبو حمادة (33 عاماً)، وهو أب لعائلة مكوّنة من ستّة أفراد، بنظرات تملؤها الحسرة والألم، مراكبه المعطلة والمصطفة على جانب الميناء، بعد منع الاحتلال الإسرائيليّ، منذ عدة سنوات، إدخال المعدّات وقطع الغيار اللازمة لصيانتها وإعادتها للعمل مجدداً، ليمارس بحقّ الصيّادين عقوبات جماعيّة تهدف تشديد الخناق عليهم ومحاربتهم في معيشتهم.

اقرأ أيضاً: تردّي الأوضاع الاقتصادية يدفع سكان غزة إلى أفران الطين

ويضيف أبو حمادة، الذي يعمل في هذه المهنة منذ 16 عاماً، لـ "حفريات": "مراكبي الثلاثة، والمعروفة محلياً "بالحسكة"، والمصنوعة من الألياف الزجاجية "الفيبر جلاس"، تعرضت قبل عدة سنوات لأضرار بالغة، نتيجة إطلاق النار على أحدها من قبل البحريّة الإسرائيلية خلال العام 2016م، بينما تعرضت المراكب المتبقية للتلف بفعل الرياح الشديدة، والتي تسبّبت بارتطامها بحواف الميناء الخرسانية، ما تسبّب بتحطيم هياكلها بشكل كامل".

أحمد أبو حماة

وتشير عمليات الرصد والتوثيق، وفق بيان لمركز "الميزان"؛ إلى أنّ قوات الاحتلال ارتكبت، منذ بداية عام 2020، (92) انتهاكاً بحقّ الصيادين في عرض البحر، أطلقت خلالها النار تجاههم (92) مرة، فأصابت (6) صيادين، واعتقلت (3) آخرين من بينهم طفل، فيما استولت على قارب صيد، وخرّبت (7) مراكب ومعدات صيد.

ووفق معطيات نقابة الصيادين بغزة؛ يوجد 250 قارباً من نوع "حسكة"، و5 قوارب من نوع "لنش" معطّلة، بسبب عدم وجود قطع غيار لإصلاحها.

مراكب الصيد في غزة في حاجة إلى أكثر من 300 محرك كي تستطيع الاستمرار في عملها، وهي غير متوفرة في الأسواق المحلية

وتُقدر وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة عدد الصيادين بحوالي 3600 صياد، وحوالي 500 شخص يعملون في المهن المرتبطة بالصيد، مثل: تجار السمك، والميكانيكيين، والكهربائيين، وبنّائي المراكب، وتجار أدوات الصيد.

وتنصّ اتفاقية "أوسلو"، الموقَّعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيليّ، في 13 أيلول (سبتمبر) عام 1993، على السماح للصيادين بالإبحار مسافة 20 ميلاً بحرياً على طول شواطئ قطاع غزة، إلا أنّ الاحتلال قلّص المسافة إلى 6 أميال بحريّة فقط، وفي بعض الأحيان يمنعها تماماً.

أجساد بلا قلب

وبيّن أبو حمادة؛ أنّ "أسعار معدّات الصيد تضاعفت كثيراً في غزة، في ظلّ مواصلة الاحتلال منع إدخال قطع الغيار اللازمة لصيانة مراكب الصيد، حتى ارتفعت أثمانها في الأسواق المحلّية، حال وجدت، إلى 100%، مبيناً أنّ "ثمن جالون "الفير جلاس" (سعة 20 لتراً)، يتراوح بين 2200 إلى 2400 شيكل ( 700 دولار أمريكي)، فيما لا تتوافر المحركات التي تعمل بالديزل، التي لا يقلّ ثمن المستخدم منها عن 1300 دولار أمريكي، بينما يصل المحرك الجديد، والذي يمنع دخوله إلى القطاع إلي 2200 دولار أمريكيّ، وهي تكاليف باهظة لا أستطيع تحمّلها بعد توقّفي عن العمل، لعدم وجود أيّ بديل لصيانة المراكب المعطلة".

اقرأ أيضاً: لماذا لا تستطيع مزارعات غزة الوصول إلى أراضيهن؟

وتصعّب الإجراءات الصهيونية المتبعة بحقّ الصيادين عليهم إمكانية صيانة مراكبهم المعطلة، وتبقى قواربهم كأجساد بلا قلب، لعدم تمكّنهم من تحصيل ثمن صيانة هذه الأعطال بفعل التضييقات الإسرائيلية المستمرة، المتمثّلة في تقليص مساحة الصّيد، وإساءة معاملة الصيادين بإطلاق النار المباشر عليهم، ومنعهم من الصيد، واحتجاز مراكبهم في المواسم التي تشهد ذروة انتشار الثروة السمكيّة، من شهري نيسان وحتى حزيران.

أسعار معدّات الصيد تضاعفت كثيراً في غزة

وأكّد أبو حمادة؛ أنّ الاحتلال الإسرائيليّ يتحكّم في مساحات الصيد ومسافة الإبحار لدى صيادي غزة، لتصل إلى ثلاثة أميال، ولا تتجاوز في أحسن الأحوال 9 أميال بحريّة،"وهي مسافات لا توجد فيها كميات كبيرة من الأسماك"، مبيناً أنّ "إسرائيل تتعمّد عدم إدخال معدات الصيد بحجج وذرائع أمنيّة واهية، بهدف التنغيص على الصيادين، وعرقلة عملهم، وزيادة الأعباء عليهم، وإرهاقهم بالديون، لدفعهم لبيع قواربهم، والتخلّي عن هذه المهنة، حتى يكونوا ضحيّة الفقر والبطالة".

منع إسرائيل إدخال معدّات الصيد

ولم يختلف الحال لدى الصياد خالد إبراهيم الهبيل، الذي يمتلك مركباً كبيراً يتجاوز طوله 16 متراً، ويزن أكثر من 50 طناً، والمعطّل منذ عام 2018؛ بسبب حاجته إلى "قير بحري"، والذي يتحكّم في سرعة المركب، بعد فشل كافة محاولاته بالحصول عليه محلياً، بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال كافة المحركات والأسلاك المعدنية، وقطع الغيار اللّازمة لصيانة المركبات للقطاع.

اقرأ أيضاً: طيور السِمان تقطع آلاف الأميال لتقع في شباك صيادي غزة

وتابع الهبيل ( 55 عاماً)، وهو أب لعائلة مكوّنة من تسعة أفراد، خلال حديثه لـ "حفريات": "المركب تعرّض للاستهداف المباشر من قبل البحرية الإسرائيلية أثناء إبحاره قبل عدة سنوات لصيد الأسماك، والبحث عن قوت يومه، وشركائه الذين يتقاسمون معه ملكية المركب، وهو ما تسبّب بإحداث ثقوب كبيرة في هيكل المركب، وتحطيم واجهته الأمامية، ليتحمّل نفقات صيانته في ذلك الحين، والتي تجاوزت 40 ألف دولار أمريكي، كدين ماليّ متراكم لم يتمكّن من سداده حتى اللحظة، وهو مبلغ لا يستطيع أيّ صيّاد تحمّله خلال الفترة الراهنة" بحسب قوله.

اقرأ أيضاً: نساء من غزة في صالات كمال الأجسام بحثاً عن الجمال

ولفت إلى أنّ "العطل الفني الأخير في المركب كان نتيجة عدم إجراء الإصلاحات الدورية اللازمة له منذ فترة طويلة، لعدم توافر المعدّات اللازمة للصيانة، ومنع إدخالها للقطاع من طرف الجانب الإسرائيليّ"، مبيناً أنّه "حاول مراراً تجاوز تلك المعضلة، عبر توفير "قير"، أو بحسب ما يعرف "ناقل الحركة"، من إحدى الشاحنات التي تستخدم للنقل البريّ، إلا أنّ جميع محاولاته لإيجاد بدائل لتشغيل مركبه باءت بالفشل، وبقي المركب على حاله كتلة من الدمار دون عمل".

الاحتلال الإسرائيليّ يتحكّم في مساحات الصيد ومسافة الإبحار لدى صيادي غزة

وتابع الهبيل: "صيادون كثيرون انسحبوا من هذه المهنة، ولم يعد التشبّث بها كما كان سابقاً، وذلك نظراً لخطورتها، في ظلّ الملاحقة الإسرائيلية المستمرة لهم في عرض البحر، إضافة إلى مردودها الماليّ المنخفض، والذي لا يتناسب مع المصاريف التشغيلية اللازمة، من محروقات وأجور عمال وغيرها، ليطارد شبح البطالة هؤلاء الصيادين، كحال غيرهم من العاطلين عن العمل".

ماذا يقول مسؤول لجان الصيادين؟

بدوره، يقول مسؤول لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعيّ، زكريا بكر: "الاحتلال الإسرائيليّ يمنع، منذ عام 2006، إدخال كافة معدات الصيد إلى قطاع غزة تحت ذرائع وحجج أمنية"، مبيناً أنّ مراكب الصيد التي في حاجة إلى صيانة دائمة تنقسم إلى عدة أقسام، أوّلها: "اللنشات"، وهي مراكب تعرف محلياً "بالجر"، ويقدّر عددها، قبل عام 2000، بأكثر من 20 مركباً، وتعمل على مدار 24 ساعة، أما حالياً فقد تقلّص عددها إلى 11 واحداً فقط، ثلاثة منها معطلة بشكل كامل لفترة تزيد عن 20 شهراً، لحاجتها إلى "قير" ناقل حركة كي تستمرّ في عملها".

زكريا بكر

وتابع: "القسم الثاني من المراكب التي تحتاج إلى صيانة دورية "الحسكات"، وهي المراكب الصغيرة، ويبلغ عددها حالياً أكثر من 800 مركب، تعمل بالمحركات الخارجية، ويقدر العمر الافتراضي لها بين أربعة إلى خمسة أعوام"، موضحاً أنّ "جميع المراكب الكبيرة تعمل بمحركات لا تتلاءم مع الحياة البحرية، ويتمّ الحصول عليها من الشاحنات الكبيرة، بعد إجراء التعديلات الفنية عليها، إلا أنّ مساوئها كثيرة، وعمرها الافتراضي يقدر بين عامين إلى ثلاثة أعوام، كما تستهلك تلك المحركات كميات كبيرة من الوقود، وهي في حاجة إلى صيانة دائمة".

مسؤول لجان الصيادين زكريا بكر  لـ"حفريات": المراكب الكبيرة تعمل بمحركات لا تتلاءم مع الحياة البحرية، ويتمّ الحصول عليها من الشاحنات الكبيرة بعد تعديلها

وبيّن بكر أنّ مراكب الصيد في غزة في حاجة إلى أكثر من 300 محرك كي تستطيع الاستمرار في عملها، وهي غير متوفرة في الأسواق المحلية بشكل كامل، "وبالتالي؛ فإنّ 95% من المراكب أصبحت غير صالحة للصيد، بعد 14 عاماً من منع الاحتلال إدخال قطع الغيار والمعدات اللازمة لصيانتها"، مشيراً إلى أنّ "عدد القوارب التي تحتاج إلى صيانة تقدَّر بـ 250 قارباً، وهي في حاجة إلى الألياف الزجاجية والأخشاب، وناقل الحركة "القير"، وغيرها من المعدّات اللازمة لعملها".

ولفت مسؤول لجان الصيادين إلى أنّ "الإجراءات الإسرائيلية أثرت على صناعة المراكب في غزة؛ حيث لم يشهد القطاع، منذ عام 2012، أيّة صناعة جديدة للمراكب، كما اختفت الورش المخصصة لصيانتها، ولم تتبقَّ سوى ورشة واحدة تقوم بإجراء الإصلاحات الطفيفة على المراكب وتعمل بالحدّ الأدنى، وتكاد تكون شبه مقفلة، بالتالي؛ هي عملية صهيونية ممنهجة تستهدف تدمير قطاع الصيد في قطاع غزة بشكل كامل".

الصفحة الرئيسية