لماذا اتهمت هولندا أردوغان بدعم الإرهاب؟

لماذا اتهمت هولندا أردوغان بدعم الإرهاب؟

مشاهدة

23/02/2021

المشكلة الأساسية التي تعيق قدرة المجتمعات الغربية على مكافحة الإرهاب هي الفصل بين الخطاب المتطرف والفعل الإرهابي، وهو فصل له وجاهته القانونية، لكن لا يجب ترك التطرف ينمو تحت عين الدولة، ثم تكتشف هذه الدول عقب كلّ عملية إرهابية، أنّ المنفذين كانوا يخضعون للمراقبة.

ويبدو أنّ فرنسا سبقت دول أوروبا مؤخراً في التعاطي مع مشكلة الإرهاب من منابعها، التي لا تحمل طابعاً إرهابياً، بل تتخفى تحت أسماء إسلامية وأفكار وسطية سطحية.

 

ربط تقرير جهاز مكافحة الإرهاب الهولندي بين الرؤية الدينية المتطرفة التي ينشرها أردوغان في تركيا، وحادث ترام أوتريخت

وفي قفزة كبيرة لفهم ظاهرة تنامي الإرهاب في الغرب، اتّهمت هولندا الرئيس التركي، أردوغان، بتأجيج الإرهاب فيها، عبر خطاباته المعادية للغرب، واختراق المجتمعات الغربية بواسطة المراكز والجمعيات الإسلامية، التي ينتمي أعضاؤها إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتموّلهم قطر.

تقرير استخباراتي

نشر موقع "HP / De Tijd" الهولندي تقريراً مسرَّباً عن جهاز مكافحة الإرهاب الهولندي (NCTV) حول تأثير الخطاب الإسلامي المتطرف للرئيس أردوغان في الداخل التركي، على تنامي نشاط التطرف والجماعات الجهادية في المجتمع الهولندي، عبر اختراق تركيا للمجتمع التركي في هولندا.

حادث ترام أوتريخت في 2019

وأشار التقرير إلى الاحتمالية الكبيرة لوجود ارتباط بين خطاب أردوغان المعادي للغرب، خاصة خطابه في آذار(مارس) 2019، الذي استغل فيه مذبحة المسجدَين في كرايست تشيرش، والتي أسفرت عن مقتل 50 شخصاً في نيوزيلندا، للحشد الانتخابي، قبيل الانتخابات المحلية التي عُقدت في 31 من الشهر نفسه.

الباحث المصري عمرو فاروق لـ"حفريات": اتهام المخابرات الهولندية الرئيس أردوغان بدعم الإرهاب في هولندا، ليس مجرد صدفة بل حقيقة

وعرض أردوغان مقاطع فيديو للهجوم الإرهابي أمام تجمّع انتخابي في ولاية زونغلداق، متوعداً بمحاسبة الإرهابي إنّ لم تفعل نيوزيلندا، وقال موجهاً حديثه إلى منفذ الهجوم الأسترالي "عليك أن تدفع ثمن ما اقترفت يداك، وإن لم تحاسبك نيوزيلندا، فنحن نعرف كيف نحاسبك بشكل من الأشكال".

ودانت نيوزيلندا التصريحات التركية، ورأت أنّها تهدّد حياة مواطنيها في الخارج، كذلك دانت أستراليا تصريحات أردوغان، والأخرى اللاحقة التي قال فيها: "لقد جاء أجدادك وعادوا في توابيت، إذا أتيت مثل أجدادك، فتأكّد أنك ستعود مثلهم".

وعدّ أردوغان الحادث جزءاً من حرب غربية ضد الإسلام وتركيا، وأصيب ثلاثة أتراك في الهجوم على المسجدين.

رئيسة وزراء نيوزيلندا تتضامن مع المسلمين

وعقب ثلاثة أيام على مذبحة نيوزيلندا، قام مواطن هولندي من أصول تركية بإطلاق النار بشكل عشوائي في ترام بمدينة أوتريخت، ولقي 4 أشخاص مصرعهم، وأصيب ثلاثة آخرون، وهو الحادث الذي وصفته السلطات بأنّه "عمل إرهابي"، عقب العثور على خطاب من المتهم يؤكد فيه ارتكابه الجريمة دفاعاً عن الإسلام، ولاحقاً اعترف المتهم أمام المحكمة بنيته الإرهابية.

وربط تقرير جهاز مكافحة الإرهاب الهولنديّ، الذي جاء في 30 صفحة، بين الرؤية الدينية المتطرفة التي ينشرها أردوغان في تركيا، والمجتمعات الإسلامية في أوروبا، وحادث أوتريخت.

وذكر أنّ كثيرين من أعضاء الجالية التركية في هولندا عرضة بشكل كبير للتأثير من تركيا، التي تعدّهم مواطنين أتراك، ويشعرون بالانتماء لبلدهم الأم، ويصوّتون في الانتخابات التركية لصالح الرئيس أردوغان، ويتّصلون بتركيا عبر مؤسسات تركية - هولندية.

اقرأ أيضاً: عراقيون يتظاهرون أمام السفارة التركية.. ما علاقة أردوغان؟

وتعليقاً على ذلك، يرى الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، عمرو فاروق؛ أنّ "اتهام المخابرات الهولندية للرئيس أردوغان بدعم الإرهاب في هولندا، ليس مجرّد صدفة، بل حقيقة، نظراً للمنهجية التوسعية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية منذ وصوله للسلطة، وسيطرته على مقاليد الحكم في أنقرة".

الاختراق التركي لهولندا

وينتشر التطرف الديني في هولندا عبر الجماعات السلفية، التي تسيطر على مراكز إسلامية ومساجد، وتنظم فعاليات للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، والتحق العديد من أفرادها بجبهات القتال في سوريا.

محاكمة المتهم بحادث ترام أوتريخت

وذكر تقرير جهاز مكافحة الإرهاب؛ أنّ المنظمات السلفية في تركيا تتمتع بعلاقات قوية مع المنظمات التركية في هولندا. ورصد التقرير انخراط منظمات الشباب التركية في هولندا في الأفكار السلفية بشكل متزايد خلال الأعوام الأخيرة، ورُصد ذلك من خلال تنامي خطاب التطرف بين الجالية التركية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقول الباحث عمرو فاروق لـ "حفريات" إنّ "النظام السياسي التركي عمل على التوسع في إنشاء المؤسسات والمنظمات المدنية والحقوقية والدينية، ذات الأهداف المتعددة، بهدف تنفيذ وتطبيق التوجهات السياسية لأردوغان، التي تأتي في إطار مشروع الدولة العثمانية الجديدة، أو تركيا الكبرى".

ونوّه فاروق إلى أنّ الرئيس التركي يعدّ الغرب "إرثاً مستحقّاً له، وأحد توابع الدولة العثمانية القديمة التي سقطت على يد كمال أتاتورك، ومن ثم عمل على تنفيذ مخطّطه من خلال التوسع في تشكيل كيانات متعددة الأوجه، تعمل على نشر التوجهات الفكرية في مقابل دعم التوجهات السياسية، من خلال السيطرة على الجاليات العربية والإسلامية في الغرب، وتشكيل لوبي قوي داعم لمشروع تركيا الكبرى".

وتستهدف المنظمات الجهادية في تركيا الشباب الهولندي عبر الفيسبوك؛ بنشر رسائل تمجّد الإرهابيين، وتصفهم بالشهداء، ونشر خطاب معادٍ للغرب والسامية.

وأشار فاروق إلى مساعدة قطر والتنظيم الدولي للإخوان لأردوغان في الهيمنة على المسلمين في الغرب، عبر تأسيس عدد كبير من المنظمات الدينية والإعلامية والحقوقية، مثل؛ منظمة ديتيب، والذئاب الرمادية، ومؤسسة مالي غورش، وجمعية الدعم والتضامن مع الفقراء، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية، ومنظمة حقوق الإنسان والحريات التركية، والاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية، والمجلس المركزي للمسلمين، والجمعية الإسلامية الألمانية، وجمعية الصناعيين الأتراك.

وأضاف فاروق: "هذه المنظمات تلعب أداوراً متعددة في نشر الفكر المتطرف، إلى جانب التوظيف الاستخباراتي في جمع المعلومات، والتضييق على الأتراك المعارضين".

اتّهام أردوغان

وحمل تقرير جهاز مكافحة الإرهاب الهولندي عنوان "إستراتيجية أسلمة أردوغان: كيف يستفيد السلفيون"، وأشار معدّو التقرير إلى أنّ صعود أردوغان إلى السلطة، عام 2002، مكّن الإسلام السياسي من الهيمنة على مفاصل الدولة، وصولاً إلى الجيش والشرطة والتعليم.

وكشف التقرير أنّ المحللين الهولنديين يوجهون أصابع الاتّهام إلى أردوغان في المسؤولية عن تنامي الفكر السلفي المتطرف بين الجالية التركية في هولندا.

وأشاروا إلى دعم أردوغان لجماعات سلفية إرهابية في سوريا، مثل هيئة تحرير الشام، والتحالف مع الإخوان المسلمين للتغلغل في العالم الإسلامي والغرب، لتحقيق حلمه بإعلان تركيا دولة إسلامية، بحلول عام 2023، الذي يشهد ذكرى مرور قرن على إلغاء الخلافة العثمانية.

ولا يرى التقرير الهولندي أنّ دعم أردوغان للتطرف وليد المصالح فقط، بل لاعتناق أردوغان الفكر الجهادي، واستند على صورة لأردوغان في أفغانستان، تعود إلى عام 1980 حين التقى بقادة المجاهدين الأفغان.

وحذّر التقرير من خطورة تنامي الفكر المتطرف بين الجالية التركية بسبب علاقاتها الوثيقة مع دولتها الأم، ووصفه بأنّه "تهديد خطير للقيم والمبادئ الديمقراطية".

وبالعودة إلى حادثة ترام أوتريخت، ربط التقرير بين جماعة "الخلافة"، التي نشأت بين الجالية التركية في ألمانيا، بزعامة متين كابلان، والتي حظرتها ألمانيا عام 2011، ورحّلت كابلان إلى تركيا، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ثم أُفرج عنه عام 2016.

وأعاد كابلان تنشيط ما تبقى من جماعته، خاصة في هولندا، التي تعيش فيها مجموعة صغيرة من أتباعه، كان أحدهم على علاقة وثيقة بمنفذ هجوم ترام أوتريخت، عام 2019.

وخلص التقرير الأمني إلى أنّ "تنامي تأثير تركيا في المواطنين من أصول تركية، يهدّد بنزاع بين أفراد هذه الجالية، وصدام مع المواطنين الهولنديين، ويهدّد الأمن والسلم الاجتماعي".

وطلب موقع "HP / De Tijd" من جهاز مكافحة الإرهاب الهولندي الردّ على التقرير المسرّب، لكنّ الأخير رفض التعليق، موضحاً أنّ المذكّرة المسرَّبة جزء من دراسات أوسع حول تأثير تركيا على الأمن في هولندا.

ويعدّ المواطنون من أصول تركية الجالية الأكبر في هولندا، بعد المواطنين الهولنديين ومواطني الاتحاد الأوروبي، وتقدّر أعدادهم بين 395 ألف إلى نصف مليون، بحسب تقديرات تعود للعام 2013.

وقبيل التعديلات الدستورية التركية، عام 2017، نشبت أزمة دبلوماسية بين تركيا وهولندا، على خلفية منع الأخيرة وزيرين تركيين من تنظيم لقاءات مع الجالية التركية، لاستمالتهم للتصويت للتعديلات، وهدّد أردوغان هولندا بأنّها ستدفع ثمن "إساءتها".

الصفحة الرئيسية