لبنان: هل ينجح البطريرك في دعوته إلى عقد مؤتمر دولي؟

لبنان: هل ينجح البطريرك في دعوته إلى عقد مؤتمر دولي؟


01/03/2021

زخم شعبي وسياسي وأخلاقي تكتسبه دعوة البطريرك الماروني، إلى عقد مؤتمر دولي حول الأزمة اللبنانية كل يوم، بعدما باءت كلّ الجهود الداخلية بالفشل، نتيجة إصرار التيار الوطني الحر وحليفه حزب الله على تعطيل تشكيل حكومة مستقلة، تنتشل البلد من الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي لم تعرف لها مثيلاً منذ نشأتها.

وأعادت الدعوة التأكيد على مسألة حياد لبنان، ونزع سلاح حزب الله، والشراكة الوطنية القائمة على أساس المواطنة، وقطعت الطريق على متاجرة التيار الوطني الحرّ باسم حقوق المسيحيين، مؤكدةً أنّ معركة لبنان ليست بين الطوائف، بل بين سلاح حزب الله وحلفائه في التيار الوطني، وبين معظم الشعب الذي يرنو إلى دولة ديمقراطية حقيقية، وحياد إيجابي نشط.

القوى الخارجية لا تبدو مهتمة كما في السابق بالوضع اللبناني، باستثناء المبادرة الفرنسية المدعومة عربياً ودولياً دون أنياب تدفع بقوة إلى تنفيذها

لذا عارض حزب الله الدعوة، ووصفها بأنّها دعوة إلى الحرب، متغافلاً أنّ ولائه لإيران، وتوظيف الدولة لخدمة مشروعها الإقليمي هو من جلب على البلاد القطيعة الدولية، وأوقعها في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية تهدد بانفجار الكيان اللبناني.

مؤتمر دولي حول لبنان

جدد البطريرك الماروني، الكاردينال بشارة بطرس الراعي، دعوته إلى عقد مؤتمر دولي حول لبنان، يعيد التأكيد على وحدة الكيان اللبناني، ويضغط نحو تنفيذ كافة القرارات الأممية حول لبنان، بما تتضمن من نزع سلاح حزب الله، وتقوية الجيش، وعدم توطين اللاجئين السوريين والفلسطينيين، والمحافظة على الديمقراطية، والنأي بلبنان عن الولاءات للخارج، والتأكيد على حياده.

وجاء ذلك خلال كلمته أمام التجمع الحاشد، الذي دعت إليه البطريركية أول من أمس يوم السبت، لدعم دعوة البطريرك إلى عقد المؤتمر الدولي، والتأكيد على حياد لبنان، والدفع نحو انتشال البلاد من أزمته.

(هتفت الحشود مطالبة بحياد لبنان ونزع سلاح حزب الله)

وقال الراعي في كلمته: "طالبنا بمؤتمر دولي خاص بلبنان لأننّا تأكدنا من أنّ كل ما طُرح تم رفضه، لبقاء الفوضى وسقوط الدولة والاستيلاء على مقاليد السلطة، ونحن في صدد مواجهة حالة انقلابية بكل ما للكلمة من معنى، وكان الانقلاب الأول على وثيقة الوفاق الوطني".

وسبق وأعلن الراعي عن دعوته إلى المؤتمر الدولي خلال عظة الأحد، في السابع من الشهر الماضي، وقال في عظته "وضع لبنان المنهار، يستوجب أن تُطرح قضيّته في مؤتمر دوليّ خاص برعاية الأمم المتّحدة".

وجاءت دعوته بعد محاولات عديدة للتوسط بين الفرقاء السياسيين للدفع نحو تشكيل حكومة اختصاصيين وفق المبادرة الفرنسية، التي طرحها الرئيس، إيمانويل ماكرون عقب انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من آب (أغسطس) الماضي.

الراعي زيارات من مختلف القوى السياسية والطائفية، منذ انفجار مرفأ بيروت، واستقالة حكومة حسان دياب، وما تبعها من طرح المبادرة الفرنسية، والاشتباك السياسي حول تشكيل حكومة اختصاصيين مع السفير مصطفى أديب، ثم الرئيس المُكلف سعد الحريري.

وكان البطريرك الراعي طالب الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول انفجار المرفأ، وحذر مراراً من ضياع الحقيقية وعجز التحقيق الداخلي عن الكشف عن المسؤول عن الكارثة.

وأصبحت الأزمة الاقتصادية والجمود السياسي وتعطل تشكيل الحكومة وحياد لبنان موضوعات دائمة في عظة الأحد، التي يُداوم البطريرك على إلقائها في مقر البطريركية في بكركي.

(أيد البطريرك حراك النواب المستقيلين عقب انفجار المرفأ)

مواقف القوى السياسية

وانقسمت القوى السياسية حيال الموقف من الدعوة، فأيدته معظم القوى السياسية والنشطاء وحركات مدنية، بينما رفضه تحالف 8 آذار، المكوّن من حزب الله، والتيار الوطني الحرّ، وحركة أمل، وكيانات ضعيفة التمثّيل السياسي.

وحول الموقف من الدعوة، يبين الباحث السياسي اللبناني، عاصم عبد الرحمن موقف الرافضين، ويرى أنّ "حزب الله والتيار الوطني الحر؛ أي فريق رئيس الجمهورية وحيدان أمام دعوة البطريرك الماروني لعقد مؤتمر دولي".

وحضرت قوى سياسية متنوعة، وممثلون عن الطوائف الدينية؛ من السنّة والشيعة والدروز تجمع بكركي.

(الكاتب والباحث في العلوم السياسية، عاصم عبد الرحمن)

 ويضيف عبد الرحمن في حديثه لـ"حفريات" بأنّ تيار المستقبل يؤيد دعوة البطريرك، وأنّ "الرئيس الحريري على اتصال دائم بغبطة البطريرك بهدف التشاور والتنسيق، وذلك ليس بجديد في العلاقة بين الحريرية السياسية وبكركي، كما تدعم باقي مكونات ما كان يُعرف بقوى ١٤ آذار  الدعوة؛ كالقوات اللبنانية والكتائب والوطنيين الأحرار، بالإضافة إلى التقدمي الاشتراكي، ومجموعات من حراك ١٧ تشرين".

وحول موقف القوات اللبنانية، ثاني أكبر كتلة نيابية مسيحية، يؤكد عضو المجلس المركزي للقوات، جاد دميان على أنّ، "جمهور القوات اللبنانية متجانس مع طروحات بكركي بطريقة طبيعية وتلقائية، نظراً لمبادرة بكركي بتغليب المصلحة اللبنانية فوق كل اعتبار، والمطالبة بالحياد كمدخل إلى الحلّ".

وشدد دميان في حديثه مع "حفريات"، على أنّ "قيادة القوات أبدت تأييدها لمواقف البطريرك بشكل معلن وواضح وصريح، وهي تعتبر ألا خلاص للبنان إلا من خلال بناء دولة قادرة قوية، لا يختزل قرارها أي فريق سياسي، ولا يتم توريط اللبنانيين بمحاور إقليمية ودولية تضع لبنان في عزلة شبه تامة كما يحصل اليوم".

(عضو المجلس المركزي بحزب القوات اللبنانية، جاد دميان)

مخاوف حزب الله

وحملت دعوة البطريرك رسائل إلى الداخل والخارج؛ فمن ناحية قطعت الطريق على استغلال التيار الوطني الحرّ لورقة الطائفية في تثبيت أطماعه السياسية، بتوريث جبران باسيل عقب الرئيس عون، كما أكدت على ضرورة نزع سلاح حزب الله، وألا بقاء للدولة في ظل وجوده.

وخارجياً؛ أبلغت الصوت الوطني إلى العالم، وأكدت أنّ شعب لبنان أكبر من المحاور الإقليمية، وحول ذلك، أشار جاد دميان إلى أنّ، "لبنان جزء من الشرعية الدولية وأهمية ما يقوم به البطريرك تحذير للعالم من جعل لبنان ورقة للمساومة في أي اتفاق مقبل مع إيران، وتأكيد على ضرورة تحييد لبنان وعدم منحه كجائزة ترضية لأي فريق".

اقرأ أيضاً: مسيحيو لبنان يفتحون النار على حزب الله... تفاصيل

وعن مخاوف حزب الله، يؤكد الباحث عاصم عبد الرحمن، على أنّ رفض الحزب يأتي في سياق التوجس من أنّ، "أي طرح لمؤتمر دولي سيقود حتماً إلى وضع سلاحه على طاولة البحث، وهو ما لن يقبل به تحت أي ظرف داخلي، لذا كان رد زعيمه قبل أيام، معتبراً أنّ (أي تدخل دولي من شأنه أنّ يؤدي إلى حرب أهلية)، كذلك يصف إعلام الحزب كل من يؤيد طرح الحياد بأنّه (يقف في صف العدو الإسرائيلي ويحيد عن خط المقاومة)".

هل تنجح الدعوة؟

وكان الراعي في كلمته أمام تجمع بكركي، أوضح أنّ دعوته لا تعني تدخل المجتمع الدولي بشكل عسكري، وشدد على وحدة وسيادة لبنان، مطالباً بتدخل دولي لترسيم حدود البلاد، والمساعدة على تنفيذ القرارات الدولية.

ولا يبدو أنّ بيد المجتمع الدولي، خصوصاً الغرب الكثير لتقديمه إلى لبنان، خاصة بعد وصول الغرب والدول العربية إلى سياسة الضغط القصوى بقطع الاستثمار والقروض والمنح، والالتفاف حول المبادرة الفرنسية كحلّ عملي لتشكيل حكومة اختصاصيين، تنقذ لبنان من أزمته، كخطوة أولى نحو القضايا الأعقد.

السياسي جاد دميان لـ"حفريات": لبنان جزء من الشرعية الدولية وأهمية ما يقوم به البطريرك تحذير للعالم من جعل لبنان ورقة للمساومة

ولا يتوقع الباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن استجابة دولية للدعوة، "لم تتوفر الظروف اللبنانية التي تستدعي هذا التدخل بالرغم من الوضع المأساوي الذي يعيشه اللبنانيون، ثم عدا عن دولة الفاتيكان التي تدعم تحرك بكركي، فلا وجود لرعاة دوليين قادرين على تحقيق هكذا تحول جذري في لبنان، فالقوى الخارجية لا تبدو مهتمة كما في السابق بالوضع اللبناني، باستثناء المبادرة الفرنسية التي ترفد بدعم عربي ودولي دون أنياب تدفع بقوة إلى تنفيذها".

ويردف عبد الرحمن لـ"حفريات" حول إعلان حياد لبنان، بأنّ "دونه عقبات سياسية وقانونية؛ فإعلان الحياد بحاجة لإجراء استفتاء دستوري حوله، كذلك بحاجة لموافقة الدول المجاورة كي تقر بحياد لبنان، بالاضافة الى العامل الخارجي الذي يجب أنّ يكون مجمعاً حوله، وبالتالي إقرار ذلك في الأمم المتحدة وفق الأطر القانونية الدولية".

ويتوقع عضو مجلس المركزي بالقوات، جاد دميان، والباحث عبد الرحمن؛ أنّ دعوة البطريرك سيكون لها صدى داخلي، ربما تدفع نحو حلحلة أزمة تشكيل الحكومة.

الصفحة الرئيسية