كيف يمكن للسعودية أن تزدهر في عالم ما بعد النفط؟.. "بلومبيرغ" تجيب

كيف يمكن للسعودية أن تزدهر في عالم ما بعد النفط؟.. "بلومبيرغ" تجيب

مشاهدة

08/04/2021

من الناحية النظرية، تعد احتمالية إعادة اختراع دور المملكة العربية السعودية كواحدة من أهم مراكز الطاقة في العالم في عالم ما بعد الوقود الأحفوري (النفط) أمراً كبيراً. المشكلة تكمن في كيفية الوصول إلى هناك؛ فالدولة التي تأسست ثروتها وهويتها على النفط الخام ستكافح دائماً مع تراجع النفط. كل يوم، تتدفق مئات الملايين من الدولارات إلى خزائن المملكة بفضل صادراتها من الذهب الأسود؛ وبالتالي فإنّ إغراء الاستمرار في فعل الشيء نفسه لا يقاوم.

تعد إمكانات الطاقة الشمسية في المملكة من بين أغنى الإمكانات في العالم، مما يمنح السعودية الفرصة لأن تكون مركزية في قطاع الهيدروجين الأخضر في المستقبل

فبعد ما يقرب من خمس سنوات من الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط الخام، لا يزال النفط والإنفاق الحكومي الممول إلى حد كبير من النفط يمثل حوالي ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في المملكة العربية السعودية، بحسب تحليل نشرته شبكة "بلومبيرغ" الأمريكية. وقالت الشبكة المرموقة إنّ توقع بقاء المملكة في عالم خالٍ من النفط يبدو غير قابل للتصديق؛ وهو مثل تصوّر ازدهار سويسرا في عالم خالٍ من البنوك. ومع ذلك، قد لا تكون هذه الرؤية المتشائمة صحيحة تماماً.

إنّ ثراء المملكة من الأصول الطبيعية -وليست كلها قائمة على الهيدروكربونات- يمكن أن تغذّي صناعات جديدة، وتحافظ على الصناعات القائمة مع انخفاض انبعاثات الكربون نحو الصفر. إنّ احتياطيات السعودية من الفوسفات والنحاس والذهب من الطراز العالمي، لكنها لم تستغل بشكل كافٍ بفضل الطريقة التي يزاحم بها النفط الخام كل شيء آخر. وفي الوقت نفسه، تعد إمكانات الطاقة الشمسية في المملكة من بين أغنى الإمكانات في العالم، مما يمنح السعودية الفرصة لأن تكون مركزية في قطاع الهيدروجين الأخضر في المستقبل، كما كانت في تجارة البترول في القرن الماضي.

اقرأ أيضاً: السعودية والعراق: اتفاقيات تعزز الشراكة... ما موقف إيران وميليشياتها؟

 لعل هذا يحمل دروساً لمجموعة من الدول المصدرة للنفط، والتي تنظر إلى العقود المقبلة بخوف مفهوم. وتؤكد "بلومبيرغ": لا يجب أن تعني نهاية الوقود الأحفوري نهاية البلدان التي ازدهرت منه.

إنّ احتياطيات السعودية من الفوسفات والنحاس والذهب من الطراز العالمي، لكنها لم تستغل بشكل كافٍ بفضل الطريقة التي يزاحم بها النفط الخام كل شيء آخر

شيء واحد يجب أخذه في الاعتبار هو أنّ استهلاك البترول لن يختفي تماماً حتى عام 2050. ومع انخفاض تكاليف الإنتاج السعودي القياسية عند 2.80 دولار فقط للبرميل، من المرجّح أن تكون المملكة واحدة من آخر المنتجين الذين سيبقون في اللعبة. وعلاوة على ذلك، يجدر بنا أن نتذكر أنه لا يتم استخدام كل أنواع النفط في الطاقة. يذهب حوالي 10٪ من إنتاج البترول في العالم؛ أيْ ما يقرب من 10 ملايين برميل يومياً، إلى المنتجات غير المحترقة مثل؛ البلاستيك والأسفلت ومواد التشحيم والمواد الكيميائية والأسمدة. وفي حين أنّ الوقود الهيدروكربوني يطلق ثاني أكسيد الكربون كأثر جانبي حتمي لاحتراقه، فإنّ المنتجات غير المحترقة تميل إلى إبقاء ذرات الكربون مغلقة في مصفوفاتها الكيميائية، على الأرجح إلى أجل غير مسمى.

وتقول "بلومبيرغ": من المرجح أن تكون هذه المنتجات من أصعب البدائل لاستبدالها بأخرى غير أحفورية خلال العقود المقبلة. وتتوقع شركة "برتيش بتروليوم" أن يزداد الطلب بنحو 0.5٪ سنوياً حتى في ظل سيناريو يحافظ فيه العالم على ارتفاع درجة حرارة أقل من درجتين.

حقل الغوار السعودي

من جانب آخر، فإنّه إذا انخفض الطلب على النفط وانتهى الأمر بالعالم إلى إزالة كميات كبيرة من الكربون من الغلاف الجوي، فهناك دور محتمل آخر للمملكة العربية السعودية. لقد فشل احتجاز الكربون وتخزينه حتى الآن في الوفاء بوعده، وهو موجود في الغالب كمشاريع إيضاحية ذات جدوى مشكوك فيها. ومع ذلك، إذا كان من الممكن جعل التكنولوجيا تعمل، فقد تعطي فرصة جديدة للحياة لحقول النفط في المملكة. ولعلّ أقرب استخدام تجاري لاحتجاز وتخزين ثاني أكسيد الكربون في العالم اليوم هو الاستخراج المعزز للنفط، حيث يتم ضخ الغاز في الآبار القديمة للمساعدة في دفع المزيد من النفط الخام إلى السطح. وتفيد "بلومبيرغ" بأنّ أحد أكبر هذه المواقع قيد التشغيل حاليًا يقع في حقل الغوار العملاق في المملكة العربية السعودية. وتضيف: لم يتم التحقيق في إمكانات المملكة لذلك بشكل جيد حتى الآن.

لقد وجدت دراسة أجراها المعهد العالمي لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون عام 2016 أنه يمكن تخزين ما يتراوح بين 5 مليارات و 30 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض؛ أي ما يعادل أقل من عام من الانبعاثات الحالية. مع ذلك. أنتج كبار منتجي النفط الذين أجروا تقييمات أكثر تفصيلاً تقديرات أكبر بكثير: قد تكون الولايات المتحدة وحدها قادرة على حبس ما يصل إلى 21.2 تريليون طن، على سبيل المثال.

الطاقة الشمسية

والمثير للدهشة أنّ المملكة العربية السعودية لديها مزايا أخرى أيضاً. عدد قليل من الأماكن في العالم تتلقى كثافة واتساق ضوء الشمس الذي يسقط على شبه الجزيرة العربية. وتعلّق "بلومبيرغ" على ذلك بالقول: إنّ مؤسسة أبوظبي للطاقة وقّعتْ العام الماضي اتفاقية لبناء محطة للطاقة الشمسية من شأنها أن تولد الطاقة بتكلفة 1.35 سنتًا للكيلوواط / ساعة- وهو أقل سعر متفق عليه على الإطلاق لتوليد الطاقة الشمسية، وحوالي ربع الرقم المدعوم بشدة الذي يدفعه مستخدمو الكهرباء في القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية. وفي حين أنّ التقدم المحرز حتى الآن يتعثر في أحسن الأحوال، فإنّ الرياض لديها خطط للبلاد لتوليد 50 ٪ من طاقتها من مصادر متجددة بحلول عام 2030.  والبلدان ذات الإمكانات المماثلة، مثل تشيلي وأستراليا، تخطط بالفعل لتطوير قطاع تصدير الطاقة الذي قد يتنافس يوماً ما ويتفوق على النفط نفسه. إنّ المملكة العربية السعودية تمتلك بعضاً من أفضل الإمكانات في العالم للطاقة الشمسية، ولكن بالكاد يتم استخدامها بالشكل الأمثل.

اقرأ أيضاً: هذا موقف السعودية من أزمة سد النهضة بعد تصريحات السيسي

وتختم "بلومبيرغ" بالقول إنه في الوقت الذي تقدّم فيه دبي نموذجاً لكيفية ازدهار إمارة خليجية في غياب النفط، فليس من الواضح أنّ الحيلة نفسها يمكن أن تتكرر في المملكة العربية السعودية، التي يبلغ عدد سكانها عشرة أضعاف سكان دبي، وأكثر تحفظاً ثقافياً منها.

الصفحة الرئيسية