كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبدالهادي يجيب

كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبدالهادي يجيب


23/09/2018

أجرى الحوار: كريم محمد


قال المختص في التنمية الاقتصادية والسياسيّة لمصر والشرق الأوسط، مجدي عبد الهادي، إنّ استعصاء مشاكلنا في العالم العربي عائد إلى "علاقات الإنتاج" التي تحكمُ هذا الواقع المهزوم.

ويرى أنّ نمط الإنتاج العربي "شاخ وبلغ سقفه قبل أن يحقق آثاره التقدمية المُفترضة"؛ إذ يتضمّن عدداً من الاحتجازات المتشابكة تعمّق مشكلاته دون أن تبلّور قوىً أو تفتح أبواباً للتغيير.

وفي حوارٍ له مع "حفريات"، يسلط عبدالهادي الضوء على عدد من الإشكالات التي يمكن الاسترشاد بها في فهم الصراع الدائر في العالم العربيّ. كما يتناول أزمة اليسار واليمين، وصعود الشعبويات في الغرب، محاولاً تقديم إجابات مناسبة، بعيداً عن التعليبات الجاهزة لمثل هذه الحالات.

وبخصوص الإسلاميين ودورهم في الواقع العربيّ، يرى عبد الهادي أنّ أغلب التحليلات الشائعة بشأن الإسلاميين هي "ثقافويّة"؛ أي تحليلات تريح نفسها من فهم الواقع، إلى رفعه لسدّة الثقافة والتجاوز والأبديّة لتقول إنّ الفشل صنيعٌ ذاتيّ، ويأتي من الثقافة التي تنتجُ على المستوى السياسيّ والثقافيّ هذا الفشل.

اقرأ أيضاً: شكل الشرق الأوسط عام 2018

يُذكَر، أنّ مجدي عبدالهادي، باحث ومترجم،  ألف عدداً من الكتب، من بينها "منظومة الإفقار الرأسماليّ"، إلى إجانب مساهماته البحثية المهمّة كـ "التنمية بين اليمين واليسار"، كما عمل عبدالهادي على ترجمة عديد الأبحاث والكتب؛ منها كتب علي القادري التي سترى النور قريباً؛ تلك الأعمال التي تعتبرُ الأحدث فيما كتب نظرياً فيما يتعلق بالتنمية والعالم العربيّ.

وهنا نص الحوار:

لعلّه بات من المكرور القول إنّ العالم العربيّ يمرّ بتغيّرات بِنيويّة منذ فترة طويلة، ولكنّ ما حدث في ٢٠١١ باعتباره ثورةً على الأنظمة في عددٍ من البلدان (مصر، تونس، سوريّة، اليمن، ليبيا...) يحتلّ البراديغم التفسيريّ اليوم من المحللين المعنيين بالشأن العربيّ عموماً. برأيك، وأنت معنيّ بالتنميّةِ والتغيرات الهيكليّة ودراسات طبيعة اقتصادات المراحل المختلفة لتاريخٍ كبير كالتاريخ المصريّ، لماذا يواجه العالمُ العربيّ هذا العجز في تطوير نفسه، وإجهاض كلّ إمكان تقدميّ محتمل؟

تتطلب الإجابة على هذا السؤال، أنّ نحدد أولاً ماذا نعني بـ "الإمكان التقدمي" في السياق التاريخي الحديث عموماً (كدليل استرشادي) ولدينا خصوصاً (انطلاقاً من الدراسة الملموسة)، ولاشك أن هذه مهمة كبيرة لسنا في محل حلّها هنا، ولكن كخطوطٍ عامة يمكن القول باعتمادها على محورين؛ الأول هو "الاسترشاد التاريخي النقدي" الذي نبني من خلاله تصوّراً "ماكروتاريخي" يحدد الضرورة التاريخية العامة في إطارٍ من الوعي بالخصوصيات (ما يحتّم أن يكون استرشاداً نقدياً)، أما الثاني فهو "الخيال المنهجي المعياري"، الذي ينطلق من بناء معالجات لجزئيات الواقع الملموس وفقاً لمعايير تقدمية ذات جذر مادي تبلور لنا محاور عمل "ميكرواجتماعية"، والربط بينهما لتحقيق وحدة الإستراتيجي والتكتيكي، وهو ما ينتهي في تصوّري المتواضع، الذي لست في محلّ بسط تفاصيله في هذا السياق، إلى "التصنيع المُستقل" كمهمة تاريخية، و"مطاردة الريع" كممارسة تكتيكية.

وبما أنّ الحديث على مستوى التغييرات البنيوية، فلا بد أن يبدأ حديثنا في سياق السياسة، كما في الاقتصاد والتنمية، من "نمط الإنتاج" باعتباره المقولة الأكثر مركزية، ونقطة البدء المنطقية في سياق مناقشة "اقتصاد سياسي" بطبيعتها كتلك.

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

وبتطبيق منهجية "الاسترشاد التاريخي" سالفة الذكر، نجد أنه عادةً ما يجري الوقوع في خطأ القياس التاريخي -بخصوص أنماط الإنتاج وما عداها- دونما استرشاد بالقانونيات الكامنة خلف الوقائع؛ أي بصيغة أخرى دون تحليلٍ نقديّ كافٍ، وهو ما تفعله بدرجات مختلفة على السواء نظريات التغيّر الهيكلي "برجوازية الطابع" -التي يتبنّاها منظّرو المنظمات الدولية الغربيون منهم والعالمثالثيون- أو "ماركسية الطابع" كالترّسيمات الواسعة تاريخياً الشهيرة للأنماط بترتيباتها المختلفة.

لا بد أن يبدأ الحديث في سياق السياسة كما في الاقتصاد والتنمية من نمط الإنتاج باعتباره الأكثر مركزية ونقطة البدء المنطقية

ولعلّ ما يدفعني لمثل هذا القول هو القياسات الاستسهالية على التطوّر الأوروبي كمسارٍ معياري للإمكانات التقدمية "المرغوبة" خصوصاً (لاسيما مع تحوّل الرأسمالية لنظامٍ عالمي سائد كأمرٍ واقع)، الأمر الذي كثيراً ما يتجاهل بعض القانونيات الاقتصادية الأساسية، فضلاً عن الخصوصيات التاريخية. فبالنظر لتاريخ نشأة الرأسمالية الأنجلوساكسونية خصوصاً، كشكلٍ خاص من نمط الإنتاج الرأسمالي، تجد نفسك أمام عدد من المُعطيات يدفعك للقول باستثنائية هذه الرأسمالية، لا قياسيّتها كحالة عامة، ومن أهم هذه المُعطيات:

1. كقانون اقتصادي عام "لا يمكن لقطاع التداول أن يهيمن مُستقلاً على قطاع الإنتاج في الأجل الطويل"، فهو قطاع تابع بطبيعته؛ لأنه منطقياً يتداول ما ينتجه الآخرون، ويعتمد في عرضه وطلبه عليهم؛ ولهذا فهو إما يتداول نتاج رفيقه الإنتاجي المحلي فيكون تابعاً له (الحالة الطبيعية والأصل بالنسبة لاقتصاد طبيعي مُستقل)، أو نتاج قطاع إنتاجي خارجي على حساب قطاعه الإنتاجي المحلي (كما في حالة التبعية خاصتنا)، أو يتداول أصولاً ريعية تشكّل أوراماً ساحبة للدم في الجسد الاقتصادي، أو يتحوّل جزء منه بذاته تدريجياً لقطاع إنتاجي (كما حدث في أوربا مع تحوّل التاجر لمقاول يجمع المواد الخام "لعمال منزليين مستقلين" ليبيع منتجاتهم لحسابه)، ويثبت هذا بالمخالفة من خلال الحالات النقيضة للدولة الإسلامية، والدول التي نتجت عن تفككها لاحقاً، التي لم تتمكّن البرجوازية التجارية فيها أبداً من الحصول على السلطة على حساب طبقة الإقطاعيين/الملتزمين العسكريين المُهيمنة على قطاع الإنتاج الحقيقي والسلطة المرتبطة به في الإمبراطورية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين

2. تعاونت الدولة الأوروبية مع رأس المال التجاري ضد الإقطاعيين الأوربيين، لمصلحة توحدها، وهو ما يختلف عن الدول الشرقية ذات السمات المختلفة، والتي كانت بذاتها-تبسيطًا- راعية "الملتزمين" ودولة نمطهم، وهي دولة من نوعٍ مختلف عن الدولة التي خلّفها لنا الاستعمار، بما لسنا في محل تفصيله هنا.

3. كان فتح العالم الجديد بثرواته الطائلة، ثم اتساع نطاق الاستعمار الكولونيالي، بمثابة "حقنة اقتصادية" استثنائية -فرادةً وحجماً- لهذا التحالف الجديد في أوروبا الغربية ضد الإقطاعيين (بإقطاعهم الأوربي المُفكك والطرفي على قول سمير أمين، وإن كانت هذه قصة أخرى)، فمن جهة؛ وفّر موارد هائلة وأسواقاً واسعة مكّنت "المقاول التجاري" سالف الذكر من التوسّع والتحول لرأسمالي صناعي، كما ساهم أولاً من خلال ما وفّره من كميات هائلة من الذهب في توسيع وتعميق عملية "تنقيد" (monetizing) تلك الاقتصادات؛ ما أعطى قوة إضافية لذلك الحلف في مواجهة أولئك الإقطاعيين، خصوصاً المُعتمدين أساساً على الريع العيني؛ فكان ذلك العامل الخارجي أحد أهم العوامل التي غيّرت توازنات السلطة الاقتصادية لصالح الطبقة التجارية المُتحوّلة صناعياً بما مهّد الطريق للثورة البرجوازية، أو تحوّل السلطة السياسية بالكامل إلى جانبها.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

4. يقول واليرشتاين إنّ نموّ رأس المال وهيمنته كعلاقة اجتماعية، تضع التراكم الذاتي لرأس المال، كمُحدد نوعي للرأسمالية، كأولوية النظام الاجتماعي، الأولى على ما عداها من أولويات، يتطلّب دولاً متوسطة الحجم وأسواقاً مفتوحة، فلا تكون دولاً أصغر من اللازم بلا أسواق حقيقية ولا قوة قادرة على دعم رأسمالها خارجياً، ولا تكون دولاً إمبراطورية أقوى من اللازم تكبحه وتضعه هو خلف أولوياتها السياسية، وهو ما توفّر مرةً أخرى لرأسماليات أوروبا الغربية وبعض الاستثناءات الحديثة دون غيرها، فيما لم يتوفّر لا في حالة الإمبراطورية الإسلامية الأضخم من اللازم (في حينه)، رغم تهلهلها النسبي في بعض المراحل، ولا في حالة دول سايكس بيكو الصغيرة والقزمية (نسبياً ومطلقاً)، ولا داعي بالطبع للحديث عن قوة وأسواق مُستعمرات عجزت عن حماية سيادتها وسوقها ابتداءً.

تقودنا فرضية "رأسمالية الاستثناء" الأوروبية لقطع نصف الطريق في الفهم

الرأسمالية العجوز

تقودنا فرضية "رأسمالية الاستثناء" الأوروبية هذه لقطع نصف الطريق في الفهم، ليس فقط باستبعاد القياس والاسترشاد الخاطئ بحالة استثنائية في تصوّراتنا عن الإمكان التقدمي المُحتمل؛ بل والأهم من خلال الوعي بعدم إمكان تكرارها أولاً وبالمقارنات المُتضمّنة فيها ثانياً، والتي تكشف عن بعض أسباب استعصاء التحوّل "الذاتي" للتصنيع المستقل، الذي يمثّل جوهر التحوّل التاريخي الأكثر عمومية الذي يمكن استكناهه كضرورة تاريخية من مُجمل التاريخ ذي الصلة، ومن ضرورات النظام الرأسمالي العالمي الذي أصبحنا جزءاً منه شئنا أم أبينا.

البنية الإنتاجية أضعف وأكثر هشاشة من أن تنتج صراعاً اجتماعياً إنتاجياً من الأساس!

لكن يتطلّب اكتمال الفهم مزيداً من الموضعية في تحليل حالتنا الخاصة، بتحليل تاريخي أكثر ملموسية، وهو ما يقودنا للفرضية الثانية التي أتصوّر من خلالها أن مشكلة استعصاء تقدمنا ابتداءً من نمط الإنتاج ليست في كونه نوعاً من "الرأسمالية المُشوّهة" بالتعبير الشهير، فالتشوّه يفترض حالة عارضة قد تصيب حتى رأسماليات مُكتملة، كما أنه مفهوم قيمي نوعاً يتصوّر -وينطلق من- أنماط مثالية لا يعرفها الاقتصاد السياسي سوى في نماذجه التبسيطية المُجرّدة، لا في التاريخ الواقعي، فضلاً عن أنه مجرد عرض يحتمل العديد من التأويلات؛ ما يفقده في رأيي الدقة التفسيرية والاعتمادية في بناء التوقعّات ورسم الإستراتيجيات، كما أن ذلك النمط لا يمثل بالتأكيد حالة "رأسمالية متأخرة"؛ فهذه حالة رأسماليات عتيدة اعتمدت على دعم دولة صاعدة مُستقلة في مواجهة بقايا إقطاعيين (تجاوزاً) وحصّلت استقلال سوقها المحلي مبكراً إلى حد ما (بنجاتها من الاستعمار أو بتموّضعها ضمن إستراتيجياته) وخدمها محيط خارجي داعم بصعود رأسماليات محيطة تدعمها جغرافياً، دون أن تفوقها قوةً بشكل كاسح يعوق تطوّرها، كحالات رأسماليات ألمانيا واليابان بشكل أقل (الرأسماليات القومية المتأخرة)، وكرأسمالية كوريا الجنوبية (المدعومة استعمارياً)، بل إن لنمطنا حالة خاصة أميل لتسميتها بـ "الرأسمالية العجوز" أو "البروجيريا الرأسمالية"، حيث حالة تشبه ذلك المرض الذي يصيب الأطفال بالشيخوخة المبكرة، فيعطي لطفل لا يتجاوز العامين ملامح شيخ في السبعين، وهي حالة تماثل للمفارقة حالة رأسماليتنا العجيبة!

فبقدر من التعميم يفرضه حديثنا على نطاق واسع ومتنوع كالعالم العربي، نجد أمامنا رأسمالية تجمع بين الضعف الشامل لقوى الإنتاج والتطوّر السابق لأوانه لعلاقات الإنتاج! وهذا الاختلال التوازني بين علاقات وقوى الإنتاج هو المحدد النوعي للتحوّل من مجرد "التأخر التاريخي" كفارق إمكانات كمّي إلى "التخلّف الهيكلي" كعلاقة كيفية تراكمية، والذي نتج عن إدماج قسري في النظام الرأسمالي أنتج ذلك الاختلال، الذي سيصاحبنا بآثاره وتكثّراته وتجليّاته على كافة الأصعدة، بدءاً من مشكلات الاقتصاد العينية والتجارية والمالية والنقدية، ومروراً باختلالات المجتمع وتشظّياته، وليس انتهاءً بتناقضات الثقافة وترقيعاتها!

اقرأ أيضاً: الحكومات والجماعات: نزاع ديني أم صراع على الدين؟

وقد تجلّى هذا في العديد من التناقضات بمختلف جنبات الهيكل الاقتصادي الاجتماعي، فنجد من بين ما نجد، صناعة خفيفة هامشية، لكن بتركيب احتكاري سابق لأوانه، لم يمرّ أبداً بمرحلة تنافسية تحقق دفعةً تكنولوجية أو تحفّز تعميق صناعي وتعددية سياسية، ولن توجد! واستباق هيكل العرض (بضعف البنية الإنتاجية) بهيكل طلب غير متوائم معه (نتاج أنماط استهلاك مُستوردة) بشكل يعوق نمو الأول بدلاً من أن يدعمه، كما يعمّق التبعية الاستيرادية سلعياً وتكنولوجياً، وضعف في العمق الصناعي ومن ثم رأس المال الإنتاجي مع تقدّم في التركيب المالي والمصرفي يعطي سلطةً ضارة وسابقة لأوانها لرأس المال المالي، مع ثلاثة احتجازات متشابكة، ما بين "احتجاز طبقي" بضعف العمق الصناعي الذي يشظّي تكوين الطبقتين العاملة والوسطى (فيكرّس انقساماتها ومن ثم ضعفها البنيوي)، و"احتجاز ديموغرافي" في المرحلة الثانية من التحوّل السكاني، حيث انفجار سكاني متطاول مع اقتصادات ضعيفة التشغيل (فجيش عمل احتياطي مُهمّش متورّم يدمّر أي إمكانية نقابية، فضلاً عن آثاره التنموية والسياسية والثقافية..إلخ)؛ لينتجا معاً بالتفاعل مع الاحتكارية العائلاتية المحاسيبية الغالبة وضع "احتجاز سياسي" يمنع التطوّر الديموقراطي (المكبوح أساساً باعتبارات الموقع الدولي التابع)، وهو الوضع العام الذي تعزّز بروافد الريعية – الأصيلة والثانوية – والبيروقراطية بمرضيها من مركزية وفساد كمتلازمة هيمنة وتراكم يعزّزان ويحميان بعضهما البعض.

وبالانتقال من هذا المستوى السوسيواقتصادي، لمستوى اجتماعي وسياسي أكثر عينية، نجد لدينا حالة مراوحة انهيارية في المكان لغياب القوى الاجتماعية المتبلورة التي تمتلك مشروعاً مُستقلاً لإعادة هيكلة نمط الإنتاج باتجاه إنتاجي تنموي يعبّر عن مصالحها المشتركة، وما كان الربيع العربي في جوهره الاجتماعي، وبغض النظر عن مشروعية مطالبه "الوليمية" من جهة، والمُشوّهة بالخطاب الليبرالي السائد من جهة أخرى، سوى حالة اعتراض "توزيعية"، كان لابد أن تفشل، قادتها الطبقة الوسطى على "تراجع الحصة في الريع" (أي اعتراض توزيعي-تداولي أو ثانوي على مستوى البنية المؤسسية)، مع تراجع الرخاء النسبي للطفرة النفطية وتطبيق سياسات النيوليبرالية، لا جزء من تناقض اجتماعي ضمن بنية إنتاجية؛ لأن البنية الإنتاجية أضعف وأكثر هشاشة وهامشية من أن تنتج صراعاً اجتماعياً "إنتاجياً" (أي اعتراض توزيعي-إنتاجي أو أوّلي على مستوى البنية الإنتاجية) من الأساس!

اقرأ أيضاً: الليبرالية إذ تنتج من نجاحها فشلها الخاص

فبمعرفة أنه وفقاً لتقديرات بعض الدراسات بلغت نسبة الريع "الصريح" وحده في اقتصاد غير نفطي كاقتصاد مصر الأكثر تنوّعًا في المنطقة حوالي 15%؛ ندرك مأساة أنّ الجيوب الإنتاجية المحدودة حتى في أكثر بلدان المنطقة تقدماً من الوجهة النوعية، تعوم في بحر من الريع النفطي (المواردي) والجيوبوليتيكي (السياسي مدفوع الثمن) والدولتي (الإنفاق الحكومي التضخّمي-الاستداني الذي لا يُحتسب ضمن الريع عادةً)، مع غلبة قطاعات التداول المُنتفخة اصطناعياً والمدعومة خارجياً على قطاعات الإنتاج المحلية المحدودة أولاً، والاحتكارية العائلية المحاسيبية محدودة الآفاق الاقتصادية أساسًا ثانيًا!

التنمية هي تكييف تاريخي خاص بالمُستعمرات الرأسمالية لمفهوم التطور الاقتصادي الاجتماعي الأوسع نطاقاً

من جهة أخرى، لا ننتظر بلاشك تقدماً بدفع من المنظومة العالمية صاحبة المصلحة في إدامة الحال الانهياري "المُحال"، ولا من بيروقراطية الدولة الطفيلية المُتجبّرة بريوعها واستقلالها النسبي المُهيمن، وبالتأكيد ولا من نمط الرأسمالية العجوز نفسه (بما فيه من بقايا ورواسب الأنماط الهامشية المُتمفّصلة معه التي لن يضيف تناولها الكثير للتحليل في ضوء سيادة النمط الرأسمالي)؛ كونه على عجزه الأصيل، قد وصل سقفه فعليًا منذ زمن طويل؛ لا عجب من تكراره ذاته على مستويات أحطّ تاريخيًا – مع تعاظم الهيمنة العالمية وتفشّي الريع المحلي والإقليمي - من مستوياته السابقة على تأميمات ما عُرف بالاشتراكية العربية في الستينات، وهكذا فلا جديد تحت الشمس تقريبًا في رأسمالية الشرق العربي، فجديدها الوحيد أتى من ريوع النفط وتعمّق تموّضعها كذيول للهيمنة الدولية.

اقرأ أيضاً: إيران تخوض حرباً بالوكالة في الشرق الأوسط

هذا هو الخط العام، الاختزالي بطبيعة الحال، لفهم أزمة التقدم في المنطقة، نمط إنتاج شاخ وبلغ سقفه قبل أن يحقق آثاره التقدمية المُفترضة، يتضمّن عدداً من الاحتجازات المتشابكة تعمّق مشكلاته دون أن تبلور قوىً أو تفتح أبواباً للتغيير، ويتموضع ضمن أكثر أطراف النظام العالمي هامشية؛ ومن ثم استلاباً لاستقلاله وقدرته الذاتية على تغيير الديناميات أو تعديل البنية..، كذا كنتيجة عامة، وقبل كل شيء، استحالة تكرار المسار الأوروبي "شبه الاستثنائي" لهذا النمط، ليس فقط بسبب الظروف التاريخية المختلفة، بل لكونه تجاوزه فعلياً بالقفز المُعجّل إلى الشيخوخة المبكرة، ومن ثم استحالة كامل الحلم الليبرالي العربي، كإمكان يجب علينا تناوله؛ كونه واسع الشعبية وفائق الوهمية في آن واحد!

علاج التشوه التاريخي

من خلال تركيزك على التنمية، ومع الأطروحات الجديدة حول التنمية التي قدّمها علي قادري وغيره من المنظرين، برأيك ما أزمة التنمية في العالم العربيّ؟

يمثّل هذا السؤال وجهاً أكثر اقتصادية للسؤال السابق؛ لذا فهو يدفعنا لمناقشة أكثر فنية إلى حد ما؛ بحكم طبيعة السؤال ولعدم تكرار ما سبق قوله على مستوى النمط الإنتاجي في السؤال السابق، وإن كانت نقطة البدء دائماً وأبداً هي الضبط المفاهيمي، الذي أعتقده إحدى الإشكالات الأساسية بكافة نقاشاتنا.

أولاً التنمية هي تكييف تاريخي خاص بالمُستعمرات الرأسمالية لمفهوم التطور الاقتصادي الاجتماعي الأوسع نطاقاً، فهو ينطلق من البداية من كونها دولاً "ذات وضع خاص"، ما تعارف الجميع على تسميته بـ "التخلّف"، وإن اختلفوا في توصيفه وتفسيره، ما بين من اعتبروه مجرد تأخّر تاريخي ومن اعتبروه تخلّف هيكلي، بما بينهما من توليفات بمختلف درجات الطيف.

اقرأ أيضاً: جلبير الأشقر: الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي

وانطلاقاً من هذا التوصيف للتخلّف، والتنمية كعمل مُخطط ومُنظم للخروج منه، يتم توصيف الأخيرة؛ ومن ثمّ تحديد أزمتها وطرائق تجاوزها؛ وهكذا تتكوّن توليفات عديدة على صعيد تفسير وتخطيط التنمية، مرةً أخرى، بين من يرونها "أزمة أدوات"، من موارد وتقنية وإدارة ضرورية يمكن استيرادها ببساطة لتجاوز التأخر التاريخي، ومن يرونها "أزمة منظومات"، من بنيات وديناميات ومؤسسات تاريخية، إنتاجية واجتماعية ودولية متشابكة، تتطلّب إعادة هيكلة وصياغة لعلاج التشوّه التاريخي أو تجاوزه.

وانطلاقاً من التصوّر الثاني؛ فالتنمية لا يمكن اختزالها كلياً أو جزئياً في مجرد نمو كمّي على ما يرى التصوّر الأول أغلب الوقت، والذي تصّدره لنا المنظمات الدولية رافعة لواء أيديولوجية رأس المال؛ بل هي أولاً وأساساً "تطور هيكلي يعظّم بالتبعية النمو الكمّي"؛ كون هذا التطوّر الهيكلي يكفل تغيّراً في تركيب الهيكل الاقتصادي الاجتماعي يسمّح له بزيادة الإنتاجية، ومن ثم باشتقاق مجموعة قيم اقتصادية أكبر من نفس الكمّ من الموارد المادية والبشرية، والأهم الاحتفاظ بفائض تلك القيم وإعادة تدويره في الاقتصاد، من خلال السيطرة على عملية التداول؛ لضمان التجديد الاجتماعي الذاتي للمجتمع.

اقرأ أيضاً: حروب الشمس: الصراع على الطاقة في العالم العربي

وبوضع هذا في خلفية أذهاننا، والعودة لعملية التكوّن التاريخي للتخلّف في المناطق الأكثر تقدمًا في العالم العربي، نجد أن الاختلال سالف الذكر بين قوى الإنتاج المتخلفة وعلاقات الإنتاج الأكثر تقدمًا (المفروضة استعماريًا)، بالشكل المخالف للتطور الطبيعي للأمور (حيث يدفع تطوّر قوى الإنتاج لتغيير علاقات الإنتاج بما يلائمها)، قد رتّب عدداً من التطورات المتناقضة في البنية الاقتصادية الاجتماعية؛ فكانت الديناميات الاقتصادية العينية التالية (ولنضع في أذهاننا أننا نتحدث هنا عن الاقتصاد المصري كمثال لحالة أكثر تطوراً):

التنمية لا يمكن اختزالها في مجرد نمو كمّي على ما يرى التصوّر الأول أغلب الوقت والذي تصّدره لنا المنظمات الدولية الرأسمالية

1. رسملة الزراعة لصالح الخارج، أدت من جهة لهجرة للحضر وزيادة في عرض العمل دون تطورٍ موازٍ في حجم الصناعة (أهم وجوه ضعف قوى الإنتاج)؛ ما أدى لتضخّم الخدمات في صورة قطاع غير رسمي وتشغيل فقر ضعيف الإنتاجية والأجور، ثم من جهة أخرى مع حدوث الطفرة النفطية، شجّعت على الهجرة للنفط، التي جلبت بتحويلاتها الريعية حالة "مرض هولندي" (غلبة للقطاعات الريعية على الإنتاجية وللاستيراد على التصدير..إلخ) عمّقت الريعية؛ ليؤدي رافديّ الهجرة بآثارهما لإضعاف الصناعة مرةً أخرى؛ وبالتالي تعقيد المسار الأوّلي نفسه (مزيد من التحضّر الرثّ)، والدفع لعجوزات مُزمنة في التجارة الخارجية (بتجاوز الاستيراد دائماً للتصدير) والمالية العامة (بتجاوز المصروفات دائماً للإيرادات) وسوق النقد (بتفاعل العجزين السابقين معًا ودفعهما الحكومة للتمويل التضخمي والاستدانة الخارجية بانتظام)، تضعف مُجتمعةً رأس المال الاجتماعي (البنية التحتية والمؤسسية) والبشري (نوعية العنصر البشري)؛ بما لهما من آثار سلبية على الفائض الاقتصادي (من خلال تشّويه تخصيصاته وإضعاف عوائد تشغيله).

اقرأ أيضاً: الصراع على مصادر المياه "عقدة" إضافية بين أنقرة ودمشق وبغداد

2. تصنيع هامشي مُختنق بالموقع الدولي الطرفي، حيث السوق المحلي الضيق أساساً مُخترق خارجياً؛ ما يضعف نموه ولا يسمح بتطور صناعة ثقيلة؛ فتستمر الصناعة هامشية وتابعة تكنولوجياً؛ ما يؤدي لعجز مزمن في العرض السلعي وفرص العمل والأجور والضرائب؛ بشكل يعمّق "العجوزات الثلاثة" سالفة الذكر، والتي يؤدي النقدي منها لإدامة وضعية التضخّم واختلال الأسعار النسبية أكثر مما هي عليه؛ بشكل يفسد الحوافز ويدفع لمزيد من الاتجاه نحو القطاعات الخدمية والريعية والابتعاد عن القطاعات السلعية؛ بشكل يعمّق الأزمة الأصلية، فضلاً عن تحفيز الممارسات المضاربية والهروبية والاكتنازية، التي تهدر الفائض الاقتصادي كمّا، وتسييء توظيفه كيفاً.

3. ضعف وتشوّه في نمو وهيكل السوق المحلي، والأسوأ اختراقه من الخارج لصالح المراكز الرأسمالية؛ فتسود الثنائية الاقتصادية الاجتماعية بكافة تجلّياتها، ويضعف التكامل الذاتي للاقتصاد، بضعف ترابط قطاعاته الإنتاجية أولاً، والإنتاجية والتداولية ثانياً، واختلال العلاقة بين العرض والطلب ثالثاً؛ فيزداد إهدار الفائض كمياً وكيفياً، وتتعمّق التبعية واختناق القطاعات الإنتاجية وفي قلبها الصناعة القطاع رائد التنمية في العصر الحديث؛ لتتعمّق مرةً أخرى "العجوزات الثلاثة"، (موضوع كافة السياسات الحكومية العاجزة منذ أربعة عقود)، التي تعيد تجديد الحلقة الخبيثة ذاتها، من (ضعف وتشوّه البنية الإنتاجية؛ فضعف وتشوّه السوق؛ فضعف وتبديد الفائض الاقتصادي؛ فالعجوزات النوعية الثلاثة؛ فإضعاف رأس المال الاجتماعي والبشري) إلخ!

وهكذا يتفاعل الداخلي مع الخارجي، والموروث التاريخي مع الدخيل المُستورَد/"المفروض"؛ لينتج بنية إنتاجية-سوقية ضعيفة وتابعة كماً وكيفاً، تشكّل بدورها ديناميات إهدارية (للفوائض الكمّية) لاتنموية (للبُنى الكيفية)، وتبلوران معاً شبكة مصالح مهيمنة لرأسمال تجاري ريعي مرتبط بالخارج عبر موقعه الطرفي (المُستفيد من اختلالات البنية وعجزها الإنتاجي المحلي)، دونما تشكيل كتلة اجتماعية "حرجة" مرتبطة بقطاعات الإنتاج، تمتلك القوة الكافية لكسر الحلقة الخبيثة بتحطيم بنيتها (عبر المؤسسات، أي بالثورة السياسية)، أو حتى تضعفها بتشّظية دينامياتها (عبر السوق، أي بالتعاونيات وما شابه)، إنها حالة احتجاز ريعي ضمن أطراف النظام العالمي، تستوجب ما ذكرناه في السؤال السابق من استهداف للتصنيع المُستقل كمهمة تاريخية على المستوى الماكروي (للبنية)، ومطاردة الريع كممارسة تكتيكية على المستوى الميكروي (للديناميات).

يواجه العالم العربيّ أزمة حقيقيّة متمثّلة في التعامل مع الإسلامويين الذين يلعبون في الساحة السياسيّة منذ عقود. لكن مع انحدار الإسلام السياسيّ، بل والحديث عن ما بعد الإسلامويّة، تعوز التحليلات المعنيّة بالإسلامويّة الابتعاد عن التنميطات التي أنتجها يسارٌ وليبراليّون عن الإسلامويّة من منظور الثقافة. نحن نعرف أن لمفهوم رأس المال ثقلاً كبيراً في دراسات الحركات، ولكن بالاستناد إلى بورديو، أو لنقل بالتوفيق بين ماركس وبورديو، بالحديث عن الرأسمال الماديّ والرمزيّ، كيف يمكن فهم الإسلام السياسيّ؟

بالنسبة للتوصيفات الرائجة بتنميطاتها المختلفة يمينها ويسارها، فتعود في تصوّري لوعي استشراقي يشبه في جوهره الاسترشاد التاريخي غير النقدي المذكور في إجابتي للسؤال الأول، وهو ما يأتي عبر بوابته الملكية، ألا وهى "الثقافوية"، تلك النزعة المرضية التي أصابتنا بعد النكسة، بدعوى إنهزامية مفادها أن الأزمة في صلب تكويننا؛ فانخرط المثقفون العرب في مناقشات لا نهاية لها حول العقل العربي والثقافة الإسلامية وما شابه كجوهر للتأزم العربي.

فقد عمل أغلب المثقفين العرب هنا، دون نقد للذات والأدوات، كجماعة فرعية Subculture معزولة عن مجمتعها؛ حيث قاموا ببحثه على ضوء معرفتهم الغربية والتجربة التاريخية الأوربية، فلم يكتفوا مثلاً بالاستفادة من المناهج، بل قاموا بالقياسات غير النقدية، على نحو ما وصفوا حركات الإسلام السياسي باستسهال كحركات محض رجعية وفاشية، في خلط غير علمي، ابتداءً من عدم التحليل المنهجي لروافد هذا الإسلام السياسي الاجتماعية والتاريخية، ومروراً بتجاهل تحوّلاته الداخلية والتكوينية بغض النظر عن ثبات المُسميات (حركة الإخوان المسلمين مثالاً)، وليس انتهاءً بعدم موضعة خطاباته في سياقاتها لتأويلها تاريخيًا، اكتفاءً بإدانتها لا غير!

اقرأ أيضاً: الإنسان العربي بين الدين والليبرالية

وجوهر مشكلة المثقفين كان تجاهل حقيقة أن البُنى الفوقية وإن تأثرت بثقافة المركز، فإنها لا تُستورد ولا تُفرض بقرار فوقي (بفرض أن هذه عملية مفيدة أساسًا!)، وهكذا تجاهلوا واقع أنّ الإسلام هو "الفضاء الرمزي" الفعلي لمجتمعاتهم؛ ومن ثم فهو المعين الذي تستلهمه تلك الشعوب في تأويل واقعها ورؤيته بعدساته، فالفلاح الأميّ والحرفي نصف الأميّ سيفهم واقعه بما ورثه من مقولات، كانت بطبيعة حال مجتمعه مقولات الموروث الديني، فكل شر وظلم سيراه "حراماً"، فلا زال لم يسمع بمفاهيم الفساد والاستغلال، وكل حق وعدل سيسمّيه "شرع الله" ... إلخ؛ فالبشر لا يخترعون المفاهيم، بل يسحبونها من رصيدهم الموروث، لا عجب أن اللغة محدد أساس للفكر، وأن المفكرين والعلماء والباحثين والمثقفين هم المسئولون على المدى الطويل عن صياغة المفاهيم وتجديدها، بشرط ألا ينفصلوا مُطلقًا عن فضائهم الرمزي، ويسبقوه بأميال ضوئية، إذا شاءوا التأثير في محيطهم!

ولعلّ إحدى أساطير الليبراليين العرب، التي ينطلقون منها في بناء سرديتهم الخاصة عن الإسلام السياسي المُصطنع والمُستجدّ على المنطقة (رافده الوهابي هو المُستجد بالتأكيد)، هي أسطورة النهضة العربية، التي تزعم سيادة المفاهيم الوطنية والتصوّرات العلمانية عند مصرييّ أوائل القرن العشرين، والتي وصل ابتذالها الدال رمزيًا للاستشهاد بصور الفئات الميسورة في الفترة الملكية كدليل على تحضّر المصريين أو بالأحرى تغرّبهم، مُتجاهلين بغباء مغرض أو مُذر لا فارق، أن ما كان يبدوا من تطوّر في مفاهيم المصريين كان نتاج المركزية الجيواجتماعية والاستقطابية الطبقية الفائقتان بما شملتاه من استبعاد وتهميش لأغلب المصريين من الصورة الاجتماعية؛ فكان التأثير الهائل لبضعة جيوب حضرية بفئاتها الاجتماعية الميسورة نسبيًا، مع استبعاد شبه كامل لبحر الريف الجاهل والفقير، والذي ما كاد يرسل بجحافله للمدن مع توسّع عملية التحضّر الطبيعية ضمن عملية الرسملة التابعة للزراعة، حتى انكشفت الصورة الحقيقية لثقافة المجتمع التقليدية السائدة ذات الخلفية الإسلامية، لا عجب في صعود الإخوان المسلمين أوائل ثلاثينيات القرن مع بدء توسّع الصناعة المصرية بعد الحرب العالمية الأولى وثورة 1919م، والذين كانت روافدهم الأولى للمفارقة الدالة من العمال الريفيين مُحدثي التحضّر، بل إن خليّتهم الأولى كانت في مدينة إقليمية هي الإسماعيلية!

الأدوات الإعلامية والفكرية موجودة وميزانياتها بالمليارات من فتات الفوائض المنهوبة

الإسلام السياسي ومنطق الاقتصاد

ثم كانت الموجة الثانية لاتساع نطاق جماهيرية الإسلام السياسي مع طفرة النفط التي مكّنت بفوائضها، مع التعليم الناصري المجاني، لتلك الجحافل الريفية أن تزيد من تأثيرها العام ووجودها الاجتماعي؛ فتعامل معها المثقفون غير الواعين بكون هذه الجحافل هي الممثل الحقيقي لثقافة المجتمع، باعتبارها مُستجد دخيل يجب التخلّص منه أو قمعه بوسائل اصطناعية، ولعلّ الرافد الوهابي أحد الأسباب المحورية لهذا الالتباس في الرؤية!

فإذا انتقلنا لتحليل جماهيرية ذلك الإسلام السياسي بمنطق الاقتصاد السياسي، بعيداً عن تلك الثقافوية الاستشراقية المُبتذلة، فبخلاف ما ذكرنا آنفًا، فإن جوهر الأزمة، التي تفسّر استشراء تأثيره واستمراره كنمط وعي بالعالم، يظل ذاته ما سبق ذكرته من انفصال بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج؛ ومن ثم تعطّل لآليات تطوّر البنى الفكرية والمؤسسية الفوقية مع ركود تطور البنى الإنتاجية التحتية، أي مرةً أخرى الفشل التنموي، الذي تعزّز خصوصاً بالانتفاخ الريعي (بتأثيراته الثقافية المُفجعة)؛ فغدا لدينا تصنيع هامشي محدود النطاق والتشغيل (فتهميش اجتماعي يعزز الانتماءات الهوياتية لا الطبقية)، مع تحضّر رثّ يتغذّى على القطاعات الخدمية غير الرسمية ضعيفة الإنتاجية والمهارات والأجور (فلا تطوير تقريباً لنمط وعي العالم ماديًا ولا لشكل الحياة اجتماعياً)؛ ما أدى في مجموعه إلى تقدّم التناقضات الثقافية على الاقتصادية؛ فامتلك الإسلام السياسي أرضيته الاجتماعية الواسعة، سواءً من الفضاء الرمزي الموروث الذي لم يتطوّر بضعف التطوّر الإنتاجي-الاجتماعي، أو من تعزّز أولوية خطابه الهويّاتي بتقدّم التناقضات الثقافية على الاقتصادية، بالتهميش الاجتماعي المحلي وبالإذلال الغربي والصهيوني للمنطقة، أو بزيادة جاذبيته كقوة معارضة تعبّر عن كافة المُستبعدين والمُهمّشين من دوائر رعاية الأنظمة العربية المأزومة تنمويًا، والمُتلبّرلة تدريجيًا بغطاء رعوي نفطي محدود وغير مُستدام.

اقرأ أيضاً: هل يستهدف الإسلامويون النظام الديمقراطي الغربي؟

وقد عزّز مما سبق -ولعلّه مما يفسّر في رأيي التمويل الهائل للصراع الإسلامي-العلماني في المنطقة عبر كل هذا الزمن- أنه من مصلحة المراكز الرأسمالية، وذيولها العلمانية-الليبرالية والأصولية-المحافظة في المنطقة إدامة هذا الصراع كوسيلة لتكّريس وضعية تحويل الصراع من مجالي السوق والدولة إلى مجال الثقافة؛ فتصبح كل الجدالات حول الهوية والطائفية والمرأة والمثلية ..إلخ، بعيداً عن توزيع الفائض الاقتصادي والإطار اللاتنموي، فهذا لا ييسّر فقط عملية التحوّل النيوليبرالي المأزوم في المنطقة، وتقليل الاحتكاكات السياسية التي قد تحمل تهديداً فعليًا، بل يعمل كذلك على تشّظية المجتمع وإضعاف تنظيمه السياسي والمدني، بإغراقه في عشرات القضايا الفرعية والهامشية التي تعزز انقساماته الحقيقة منها والوهمية..، والأدوات والكوادر الإعلامية والفكرية – خصوصًا المُبتذلة منها - موجودة وميزانياتها بالمليارات من فتات الفوائض المنهوبة.

طالب ديجول بالعودة للذهب وإلغاء دور الدولار كعملة دولية

.في ضوء المدّ الشعبويّ اليمينيّ (مع التحفّظ على كلمة "شعبويّة" التي تُفهَم بمعنى سلبيّ دائماً)، وسياسات معاداة الهجرة في الغرب، ومحاولة جزء من اليسار التنظير ثقافيّاً لرجعيّة يمينيّة بخصوص المهاجرين باعتبارهم "لا يتفقون مع قيم أوروبا" (كسلافوي جيجك)، كيف يمكن فهم اليسار الأوروبيّ في فهمه للعالم العربيّ ومشكلاته؟ حيث، وكما تعلم، الفارق الاستعماريّ لا يمكن تجاوزه؟

أعتقد أنه يمكننا طرح هذا السؤال بصيغة مخالفة تصل بنا لنفس النتيجة، وهي كيف يفهم هذا اليسار نفسه أساساً؟

أولاً يجب ألا نقع في فخّ "المُسمّيات"، ما يفرض أن نراجع دائماً للتاريخ، فهل يسار اليوم هو ذاته يسار الشطر الأول من القرن العشرين وما قبله؟ الواقع أنه قد حدث تحوّل مأساوي على اليسار منذ موجة 1968م، التي كانت على مستواها السياسي المباشر بدعم أمريكي لإسقاط ديجول بعد مطالبته بالعودة للذهب وإلغاء دور الدولار كعملة دولية، ما لا ينفصل في ظنّي عن الخطط الثابتة تاريخياً للمخابرات الأمريكية منذ بدء الحرب الباردة بتطوير "يسار وسط" من داخل اليسار التقليدي وصلبه هو نفسه، ليحلّ محله ويقتطع من تأثيره، بشكل يشبه كثيراً دعوى "كُلّ نفسك بنفسك"، حيث يُؤكل هنا اليسار من داخله بيسار يشاركه الرطانة والممارسات الشكلية، لكن بلا محتوى طبقي حقيقي، ولا أدل على هذا في رأيي من انتكاسات هذا اليسار عن تراث اليسار العلمي، الذي بدأ تطويره منذ ماركس، فنجد يساراً يقول سخافات رومانسية برّاقة من نوع أن "اليسار يناضل لأجل كل المُضطهدين"؛ انتهت به عمليًا ليسار "ليبرالي" مشغول بقضايا برجوازية من نوع المثلية والنسوية وما شابه، وبدون حتى محتوى طبقي نقدي؛ لا غرابة أن تتغيّر الأولويات لصالح هذا المنطق الثقافوي اليميني في جوهره، ويصبح المهاجرون والشرقيون مجرد متخلفين يجب تحضّيرهم أو إنقاذ "المُضطهدين الجدد" (وفقًا للأولويات الجديدة لهذا اليسار الثقافوي منزوع الطبقية والسياسوية) منهم كجناة! وضع هنا ضحكة ساخرة أو رقيعة إن شئت!

أما عن كيف يرى هذا اليسار نفسه، فمن خلال هذه العدسة ذاتها، ولو بدون وعي، فهو يسار ثقافوي، ترك السوق (وعاء الاقتصاد) والدولة (وعاء السياسة) للرأسماليين، مُكتفيًا بمعارك دونكيشوتية مع المجتمعات (وعاء الثقافة)، جعلته كذلك، يظلّ يساراً قومياً، فيما هو المُؤهل، والمطلوب منه، أكثر من غيره أن يكون يساراً أممياً حقيقياً، وهو أمر يظهر في تحليلاته نفسها، فتجده يناقش تراجع التصنيع في الغرب وصعود الصين مثلاً بأفق قومي، كشكل حديث للرأسمالية، أو كمؤامرة بورجوازية، أو كنتاج عرضي للنيوليبرالية، بدلاً من أن يفهمه بأفق عالمي يتسق وطبيعة النظام نفسه كنظام عالمي؛ فيفهمه كنتاج للتناقض بين قوى الإنتاج ذات القدرات الإنتاجية العالمية، وعلاقات الإنتاج المُتخلّفة عنها على مستوى التنظيم السياسي، مُتمثّلةً في صورة الدول القومية، كذا كاتجاه تاريخي طبيعي، كعودة بندول، يعيد الأمور إلى نصابها، بإعادة الغرب إلى حجمه الطبيعي قبل صعود الرأسمالية الغربية وتوسّعها الاستعماري العالمي، الذي أنتج تضخّمًا استثنائيًا تربّى وعي بعض هذا اليسار – هذا البعض اللاتاريخي فيما يبدو! - على كونه من طبائع الأمور!

فالمشكلة في هذا اليسار هي في إطاره القومي-الثقافوي فكراً وممارسة؛ ما يجعله عمليًا جزءاً من "التوافق الإمبريالي"، مهما كانت الدعاوى والشعارات، وحتى النوايا الصادقة؛ فكل هذه لا قيمة لها، مادام الإطار التحليلي لصياغة المواقف مُشوّه بالمثالية الثقافوية، وبانعزاله الاجتماعي عن السياق الجيوتاريخي، ذي الطابع العالمي.

قال آلان باديو مرّة إنّ "الديمقراطيّة هي اسم العدو الجديد... الديمقراطيّة هي تصدير مشاكل الداخل إلى الخارج بالنسبة إلى أوروبا". برأيك إلى أيّ حدّ يمكن الاعتماد على مفهوم هلاميّ بعض الشيء كالديمقراطيّة للنضال في العالم العربيّ؟ ماذا تعني الديمقراطيّة؟ وهل يمكن لها أن تكون حلاً؟ وكيف حوّل الليبراليّون السؤال من سؤال عدالة التوزيع وتوزيع الثروة والانتصار للعمّال إلى إشكالات يمكن لأيّ كان –من الهند إلى أمريكا- أن يرفعها، كالديمقراطيّة؟

نعم، إنه التوهّم الأكبر عن الديموقراطية، وهو طعم ألقاه الليبراليون والتقمه الجميع، فبالنسبة لهم ولما يمثّلون، هم مهيمنون فعلاً على السوق، وهذا ما يهمّ، وستمثّل الديموقراطية بشكلها الليبرالي قواعد اللعب التي سيقبلها الجميع، بعد أن حدد الرأسماليون حدودها وإطارها بالفعل عبر الهيمنة على السوق وصياغة الدولة التي تديره أو تؤثر فيه، ليبقى للشعب – المحظوظ بديموقراطيته! - في أحسن الأحوال مجرد هوامش الإدارة الكفؤة وتوزيع فتات الفائض؛ لا عجب أن يتمحوّر معظم الخطاب الليبرالي والأصولي حول "متلازمة الفساد والاستبداد"، كالقضية الأولى ومشكلة العالم الأزلية، فيما الاثنتان – المُتعلقتان بالبيروقراطية فقط عملياً - مجرد أعراض لأمراض النمط الإنتاجي الذي ليس مطروحًا للنقاش العام!

وهذا التوهّم وقع فيه اليسار بسبب خلطه في مفاهيم الديموقراطية، فالديموقراطية التاريخية هى نتاج لصياغة النمط الإنتاجي ووسيلة للتفاوض حول إدارة وتوزيع الفائض الاقتصادي، لا مجرد ديموقراطية إجرائية مُختزلة في صيغة مؤسسية ولعبة انتخابية لتغيير الشارات الحزبية، دون مساس بما سبق، مما يشكّل المحتوى العميق للديموقراطية!

وعموماً تتحقّق الديموقراطية كجزء من مشروع اجتماعي، فلم يحدث في التاريخ أن كانت الديموقراطية مشروعاً اجتماعياً قائماً بذاته، وبمراجعة تاريخ الديموقراطية الليبرالية الحديثة، نجدها قد نشأت عن التناقضات بين قطاعات رأس المال، أي الصراعات بين أجنحة الطبقة المهيمنة، وهذا ليس جديداً، فالديموقراطية الفعلية للنظام تنتج عن توازنات القوى في سياق علاقاتها المرتبطة بتناقضات النمط الإنتاجي، لكن هذا يُنسى دائمًا على ما يبدو!

وهكذا فالمنافسة وعدم السيادة المطلقة لأي قطاع على غيره من القطاعات، فضلاً عن التبلّور الذاتي وعدم التداخل الكبير بينها، تمثّل شروطاً حاسمة للديموقراطية في السياق الرأسمالي، وهو ما يغيب عندنا مع ضعف التصنيع وغلبة الاحتكار والعائلاتية والمحاسيبية وتشوّه التحضّر وعدم التبلور الطبقي إلخ مما سبق نقاشه، والحق أننا واقعون في مصيدة غريبة، نريد فيها الديموقراطية للحصول على حقوقنا، فيما الديموقراطية، وحقوقنا كمحتوىً لها، مشروطتان هما الاثنتان بالتصنيع المُستقل الغائب، الذي يتعارض مع مصالح هيمنة رأس المال التجاري الريعي التابع، الذي لا يريد لا التصنيع ولا الديموقراطية ولا الحقوق؛ لنصبح كمن يضع العربة أمام الحصان، بتصوّر الديموقراطية ما سيجلب لنا التصنيع والحقوق، بينما ما نحتاجه حقًا تغييراً اجتماعيًا ثوريًا يستبعد الطبقة الطفيلية التابعة ويجلب التصنيع كعمليةٍ واحدةٍ في الحقيقة.

إنّ جوهر معضلة الشرق مع الديموقراطية (حقل السياسة) هي نفسها معضلته مع الرأسمالية (حقل الاقتصاد)، أي الانفصال بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، لكن بشكل معكوس، فهنا سبقت قوى الإنتاج (قوى الدولة الاستعمارية القسرية) علاقات الإنتاج (منطق عملها الاجتماعي وتشابكها مع المجتمع)؛ فامتلكت الدولة قوةً هائلة من أدوات إنتاج القسر، دون علاقات حديثة موازية لإنتاج الإدارة الحديثة في سياق مجتمعها الشرقي، وإذا دمجنا هذا مع نمط الرأسمالية العجوز نفسه، حيث تسارع تطوّرها باتجاه الاحتكار (الذي يمثّل أساسًا مسعىً طبيعيًا للرأسمالي في كل مكان ما أسمّيه بغريزة "الهروب من السوق")، خصوصًا في سياق طرفي؛ ليصبح احتكاراً هيكليًا (ببنية النمط وبتشابكه مع الدولة)، لا مجرد انحراف سوقي عابر (خصوصًا مع الأصول التاريخية للرأسماليات الطرفية التي خرجت من صلب الطبقات المهيمنة السابقة، لا بالضد منها ولا بالصدام معها)؛ فسنجد أن شروط سيادة المنافسة والتناقضات بين قطاعات رأس المال واستقلالها عن الدولة، كلها شروط شبه غائبة، أو موجودة بشكل أضعف من أن تمارس تأثيراً توازنياً مهماً، الأمر الذي يتعزّز بالدور المهيمن للبيروقراطية المدعومة ريعياً وخارجياً.

الديموقراطية على الصعيد العالمي مجرد امتداد لمنطق تدفّق وتوزيع الفوائض

فإذا وسّعنا إطار النظر ووحدة التحليل؛ فسنجد الديموقراطية على الصعيد العالمي مجرد امتداد لمنطق تدفّق وتوزيع الفوائض، لكن في الاتجاه العكسي، فحيث تتحدد مواقع "المركز-الطرف" بمواقعهم من سلاسل القيم العالمية، أي طبيعة الصناعات والمراحل الإنتاجية المتخصصين بها، أو تقسيم العمل الدولي بين القطاعات الأكثر قيادية-الأعلى ربحيةً والأكثر تبعية-الأدنى ربحيةً، ضمن عملية التبادل غير المتكافئ الشاملة؛ ومن ثم تقسيم الفوائض عالميًا، وحيث أن "محتوى الديموقراطية" يحدده التوازن الطبقي، فيما "حدودها" تتحدد بحجم الفائض، باعتباره موضوع إدارتها؛ يكون لدينا اتجاه عكسي ما بين مسار تضخّم الفائض من الأطراف إلى المراكز (فوائض أصغر-مُنتهبة، فأكبر-نهبية)، ومسار اتساع حدود الديموقراطية من المراكز إلى الأطراف (ديموقراطية أوسع-استلابية، فأضيق-مُستلبة)، ما يتسّق ومنطق إدارة الاقتصاد العالمي نفسه، وتصدير الأزمات من المراكز إلى الأطراف، وتوزيع الدخول بين شعوبه، في "وحدة منطق" للديموقراطية محليًا وعالميًا، ولا أدل على صحّة هذه الفرضية، من دول أشباه الأطراف الصاعدة ككوريا والبرازيل والهند وتركيا وفنلندا، التي تحقّق بها، بالتوازي مع تطورها الاقتصادي تحسّن موقعها الدولي، بعض من الهامش الديموقراطي، الأكبر من هوامش الأطراف شبه الصفرية، والأقل من هوامش المراكز الكبيرة نسبيًا؛ ما يعطيها دلالةً أكبر منهما حول العلاقة المعنية، خصوصاً بتوسّطها إياهما، وبكون معظمها خارج الإطار الغربي، بما يسحق التفسيرات الثقافوية المبتذلة في هذا الشأن، كما في غيره!

ودعني أنهي بأن الحديث المُبتذل عن الديمقراطية في السياسة، يشبه نظيره المُمل عن السوق في الاقتصاد، كلها "جهالات" شعاراتية ليبرالية تشبه "شربة الحج محمود اللي بتطهّر البطن وتنزّل الدود"، الشربة السحرية التي تعالج كل شيء تقريباً، فيما هي بالنسبة للواعين بما ورائها، مجرد مقولاتٍ تعبوية تعمل كخطاباتٍ للتعّمية بعيداً عن التحليل السوسيوتاريخي الملموس، الذي يحدد المهمة الحقيقية ومفتاح إنجازها الأكثر فاعلية المُشتق من طبيعتها الملموسة وسياقها الخاص، وهو التحليل الذي يجب أن يكون منهجنا الفعلي في إنتاج الإستراتيجيات التاريخية والمقولات المركزية.

فبالحديث عن بلد كمصر مثلاً، تلك الدولة الرخوة والضارية في ذات الوقت، يترافق ضعف الدولة "التنفيذي" وفشلها "التنموي"، مع تحوّلها لآلية تراكم ثروة خاصة للبيروقراطية ورأسمالية المحاسيب، ما يسمه الليبراليون والأصوليون بوصفهم الأخلاقي منزوع السوسيولوجية، "الفساد"، المهم أنه في هكذا دولة "مُخصخصة" تزداد الأهمية الاقتصادية للمناصب؛ بما يزيد الحوافز للاستئثار بها، ومع ضعف الفائض الإجمالي القابل للإدارة أساساً؛ تصبح مسألة تداول المناصب، كتداول الفائض بالمُجمل، غير مطروحة؛ فتزداد أهمية الوسائل القسرية في الاحتفاظ بها؛ فيزداد الدور الأمني والعسكري؛ لتقع الثمرة في النهاية -بحكم الاتجاه الموضوعي- في أيدي العسكريين، خصوصاً لو اهتزت القبضة المدنية للنظام قليلاً، وهو تقريباً ما حدث بالضبط بعد انتفاضة 25 يناير!

اقرأ أيضاً: الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

ينتج عن هذا أن "حكم العسكر" نتيجة لا سبب، خلافاً لأطروحات الليبراليين والإسلاميين المُسطّحة، وعندها لا تكون الديموقراطية -مرةً أخرى- المقولة الصحيحة، بل تجفيف منابع موارد تلك الدولة؛ لإيصالها لحافة الرخاوة المُطلقة، بحيث يكون نفس سبب صعود العسكر للحكم، هو سبب سقوطهم، بإفقاد تلك الدولة نفسها كمؤسسة وجودها ومعناها، وأهميتها كقوة قسر، ومصدر ثروة، سواء للبيروقراطية العسكرية أو للرأسمالية المحاسيبية، فهذا هو التغيير التقدمي الأكثر احتمالاً في هذا السياق شديد التعقيد وفائق التدهور!

ولعلّ "التعاونيات" هي الحلقة الأكثر أهمية مرحلياً في سلسلة المقاومة التي يجب أن نطوّرها حالياً، بقدرتها -لو طُبقّت بصورة راديكالية مُستقلة- على ربط السياسة بالاقتصاد ضمن الإستراتيجية الشاملة لربط المهمة الماكروتاريخية للتصنيع المُستقل، بالممارسة الميكرواجتماعية لمطاردة الريع؛ كونها تقلّص ريع رأس المال التجاري؛ فتقدم عونًا بالتالي لرأس المال الصناعي، وتضعف تدفقات الضرائب للبيروقراطية الحاكمة.

وفي المقابل مثلاً، فبالحديث عن الأنظمة كاملة الريعية، سيكون التغيّر التقدمي المُحتمل، في الغالب، هو الانقلابات العسكرية على غرار ما شهدت دول التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات (وبنفس المنطق تقريباً)، بمجرد فقدان النفط لأهميته أو حدوث اضطراب في النظام الدولي يضعف الحماية الخارجية، أو يجعلها بلا عائد أو ضرورة.

الصفحة الرئيسية