كيف شوّه حزب التحرير صورة الإسلام والمسلمين في أستراليا؟

كيف شوّه حزب التحرير صورة الإسلام والمسلمين في أستراليا؟

مشاهدة

14/01/2021

من بين فروع حزب التحرير المنتشرة في أكثر من 50 دولة حول العالم، يعدّ فرع أستراليا الأكثر تطرفاً، أو بمعنى أدق؛ الأكثر صدقاً في التعبير عن أهداف الحزب، التي تعدّ نسخة غير مسلّحة عن أيديولوجية تنظيم داعش، الذي رفض قادة فرع الحزب في أستراليا إدانة جرائمه.

ويعبّر هذا الفرع بجلاء عن أيديولوجية حزب التحرير وفكره؛ إذ يهدف إلى إقامة دولة الخلافة، وتطبيق تصوّره عن الشريعة الإسلامية، كخطوة أولى نحو إعادة تفعيل مفهوم الغزو، تحت اسم الجهاد، لنشر الإسلام في العالم، ويعتقد أعضاؤه أنّ البلاد الإسلامية ديار كفر، لأنّها "لا تطبّق الشريعة"، على حدّ زعمهم.

يحظى حزب  التحرير بسمعة سيئة في أستراليا، ويرفض الأكاديميون حضور ندوات يشارك فيها قياديون من الحزب، احتجاجاً على خطابه العنصري، وتحريضه على العنف

ويصرّح قياديو وأعضاء فرع أستراليا برفضهم للقانون، وعدم احترامهم للنشيد الوطني، ويبررون جرائم داعش، إلى جانب دعوتهم إلى قتل من تركوا الإسلام، وتحريضهم على قتل اليهود.

وتسيطر على أعضاء الحزب نظرية المؤامرة؛ فيرون في كلّ قرار حكومي إهانة لهم كمسلمين، ولا يشاركون بشكل إيجابي بين المجتمع الذي يتمتعون بمواطنته، بل ولا يعترفون بالمواطنة.

وتسبّب خطاب حزب التحرير الرجعي في الإساءة إلى صورة الإسلام والمسلمين في المجتمع الأسترالي، وزيادة انفصال المسلمين عن المجتمع، علاوةً على نشر التطرف، الذي يدفع بالعديد من الشباب إلى الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا.

أيديولوجية حزب التحرير

يقول الباحث في شؤون  الجماعات الاٍرهابية ، عمرو فاروق: "يمثّل حزب التحرير رافداً من روافد الحركات الأصولية، التي تؤمن بالمنطلقات والأبجديات الفكرية نفسها، التي تتخذها غالبية الجماعات منحى لها في التعامل مع المشروع الإسلامي  لإقامة ما تسمى "دولة الخلافة" المزعومة".

الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، عمرو فاروق

ويتابع فاروق، لـ "حفريات": "هذه المنطلقات تتركز في الفئة المؤمنة، أو أهل  الاصطفاء، والمساحة الجغرافية التى تقوم عليها الدولة المزعومة، فضلاً عن القوة الموظفة لتحقيق الهيمنة والسيطرة على الأتباع والمجتمعات، وانتهاء بالسلطة الحاكمة والدستور الشرعي، وهي الأدوات التي تعتمد عليها مختلف الجماعات الراديكالية في طريقة الوصول لأسلمة المجتمع".

وتأسّس حزب التحرير، عام 1953، في القدس، على يد الفلسطيني تقي الدين النبهاني (1909 - 1977)، مستلهماً الكثير من الأيديولوجيا والتنظيم من جماعة الإخوان المسلمين، التي اختلف معها حول مراحل تأسيس دولة الخلافة.

اقرأ أيضاً: بعد حزب التحرير.. أندونيسيا تحلّ جبهة المدافعين عن الإسلام

وشهد نشاط الحزب انحساراً كبيراً في الدول العربية منذ تسعينيات القرن الماضي، تحت ضغط الصدام مع السلطة، وانحصر نشاطه لسنوات، حتى مرحلة الانبعاث الجديدة في العقدين الماضيين، بين أوساط المجتمعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا وأستراليا، ودول وسط وجنوب - شرق آسيا.

ويقول الباحث عمرو فاروق: "حزب التحرير هو حزب سياسي يحمل توجهات ونزعة دينية، يضع على أجندته قيام دولة الخلافة، فضلاً عن أنّه تنظيم هيكليّ سريّ، على غرار جماعة الإخوان، يهدف إلى التغلغل في مفاصل الدولة وإسقاطها وتطويعها لصالح مشروعه".

اقرأ أيضاً: تركيا و"حزب التحرير" اللبناني.. تقاطع مصالح أم دعم لأردوغان؟

ويردف فاروق: "أعلن حزب التحرير صراحة منهجيته في تطبيق الشريعة والوصول لدولة الخلافة، من خلال إصدار دستور إسلامي، والعمل على إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة، فضلاً عن تكفيرها واعتبارها طاغوتية بشكل صريح، وهي مقاربة واضحة مع المنحى الداعشي نفسه في بناء دولة الخلافة المستحيلة تطبيقاً وتنفيذاً".

الفرع الأسترالي

ويتّخذ حزب التحرير من لندن مقراً رئيساً له، وأمير الحزب، عطاء بن خليل أبو الرشتة‎، ويعدّ فرع أستراليا من أشهر فروع الحزب، وربما سهّل الارتباط بين بريطانيا وأستراليا انتشار الحزب، إلى جانب تشابه ثقافة البلدين، وعجزهما عن حظر الحزب، رغم أنّه غير مسجل كحزب سياسي في أستراليا، ورئيسه، إسماعيل الوحواح.

تظاهرة لأنصار حزب التحرير في أستراليا

وأعلن الحزب وجوده بقوة في أستراليا، عام 2007، حين استضاف مؤتمر الخلافة الثالث للحزب الدولي، ما يرجّح أنّ الحزب ظلّ يعمل بشكل سرّي لسنوات طويلة، حتى الإعلان عن نفسه من جديد، عام 2003، من خلال عقد مؤتمر الخلافة في مدينة برمنغهام، في بريطانيا، وفق دراسة أحمد البغدادي، المنشورة في كتاب  "حزب التحرير: رؤية مستقبلية".

اقرأ أيضاً: لماذا اختار إخوان السودان الانحياز إلى حزب التحرير المتطرف؟

وينشط الحزب في تجنيد الأعضاء من بين المسلمين في أستراليا، عبر العمل الدعوي، ويعقد المؤتمرات الحزبية والدعوية، وينظّم فعاليات عديدة، وفي شهر نيسان (أبريل) 2019، نظّم فرع أستراليا مؤتمراً في مدينة سيدني، ونشر مراسل "ديلي ميل" تقريراً حول المؤتمر.

وجاء في التقرير؛ أنّهم جعلوا الرجال في المقدمة، تليهم النساء، اللاتي ترتدي أغلبهن النقاب، وتحدث القيادي بالحزب، وسيم دوريهي، قائلاً: "النشيد الوطني هو ظلم للمسلمين"، ووصفه بأنّه مظهر استعماري.

الأكاديمي الأسترالي المتخصص في مكافحة الإرهاب كليف ويليامز لـ"حفريات": لا أظن أنّ حظر حزب التحرير في أستراليا أو الدول الغربية سياسة صحيحة

وخلال كلمته، ضحك دوريهي ساخراً، عندما سُئل عن إدانة جرائم داعش.

 وكان دوريهي قد رفض، في مقابلة تلفزيونية، عام 2014، إدانة جرائم تنظيم داعش، بينما لم يتردّد في إدانة من ينتقدون دعوته لعقوبات القطع والرجم.

وفي خطوة تعكس التأثير السلبي لحزب التحرير على صورة المسلمين، التقى مراسل "ديلي ميل" رجلاً أسترالياً مسيحياً، نظّم وقفة بمفرده أمام القاعة التي عُقد فيها مؤتمر الحزب، وصرّح للمراسل قائلاً: "أعتبر الإسلام الخطر الذي يهدّد الحضارة الغربية".

وعن حزب التحرير، قال: "عندما يتمكّنون سيفرضون رؤيتهم على المجتمع بالقوة"، وفي عام 2014؛ أثار المتحدث باسم الحزب، عثمان بدر، الجدل داخل المجتمع الأسترالي، بعد أن صرّح بأنّ جرائم القتل باسم الشرف مبررة أخلاقياً.

القيادي بحزب التحرير الأسترالي، وسيم دوريهي

وحول نشاط حزب التحرير الأسترالي، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، عمرو فاروق: "يدخل الحزب بشكل مباشر في سجال دائر مع الأجهزة التنفيذية، مثل المخابرات والأمن العام؛ كونه يستغلّ هامش الحريات، بسبب عدم حظره، إذ يحاول في الوقوف ضدّ مختلف القرارات التي تتّخذها الحكومة الأسترالية للحفاظ على الهوية الفكرية والثقافية للدولة، في ظلّ تعمّد حزب التحرير بناء ما يسمى بالمجتمع الموازي؛ من خلال السيطرة على الجاليات العربية والإسلامية، والدفع بهم في معركته مع الحكومة".

اقرأ أيضاً: لماذا رأى حزب التحرير الفلسطيني أنّ "اتفاقية سيداو" تهدم البيوت؟

ويسارع حزب التحرير في أستراليا بإصدار بيانات، تدين بشدة، وتشكّك، في كلّ قرار حكومي يتصل، من قريب أو بعيد، بالمسلمين، وفي عام 2016، أصدر بياناً ندّد فيه بتهنئة رئيس الوزراء للمسلمين بمناسبة شهر رمضان.

ويهاجم الحزب الجيش الأسترالي كثيراً، ووصف عملياته ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش في العراق، بأنّها جرائم بربرية أشدّ من جرائم داعش.

محاولات حظر الحزب

وفي عام 2017؛ رفض المدّعي العام الأسترالي تصنيف حزب التحرير منظمة إرهابية، على الرغم من خطابه التحريضي، بسبب عدم انطباق القانون على الحزب.

وخلال حكومة توني أبوت (2013 - 2015) جرت عدّة محاولات لحظر حزب التحرير، بما في ذلك التقدّم بمشروع قانون إلى البرلمان لتطوير منظومة القوانين، لتضمين التحريض على الكراهية ضمن أسباب حظر الجمعيات، غير أنّ الإطاحة بأبوت من رئاسة الحزب الليبراليّ عرقلت ذلك.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت

ويجادل خبراء مكافحة الإرهاب في أستراليا حول جدوى حظر الحزب، ويرون أنّ حظره سيصبّ في مصلحة خطابه المتطرف، عبر تغذية حديثه عن الاضطهاد الذي يتعرّض له المسلمون، وكراهية الغرب للإسلام، إلى جانب أنّ الحزب سينتقل من العمل العلنيّ إلى السرّي، بما في ذلك من خطورة أمنية كبيرة.

وتعليقاً على ذلك، يقول الأكاديمي الأسترالي، المتخصص في مكافحة الإرهاب والسياسات الأمنية، كليف ويليامز: "لا أظن أنّ حظر حزب التحرير في أستراليا أو الدول الغربية سياسة صحيحة، لأنّ ذلك سيجعل مهمة مراقبة نشاط الحزب صعبة على السلطات، إلى جانب أنّ لا مستقبل أمام هذا الحزب لدور فاعل، بأي شكل".

ويردف ويليامز، لـ"حفريات": "يختلف الوضع في الدول ذات الأغلبية المسلمة، حيث لدى الحزب فرصة لكسب الأتباع، وتحقيق القوة، وتهديد السلطة".

كيف يدعم الحزب الإرهاب؟

ولا يفصح الحزب عن مصادر تمويله، والتي تعتمد على التبرّعات التي يحصل عليها من الأعضاء، ومن مصادر مجهولة، ويشجّع خطاب الحزب على انزلاق الشباب إلى العنف، سواء بالسفر إلى سوريا والعراق، أو ارتكاب أعمال إرهابية في أستراليا.

ففي عام 2015؛ أطلق مراهق عمره 15 عاماً النار على شرطيّ، وأرداه قتيلاً، وكشفت التحقيقات أنّ المراهق كان يحضر دروس حزب التحرير الصباحية في مسجد الحيّ الذي يقيم فيه.

خبير مكافحة الإرهاب، الأكاديمي الأسترالي كليف ويليامز

وفي عام 2014؛ كان الإرهابيّ، مان هارون مؤنس، الذي اختطف رهائن في مدينة سيدني، ممن يحضرون دروس حزب التحرير بانتظام.

وفي عام 2017؛ دعا المتحدث باسم الحزب، يوسف بدر، إلى قتل من يتركون الإسلام، ما أدّى إلى تدشين حملة مدنية تدعو إلى حظر الحزب.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟

وبات معروفاً عن الحزب تبريره للجرائم الإرهابية، استناداً إلى مظلومية المسلمين في الغرب، حتى أنّ رئيس الحزب، إسماعيل الوحواح، اتّهم السلطات النمساوية بإطلاق سراح الإرهابيين الذين نفذوا عمليات إطلاق النار في فيينا، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لتشويه صورة المسلمين، بعد أن قاطعوا المنتجات الفرنسية، على خلفية أزمة الرسوم المسيئة.

ويحظى الحزب بسمعة سيئة في أستراليا، ويرفض الأكاديميون حضور ندوات تشارك فيها قيادات من الحزب، احتجاجاً على خطابه العنصري، وتحريضه على العنف، وشهدت أستراليا تدشين حملات عديدة طالبت بحظر الحزب.

الصفحة الرئيسية