كيف اخترقت القيادة الإيرانية شيعة أفغانستان؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي

7008
عدد القراءات

2018-06-04

رغم أنّ شيعة أفغانستان لا يشكّلون سوى 8-10% من مجموع سكان أفغانستان، البالغ حوالي 28 مليوناً، إلا أنّ حضورهم السياسي ودورهم الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، يتجاوز هذه النسبة كثيراً، وبدا هذا الحضور يتبلور منذ عام 2002 بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان، على خلفية 11 سبتمبر، والحرب ضدّ طالبان والقاعدة.

فبعد القضاء على حكم طالبان، العدو الأبرز لإيران مذهبياً، أدركت الأخيرة أنّ فرصتها سانحة لإعادة ترتيب أوراقها، واستثمار هذا الغياب، وفق خطط مدروسة لاختراق شامل لكافة البنى؛ الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، للشعب الأفغاني، فسارعت إلى إنشاء فروع لجامعات إيرانية في كابول ومدينتي هيرات ومزار الشريف، وفتحت أبوابها للدراسة المجانية أمام الشيعة الأفغان، ومن أبرزها جامعتا أزاد والمصطفى، إضافة إلى مدرسة دينية ضخمة في كابول تسمى "مدرسة خاتم النبيين"، وتعمل على طريقة المدارس التبشيرية، بدعم مطلق من إيران لتوسيع المذهب الشيعي في أفغانستان.

أدركت إيران بعد القضاء على حكم طالبان عدوها الأبرز مذهبياً أنّ فرصتها سانحة لإعادة ترتيب أوراقها واستثمار هذا الغياب

وعلى صعيد الحياة السياسية؛ يشغل النواب الشيعة الأفغان اليوم ما نسبته ربع مجلس النواب الأفغاني، إضافة إلى نسبة مماثلة في السلطة التنفيذية، خاصة حكام الولايات، ومناصب في السلطة القضائية بما فيها المحاكم العليا، وبمساعدة ودعم مالي من إيران، شكّل الأفغان من الشيعة العديد من الأحزاب السياسية الفاعلة: حزب وحدة الشعب، الاقتدار الوطني، الحركة الإسلامية للشعب، التي ترتبط جميعها بعلاقات مع أمريكا وبريطانيا، إضافة إلى إيران والأحزاب الشيعية في العراق.

وكما هو الحال في قطاع التعليم، لا يختلف الأمر في القطاع الصحي؛ حيث أنشأت إيران العديد من المراكز الصحية والمستشفيات في مناطق مختلفة، تقدم خدمات شبه مجانية للشيعة الأفغان، والطبقات والأسر الفقيرة من غير الشيعة، أبرزها: مستشفى "النور" غرب كابل، ومستشفى "الزهراء" في ضواحي العاصمة.

وعلى الصعيد الإعلامي؛ فقد أنشأت إيران العديد من المؤسسات الإعلامية، من خلال تقديم دعم مالي وتسهيلات وتدريب فني لأطقم من الأفغان الشيعة؛ حيث يتواجد حالياً في أفغانستان أكثر من أربع محطات تلفزيونية، هي: محطة "تمدن" وتعني الحضارة، وهي تابعة لزعيم ورجل دين شيعي أفغاني معروف، هو محمد آصف محسني، صاحب مدرسة "خاتم النبيين" وهي أكبر مدرسة شيعية في كابل. وكذلك محطة "نغاه" وتعني النظرة، اوهي ابعة لنائب الرئيس الأفغاني السابق كريم خليلي. ومحطة "رآه فردا"؛ أي طريق الغد، التابعة لنائب رئيس السلطة التنفيذية في كابل الحاج محمد محقق، رجل الشيعة القوي في أفغانستان، بالإضافة إلى عشرات المحطات الإذاعية "إف إم"، ومئات الصحف والمجلات التي تؤثر في صنع القرار في أفغانستان، بما يخدم تطلعات المشروع الإيراني، والتأثير في قراراتها السياسية والأمنية.

وفي مجالات الدعم والاختراق العسكري؛ شكلت إيران من أبناء الطائفة الشيعية المقيمين في مخيمات اللجوء على الحدود الإيرانية الأفغانية، ما يعرف بلواء "الفاطميون"؛ وهو مليشيا شيعية أفغانية، وقد تم نقل الجزء الأكبر من عناصر هذا اللواء إلى سوريا؛ حيث يخوضون معارك ضمن القوات الإيرانية ضدّ الثورة السورية، وعلى أسس مذهبية، وهناك مخاوف من استخدام هذا اللواء في ساحات معارك قادمة في العراق واليمن وداخل أفغانستان، بما يخدم المشروع الإيراني.

الأخطر في المشروع الإيراني بأفغانستان هو قدرة الحرس الثوري على بناء علاقات مع طالبان إلى جانب داعش والقاعدة

غير أنّ الأخطر في المشروع الإيراني بأفغانستان؛ هو قدرة الحرس الثوري الإيراني على بناء علاقات مع حركة طالبان، إلى جانب علاقات مع داعش وتنظيم القاعدة؛ إذ لم يعد الحديث عنها مجرد اتهامات توجه لإيران؛ بل تعتمد على معلومات ووثائق استخبارية؛ حيث تقوم إيران بتزويد طالبان بالمال والأسلحة وعمليات تدريب واسعة، بحجة محاربة داعش، في الوقت الذي تدعم فيه القاعدة وداعش، باعتبار أنّ ما يجمع بين هذه التنظيمات الإرهابية هو محاربة أمريكا، بالتالي إفشال مشروع أمريكا في أفغانستان.

ويزداد التأثير والحضور الإيراني في أفغانستان في ظلّ الانسحاب الباكستاني من أفغانستان، في ظل الاتهامات الموجهة لباكستان بدعم الإرهاب في أفغانستان، والتقاعس عن اتخاذ إجراءات ضدّ داعش والقاعدة وطالبان.

تطرح اليوم، وعلى نطاق واسع، تساؤلات في أوساط سياسية أفغانية، وفي مراكز دراسات أمنية غربية، تحديداً في أمريكا، حول العلاقة بين تصاعد حجم العمليات التي تشهدها أفغانستان ودور إيران فيها، خاصة أنّ تلك العمليات تستهدف مناطق شيعة أفغانستان، إضافة إلى أهداف في كابول، من بينها أهداف أمريكية، ويرتبط توقيت تنفيذها على الأغلب بتصعيد ضدّ إيران، على خلفية ضغوط مرتبطة بملفها النووي وتدخلاتها الإقليمية في المنطقة، بالتزامن مع الكشف عن مزيد من المعلومات من مصادر استخباراتية غربية، تؤكد ارتباط داعش والقاعدة بعلاقات مع إيران.

اقرأ المزيد...

الوسوم: