قواعد الفكر الإخواني (26): غياب نهج المراجعة

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

4065
عدد القراءات

2018-06-07

في تاريخ أيّة مؤسسة أو نظرية أو تنظيم، تبقى قضية مراجعة الأفكار والسلوك ضمانة رئيسة للحياة والحضور، تحقق حالة من حالات الحيوية والتجدّد، التي تضمن نمو الفكرة وتصحيح أخطائها، والوقوف على الثغرات وعلاجها، من أجل أن تبقى تلك المؤسسة أو النظرية صالحة للعمل والتطبيق، وتحقيق الأهداف التي نشأت من أجلها.

رغم عمرها الطويل، الذي يكاد يبلغ قرناً من الزمان، إلّا أنّ جماعة الإخوان استمرت على أخطائها الإستراتيجية، ومن أبرزها تمسّكها بعدم مراجعة نفسها، سواء على مستوى المقولات التأسيسية؛ أهدافها وغايتها ومشروعاتها السياسية، أو سلوكها التنظيمي والإداري أو الدعوي، أو حتى السياسي.

الهروب من الواقع

كانت الجماعة تدرك، منذ عهد مؤسسها حسن البنا، خطورة المراجعة التي تبدأ بطرح الأسئلة الوجودية؛ كسؤال المقارنة بين التكلفة والعائد الذي يحكم أي مشروع أو فكرة، وهل يبدو مشروع الجماعة قابلاً للتحقق؟ بمعنى: هل بالإمكان القفز على كلّ التعقيدات، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتباينات بين الأجناس والأمم والمجتمعات وصهرها في مشروع بتلك السطحية؟

جماعة الإخوان استمرت منذ تأسيسها على أخطائها الإستراتيجية ومن أبرزها تمسّكها بعدم مراجعة نفسها

وما مدى واقعية الأفق الزمني لتتحقق بموجبه مراحل مشروع الجماعة؟ بصوغ الفرد ثم الأسرة فالمجتمع على مقاس أفكار التنظيم، ثم التمظهر في حكومة تستلهم هذا البرنامج الملتبس، ثم دولة لها ملامح التنظيم تتشكل في كل قُطر، لتلتئم كلّ تلك الأقطار في خلافة تبدأ طريقها نحو ما سماه "أستاذية العالم".

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (16): المتاجرة بدماء الأعضاء

حدد حسن البنا عشرة أعوام لكلّ مرحلة، وهرب من الواقع إلى الخيال، مكرراً مقولته الأثيرة "حقائق اليوم أحلام الأمس"، مغرقاً الأتباع في الأحلام اللذيذة، ودربهم على هذا السلوك حتى أصبح أثيراً لأفراد الجماعة، يمارسونه بإصرار، حتى بعد صدمة الخروج من الحكم، لم يجب البنا عن أسئلة الدولة، وظلّ يلحّ على سؤال الهوية، الذي كان حيلة مجربة في السابق، تسهّل الهروب من سؤال التحديث الذي لم يُجب عنه، فكان يدرك أن مقتل فكرته في طرح الأسئلة التي تتلمس الواقع، وتستأنس بالتجربة والتاريخ والاجتماع البشري، وقوانينه التي  تنكّرت لها كل تلك الجماعات، وفي القلب منها الإخوان المسلمون.

ظلّ حسن البنا يكرر مقولة: "حقائق اليوم أحلام الأمس" مغرقاً أتباعه في الأحلام

الخوف من طرح الأسئلة

كان البنا منتبهاً، منذ البداية، لخطورة طرح الأسئلة وتحكيم العقل والمنطق؛ لذا كان اختياره للوعاء الصوفي في البدء؛ لأنّه يضمن طاعة المريد للشيخ والتأدب في حضرته، كالميت بين يدي مغسله، فلا يجرؤ أبداً على طرح الأسئلة، وبقي هذا الوعاء على حركته حتى بعد مقتله؛ حيث بقيت تلك التعاليم الشفهية بغلق باب المراجعة التي تطال الأفكار أو الأهداف أو السلوك، والاقتصار على التفكير في تنويع الوسائل التي تحقّق الأهداف التي وضعها البنا بصرامة لم تبلَ مع الأيام.

كان حسن البنا منتبهاً منذ البداية لخطورة طرح الأسئلة وتحكيم العقل والمنطق

كان البنا حاسماً في اختياره نمط الشورى المُعْلِمة، الذي هو قتل صامت لفريضة الشورى الملزمة التي أمر الإسلام بها، فلم يسمح لفرد أو جماعة من أتباعه بأن ينتصر رأيهم في أيّ مسألة، وإن اجتمعوا عليها، والأمثلة كثيرة: يصوّت الإخوان على ترشحه في الانتخابات النيابية، فيقرر هو ألا يترشّح، فلا يرتفع لهم صوت، يتمسكون بتطبيق اللائحة التي كتبها، فيدغدغ مشاعرهم بأحاديث فارغة عن الأخوّة التي تعلو على اللوائح بمكر، ينفق أموال فرع الإسماعيلية دون حسيب أو رقيب وعندما يعترض أعضاء في مجلس الشعبة يُخرجون بعد تدبير ماكر يجعلهم هم "المارقين عن الدعوة الخارجين على طاعة فضيلة المرشد".

التبعية المطلقة للمرشد

يكشف طارق البشري في كتابه "الحركة السياسية في مصر": أنّه "لم يلحظ في مختلف كتابات الإخوان، أنّ ثمة واجبات مقابلة يلتزم بها القائد تجاه الأعضاء، عملية كانت أو نظرية، أو أن وسائل حددت لممارسة النقد أو المراجعة للقائد"، وكتب صالح عشماوي خطاباً إلى المرشد يكشف نمط التبعية المطلقة، يقول: إنّه "من حقك علينا الطاعة على هذا بايعنا وعاهدنا، ولنا فيك الثقة الكاملة وعندك الطمأنينة الشاملة".

كان البنا حاسماً في اختياره نمط الشورى المُعْلِمة المناقضة لفريضة الشورى الملزمة التي أمر الإسلام بها

والأمثلة الدالة على هذا النمط كثيرة، يستدعى فيها البنا مقام النبوة بين محمد، صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه، فيتكرر الاستشهاد بآثار منسوبة للنبي، صلى الله عليه وسلم، مثل: "إنّ الله كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"، وغيرها من الآثار المقطوعة أو المنتحلة، تأكيداً لهذا النمط الذي كان ضمن ميكانيزمات اختارها التنظيم لقطع طريق المراجعة على الأتباع.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (11): ضرب الروح الوطنية

يحكي محمود عبدالحليم، مؤرخ الإخوان أنه بعد أن أفرج السادات عن سجناء الإخوان، في مطلع السبعينيات، تحديداً عام 1974، عندما قضت أهم القيادات محكوميتها، وجدهم قد اجتمعوا في بيت أحدهم يتشاورون في إحياء التنظيم على الطريقة القديمة، فنصحهم بأن يتخلّوا عن تلك الفكرة، ويتحول التنظيم إلى دار نشر عالمية، تنتج الكتب وتمكّن لنشر القيم الإسلامية العامة، وليس لأفكار التنظيم، محاولاً إقناعهم بعبثية فكرة الصدام مع الأنظمة والتشوف للحكم، لكنّ مقترحه ذهب أدراج الرياح.

غلاف كتاب "الحركة السياسية في مصر" لطارق البشري

عدم الاتعاظ من الفشل

لم تتوقف الجماعة لحظة واحدة عبر تاريخها لتعيد النظر في فكرة إنشاء تنظيم حركي يطرح نفسه بديلاً عن الدولة، ووصياً على المجتمعات، لم تفكر في خطيئة إنشاء ميليشيا عسكرية، قال بعضهم إنّها خرجت عن طاعة من أنشأها، وقتلت أبناء الجماعة، بل بقي المرشد السادس للجماعة مأمون الهضيبي يردّد: "إنّ الإخوان يتعبدون لله بأفعال النظام الخاص".

لم تفكر الجماعة في جدوى الصدام مع كلّ الأنظمة، ملكية وجمهورية، أو جدوى فكرة إنشاء دولة تعيد دعوة المسلمين للإسلام.

لم تتوقف الجماعة عبر تاريخها لتعيد النظر في فكرة إنشاء تنظيم حركي يطرح نفسه بديلاً عن الدولة

لم يدفع فشل الجماعة المتكرر للاتعاظ؛ في وظائفها التي اختارتها لنفسها في الدعوة والتربية والسياسة، أو تجربة حكم بعض حواضر العالم الإسلامي، وتحقيق فشل ذريع كان من ملامحه اقتطاع أجزاء من دولة، كأن يكون الطريق للخلافة الجامعة لا يمرّ إلا عبر تقطيع أوصال العالم الإسلامي.

رغم فشل الجماعة التاريخي في حكم مصر، ورغم ما سبقه من قرارات تنظيمية كارثية، بشهادة أعضاء من الجماعة؛ كالمنافسة على كل مقاعد البرلمان، والترشح لمنصب الرئاسة، وتشكيل الحكومة، وأخونة المؤسسات، وما خلّف ذلك من مفاسد وشرور.

لم يتوقف التنظيم للمراجعة أو الاستدراك؛ بل ظلّ يتهم كلّ من يرفع راية المراجعة والاستدراك، حتى من داخله، بأنّهم مرجفون في المدينة، يناصبون الدين وأهله العداء، ويتربصون بهم الدوائر، وغيرها من ميكانيزمات الإسقاط على تاريخ الجماعة المسلمة، الذين ظلوا يعدّون أنفسهم الامتداد الطبيعي لها.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (19): تكوين وتعبئة الأفراد

كان تجاهل المراجعة اختياراً راسخاً لدى المرشد وكل من تبعه من القيادات؛ لا مراجعات، ولا أسئلة، قد تفتح أبواب أسئلة قد تطال الأفكار والمشروع المتهافت، الذي لا يقوى على طرح الأسئلة أو مواجهتها.

كان رفض المراجعة ناجماً عن وعي بنتائجها المباشرة؛ لذا لن تنخرط قيادة الإخوان الحالية، أو من بقي حياً من قيادات سابقة، أو حتى السماح بتقويم أداء قيادات تاريخية طواها الزمان، فقط لأنّ ذلك سيقود حتماً إلى مساءلة تحدد الجنايات والأخطاء، فسجلّ الجماعة حافل بالأخطاء في حقّ الدين والأوطان، وسيبقى الإخوان يعدّون مراجعة أفكارهم مراجعة لثوابت الدين، بعد أن أدمنوا تلك الحيلة النفسية التي تجعلهم يصدقون أنّهم الأمناء على دعوة الإسلام، كما نعتهم مرشدهم الأول.

اقرأ المزيد...

الوسوم: