قواعد الفكر الإخواني (24): العزلة الشعورية عن المجتمع

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

1719
عدد القراءات

2018-05-24

"ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها، ولا في شيء من تقاليدها، مهما اشتدّ الضغط علينا، حين نعتزل الناس؛ لأنّنا نحسّ أنّنا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً، لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً، اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة، إنّ العظمة الحقيقية أن نخالط الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع، ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية، أو أن نتملّق هؤلاء الناس، ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم بأنّنا أعلى منهم أفقاً، إنّ التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية".

الشعور بالتفوق

يعتقد كثير من الباحثين أنّ تلك الفقرة من كلام سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" كاشفة، إلى حدّ بعيد، وربما مفسّرة، لسلوك كثير من الإسلاميين الحركيين في مواجهة مجتمعاتهم، وفي القلب، بطبيعة الحال، الإخوان أكثر الناس إخلاصاً لما وجهت له تلك المقولات؛ العزلة الشعورية التي هي بنت الاستعلاء الإيماني، هذا الشعور الذي يملأ الفرد الإخواني، فتنتشي نفسه مستشعراً أنّه فوق عالمه وفوق مجتمعه، أرسله الله ليستنقذ هذا المجتمع من تلك الهوة السحيقة، التي نجا هو وحده منها؛ بعضويته في تلك الجماعة منها، لذا بدا مطالباً وفق هذا التوجيه القطبي، بألاّ يلجأ إلى الخيار الأسهل في اعتزال تلك المجتمعات، بألاّ يجاريها في شيء من قوانينها، أو أعرافها؛ لأنّه بعضويته في تلك الجماعة يبقى أطهر روحاً، وأطيب قلباً، وأذكى عقلاً.

العزلة الشعورية بنت الاستعلاء الإيماني الذي يملأ الفرد الإخواني فتنتشي نفسه مستشعراً أنّه فوق عالمه ومجتمعه

كانت دعاية الإخوان الدائمة وسط قواعدهم؛ أنّ جماعتهم تضمّ أفضل عناصر المجتمع، لذا بدا حرصهم شديداً على استقطاب المتفوقين والنابهين في الجامعات والمهن، سبيلاً إلى تكريس هذا الشعور بالتفوق على غيرهم، بعد تسكينهم في مناصب القيادة، تعزيزاً لهذا الشعور ما دام هؤلاء اكتملت لديهم صفات السمع والطاعة العمياء للقيادة العليا للتنظيم.

كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب

الاتصال البارد

يدعو قطب الإخوان إلى ممارسة لون من ألوان الانفصال الشعوري مع هذا المجتمع، بأن تبقى قلوبهم وعقولهم محجوبة عنه، فلا تصغي لصوته أو أنينه؛ بل تمارس شكلاً من أشكال النفاق بممارسة لون من ألوان الاتصال البارد، الذي يهدف، وفق تصوره، إلى تطهيرهم من دنسهم والارتفاع بهم إلى مستوى الإخوان، وهنا تبدو تزكية الإخوان لفهمهم للدين والدنيا راسخة، الأمر الذي لم يبدأ فقط مع سيد قطب في الحقيقة؛ فقد كانت توجيهات حسن البنا مشابهة، وإن كانت أكثر مراوغة، كما درج في كلّ كلماته.

فهو عندما يخاطب إخوانه بقوله: "أنتم صحابة رسول الله، ولا فخر، وحملة لوائه من بعده"، يؤكد هذا المعنى الذي ذهب له قطب، وعندما يؤكد لهم أنّ الناس هم من يجب أن يأتوا إليهم؛ فهو يعزّز هذا الشعور الشوفيني، الذي أثمر في حقيقة الأمر، وما يزال، ثماراً مرّة ما تزال المجتمعات تعاني منها.

سقوط الأقنعة

خرج الإخوان من حكم مصر، بعد عام بدت فيه نواياهم التي صدقتها أفعالهم، في بناء نظام يستبد بحياة الناس باسم الدين، وبدا أنّ تلك الوجوه التي رسمت ابتساماتها الزجاجية في محاولة خداع الناس عن حقيقة التنظيم، تتخلى عن أصباغها وابتساماتها المصنوعة، لتكشف عن وجه قبيح كاره للمجتمع والناس، له أذواقه الخاصة والشاذّة، يفرح في مصائبهم، ويراها جزاءً وفاقاً لما أصابهم بفعل ما صنعته أيديهم.

كانت دعاية الإخوان الدائمة وسط قواعدهم أنّ جماعتهم تضمّ أفضل عناصر المجتمع

عبس الإخوان في وجوه من اكتشفوا حقيقة التنظيم من أعضائه، وانقلبت الأخوّة في الله التي لم تكن سوى أخوة التنظيم، إلى عداء مكشوف، وحملات اغتيال معنوي طالت الخصوم، تتهمهم بكلّ نقيصة، وتحاول هدمهم في نفوس أهليهم ومجتمعهم الضيق والواسع بكل طريق، فالتنظيم لا يتسامح أبداً مع من يكشف عوراته، أو ينتقده.

القطيعة والانفصام

أعادت العزلة الشعورية ترتيب العلائق الاجتماعية، ليصبح عضو التنظيم مقدماً في وعي الأعضاء على علاقة الدم والنسب، فانفصمت عرى العلاقات الأسرية، حتى أفتى أحد دعاتهم بأنّ الأخت لا تصل أبيها ما دام خالف موقفها السياسي، وانحاز إلى ثورة 30 يونيو.

أنتجت العزلة الشعورية شكلاً مشوهاً مما يسمى لدى حركات الإسلام الحركي، بالولاء والبراء، الولاء للإخوان ومؤيديهم، والبراء من غيرهم ممّن خالفهم القصد والفكر، وتعزّزت القطيعة إلى انفصام كامل عن هذا المجتمع، وأصبح الإخوان بين ثلاثة نماذج: الأول نشط في انتهاج العنف قتلاً وتدميراً للممتلكات والمقدرات، والثاني قدّم الدعم اللوجستي في إخفاء تلك العناصر المنفذة، أو مساعدتها بكل الأشكال، وقسم ثالث لم يتمالك نفسه من الفرحة في مواجهة كلّ فاجعة تصيب المصريين؛ سواء نفّذتها أيدٍ إخوانية أو قاعدية أو داعشية، فصدع بفرحته تلك إما عبر وسائط التواصل الاجتماعي، أو وسط دائرته الضيقة أو الواسعة، بحسب ما يسمح المقام.

يدعو قطب الإخوان إلى الانفصال الشعوري مع المجتمع "الجاهلي" بأن تبقى قلوبهم وعقولهم محجوبة عنه

انفصل الإخوان تماماً عن الشعور الوطني، فأصبحت سياسة اقتصادية، كتعويم الجنيه، التي هي أحد سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تأخّرت، فرصة لإشعال الغضب في الصدور وتكفيرهم بالنظام السياسي ووعوده، رغم أنّ الإخوان كانوا سيمضون في الطريق نفسها، وربما بشكل أكثر توحشاً، ثقة في امتلاك أدوات الضبط؛ سواء عبر سلطة امتلكوها، أو تنظيم كبير سيطروا على أعضائه واستلبوهم، إلى حدّ انخراط تلك الجموع في تأييد القرار حتى قبل أن يعرفوه، كانت الجموع الصماء تمضي إلى مدينة الإنتاج الإعلامي؛ لترهب الإعلام، أو تمضي لحصار المحكمة الدستورية العليا، أو دار القضاء العالي، لتعلن تأييدها لإعلان دستوري يجعل الرئيس نصف إله، وتحصّنه من سؤال أو تعقيب، من أي رقيب رسمي أو شعبي.

أما الآن؛ فكلّ قرار للنظام السياسي هو عدوان على حياة المصريين، وكل سياسة إصلاح هي مؤامرة على الوطن والدين، رغم أنّهم هم في الحقيقة من جنوا على الإثنين، عبر وجودهم ذاته الذي كان أقدم مؤامرة عليهما. 

أنتجت العزلة الشعورية فرداً يلوك عبارات باردة عن حبّ المصريين، والسعي لفدائهم بالغالي والنفيس، بينما هو يكرههم من أعماقه، ويتمنى أن يخلو له هذا الوطن من ناسه، ليكون على مقاس تطلعاته البائسة لا يجد غضاضة في استهداف مقدراته سبيلاً لذلك.

سلمية العنف!

خرج أحدهم في تموز (يوليو) 2015، عبر فضائية "العربي" المملوكة للجماعة، وهو المدعو أشرف عبد الغفار، يقول: "نحن لم ولن نتحدث عن سلمية مطلقة أو عنف مطلق، وقد قلنا كثيراً إنّ هناك درجات من السلمية، مثل العمليات النوعية؛ كتفجير محطات الكهرباء، وهناك عمليات أبسط من هذه، أو أكثر من هذه".

وردّ عبد الغفار على سؤال المذيعة: "هل يعدّ استهداف محطات الكهرباء درجة من السلمية؟" قائلاً: "نعم، تفجير واستهداف محطات الكهرباء درجة من درجات السلمية".

كلّ ما يجعل حياة المصريين بعد ثورة 30 يونيو أكثر صعوبة أمر يسعد الإخوان ويشعرهم بالشماتة

هكذا، وبكل وضوح، يفصح قيادي إخواني عن خبيئة نفسه تجاه المجتمع والوطن؛ إنّ جعل حياة الناس في ظلام دامس، بفعل عمل تخريبي هو لديهم عمل سلمي! وكلّ ما يجعل حياة المصريين أكثر صعوبة؛ هو أمر يسعد الإخوان ويشعرهم بالشماتة، التي هي أهم أعراض العزلة الشعورية، انفصلوا عن الشعور الوطني في السابق، عبر محطات عانى فيها المصريون، في حربَي 56 و67، وغيرها من محطات الآلام، وما يزالون يعبّرون عن هذا الانفصال كلّما لاحت لهم فرصة.

العزلة الشعورية؛ هي التي جعلت الداعشي يمسك السكين ويذبح دون رحمة، أو يضع الطيار معاذ الكساسبة في قفص ويشعل النار في جسده الحيّ.

العزلة الشعورية؛ هي التي ضيعت كلّ فرصة للإصلاح السياسي والوطني في مصر، عندما عبّأ الإخوان طاقات في المجتمع، بعيداً عن معاركه واهتماماته، إخلاصاً لوهم الخلافة المزعومة التي ظلّت أحد أشكال العزلة النفسية، التي تبقى هي الأخرى أحد أشكال عزلتهم الأبدية عن الناس والأوطان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: