قواعد الفكر الإخواني (21): النظام الخاص هو جوهر الجماعة

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

46
عدد القراءات

2018-04-19

تحوّلت رسالة التعاليم لحسن البنا من خطاب موجّه خصيصاً من أجل الإعداد العقائدي لأعضاء النظام الإخواني الخاص، وتأهيلهم عسكرياً وأيديولوجياً لمهمة خاصة، وفق نية مبيّتة، إلى زاد عام يتم تعميمه على كلّ الأعضاء، ووجود تنظيمين في الجماعة مجرد تدرّج في الانتساب الإخواني الذي يمثل النظام الخاص فيه قمة الالتزام وحقيقة الدعوة الإخوانية.

زاد النظام الخاص

كتب حسن البنا "رسالة التعاليم" الرسالة الأشهر ضمن رسائله العشرين، لتكون الزاد الفكري والأيديولوجيا الخاصة بأعضاء النظام الخاص، الذي كان يهدف إلى إعدادهم إعداداً خاصاً، ليكونوا جيش الجماعة، أو الذراع العسكرية التي ستنفذ ما يوكل إليها من أعمال عنف، في الداخل والخارج.

لذا حرص حسن البنا، في مقدمة تلك الرسالة، أن يقول بوضوح: "فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين، الذين آمنوا بسموّ دعوتهم وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجّه هذه الكلمات الموجزة، وهي ليست دروساً تحفظ لكنّها تعليمات تنفَّذ"، ثم يردف قائلاً: "أمّا غير هؤلاء فلهم دروس ومحاضرات وكتب ومقالات ومظاهر وإداريات، ولكلٍّ وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات، وكلاً وعد الله الحسنى".

أنشأ البنا النظام الخاص ليكون الذراع العسكرية التي ستنفذ ما يوكل إليها من أعمال عنف

هكذا، بوضوح، يكشف حسن البنا أنّ لديه تنظيمين؛ بحيث يتخفى النظام الخاص داخل النظام العام الذي يؤكّد أنّ له سياقه، ومناهجه الخاصة، وكتبه، ومظاهره ونظامه الإداري، وهو الذي يستوعب طيفاً أوسع بالطبع، يلائمه وصف الجماعة بأنّها "دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وجماعة رياضية، وهيئة سياسية"، إلى آخر تلك الأوصاف الشمولية، التي تصلح في وصف الدولة ومؤسساتها، وهي النسيج الأوسع الذي يحتاج إلى خطاب آخر مطاط ومراوغ، يليق بهذا التباين في ألوان الطيف التي يشتبك معها، والتي تعبّر عن مجتمع متباين المشارب والاتجاهات والرغبات والخطابات بالتالي.

في منتصف الثمانينيات، اكتشف محمد فريد عبدالخالق، أحد قيادات الجماعة من التنظيم المدني (تمييزاً عن النظام الخاص) أنّ مصطفى مشهور، قد عمّم رسالة التعاليم على الصف الإخواني، فعاتبه قائلاً: إنّ "حسن البنا لم يكتب تلك الرسالة لأعضاء الجماعة من التنظيم المدني؛ بل لأعضاء النظام الخاص، وإنّ تعميمها على الصفّ الإخواني يجعل الجماعة كلّها نظاماً خاصاً ويعسكر حركتها، بعدما عانت الجماعة من آثار هذا الخطأ الكارثي الذي تورطت فيه الجماعة، وقد كانت نية البنّا حلّ هذا النظام الخاص، والعودة إلى إطار التنظيم المدني العام"، هكذا كان عبدالخالق يظنّ فلم يكن يوماً عضواً في النظام الخاص، لكنّ مشهور وجماعته من قيادات النظام الخاص، كانوا قد بسطوا سلطتهم بالفعل على التنظيم، وقرّروا استعادة ميراث النظام الخاص، وإخفاء هيكله داخل النظام العام للجماعة، حتى تتهيّأ الظروف لانفصاله من جديد، وقد استقال فريد عبدالخالق من مكتب الإرشاد على خلفية هذا الموقف.

 

 

مانفستو الجماعة

ومضت مسيرة الجماعة معتقدة أنّ رسالة التعاليم هي مانفستو الجماعة، الذي يجب أن يتقيد به الجميع، حتى عدّها الشيخ محمد الغزالي "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين"، وهو العنوان الذي أطلقه على أحد شروح تلك الرسالة، التي تضمّ عشرين أصلاً لأحد أركان البيعة العشرة في تلك الرسالة، وهو ركن الفهم، أكثر الأركان التي أثبتت الجماعة بحالها تنكّرها له، باعتباره نتاج إعمال العقل الذي تعاديه، وتعتقد أنّ له سلطاناً في مواجهة سلطان الجماعة على الأعضاء، وأنّ العضو الأصيل هو الذي يغلب تعليمات القيادة على ما يراه عقله.

يقول البنا، في ركن الثقة للعضو: "هل هو مستعد لأن يفترض في نفسه الخطأ، وفي القيادة الصواب؟ هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة؟ وهل تملك القيادة في نظره حقّ الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟".

يكشف البنا في رسالة التعاليم أنّ لديه تنظيمين بحيث يتخفى النظام الخاص داخل النظام العام

هذه الرسالة يؤكّد سعيد حوى، القيادي في جماعة الإخوان السورية، في كتابه "في آفاق التعاليم"، أنّه من لم يعرفها لا يعرف دعوة الإخوان المسلمين، ومن لم يلتزم بها فليس من الإخوان المسلمين، وإن حمل الشارة، وادّعى الاسم".

وحوى لا يسوق الأمر إلّا في إطار تقسيم الجماعة لمراتب متدرجة للعضوية؛ حيث ينكر فكرة التنظيمين، وأنّ الأمر لا يعدو كونه تدرجاً في العضوية، حيث يقول: "تنقسم رسالة التعاليم إلى مقدمة وقسمين وخاتمة، ومن المقدمة والخاتمة يفهم أنّ هذه الرسالة رسالة عمل، وهي لنوع خاص من الإخوان، هم الإخوان الحقيقيون، وليس فعل الأستاذ البنا غريباً؛ إذ يخصّ بعض الإخوان بخطاب خاص، فذلك من أسلوب القرآن، ومن سنّة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فقد خاطب القرآن الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وخاطب أهل الإيمان، وخاطب غيرهم، فأن يخصّ الأستاذ البنا نوعاً من الإخوان بنوع من الخطاب، فتلك فطنة منه رحمه الله".

يؤكّد حوى هنا، أنّ الإخوان الحقيقيين هم من تحققوا برسالة التعاليم، وهم لديه أعضاء النظام الخاص الذين يلتزمون بتلك التعليمات العسكرية، التي تحدّد لهم واجباتهم الدينية والدنيوية في شكل تعليمات وواجبات عسكرية، لا تجوز مخالفتها، ولا تترتب عليها عقوبات أخروية فقط؛ بل عقوبات في الدنيا تملك قيادات التنظيم توقيعها على المخالف.

من في الدائرة الأقرب للبنا كانوا يعرفون مرامي الرجل الحقيقية وأهداف أجندته الخفية ووسائله

يبرّر حوى الأمر بقوله: "لقد عرف الأستاذ البنا، رحمه الله، أنّه ليس لدى كلّ مسلم في عصرنا استعداد للقيام بأرفع أنواع الالتزام الإسلامي (عضوية النظام الخاص وممارسة الإرهاب أرفع أنواع الالتزام الإسلامي!)، وعرف أنّ الإسلام يحتاج إلى نوعية خاصة، ولذلك جعل في ترتيب دعوته أن يكون الإخوان على درجات في العضوية؛ فهذا منتسب، وهذا مساعد، وهذا عامل، وهذا مجاهد، وهذا نقيب، وهذا نائب، وكانت هذه الرسالة للإخوة المجاهدين ليستنهض همم المسلمين جميعاً إلى ذلك، وليعرف هذا النوع من الإخوة ما هي شروط الحركة الجهادية"، ثم يجزم بالقول إنّ الإسلام لن ينهض إلّا بهذه النوعية، ولن تستطيع هذه النوعية أن تحقق شروط النهضة إلّا إذا التزمت بهذه الرسالة، والتزمت بأركان البيعة، وأدّت واجباتها".

 سعيد حوى، القيادي في جماعة الإخوان السورية

كم منّا وليسوا فينا

هذا الكلام ليس غريباً على سعيد حوى، الذي أنشأ النظام الخاص السوري في السبعينيات، وهو تنظيم الطليعة المقاتلة، الذي خرجت منه كلّ القيادات من الجنسية السورية في القاعدة وداعش.

يبدو سعيد حوى أعرف وأخبر بالجماعة من فريد عبدالخالق، الذي كان ضمن النسيج الأوسع للجماعة، الذي خبّأ فيه البنا نظامه الخاص، الذي التهم ما يستطيع هضمه من أعضاء النظام العام المدني، ومن أدرك حقيقة الأساليب التي ستسلكها الجماعة خرج منها، غير نادم على خروجه من جماعة تربّي أعضاءها على القطيعة مع المجتمعات، وتنظمهم أعضاء في ميليشيات عسكرية قد تتباين فيها الأدوار، لكنّها تكمل معاً منظومة الإرهاب.

استقال فريد عبدالخالق من مكتب الإرشاد على خلفية تعميم مصطفى مشهور رسالة التعاليم على الأعضاء

يعبر فريد عبدالخالق عن شرائح واسعة غادرت الجماعة، بعدما أدركت خديعة أنّهم لم يكونوا سوى جمهور واسع لديه عاطفة دينية، تأثر بمواعظ حسن البنا، لكن من كانوا في الدائرة الأقرب، كانوا يعرفون مرامي الرجل الحقيقية وأهداف أجندته الخفية ووسائله، وأن رسالة التعاليم ليست منهجاً خاصاً بأعضاء النظام الخاص؛ بل يجب أن تكون منهج الجماعة الخاص لمن يتقبل تلك الأفكار، وتناسب مزاجه النفسي بالأساس.

لذلك لا ينبغي أن يستغرب البعض إذا أجابه بعض الإخوان، أنّهم لم يدرسوا الرسالة الأشهر، ولم يقرؤوها؛ فالجماعة لا تبدأ في المراحل الأولية في تقرير تلك الرسالة في مناهجها، وربما يبقى العضو ضمن جمهور الجماعة وأنصارها، لكنّه ليس عضواً في التنظيم، وإن حمل الشارة، وادّعى الاسم، كما يقول سعيد حوى، وكم من الأعضاء ما يزالون يحملون الشارة ليلتقطوا صوراً يطيّروها للجزيرة، لتدّعي مظاهرة في قرية أو نجع، وهم لم يعرفوا رسالة التعاليم، ولا يعلمون أنّهم مجرد ستار يخفي أعضاء التنظيم، لم يقرؤوا مانفستو الإخوان، ولم يعرفوا حقيقة أفكارهم، صدق عليهم ما كان يردده الإخوان، دون أن يفهمه غيرهم: "كم منّا وليسوا فينا، وكم فينا وليسوا منّا".

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: