قرار ترامب.. حين تتحول السياسة إلى عبث

صورة عاصف الخالدي
كاتب أردني

2474
عدد القراءات

2018-05-21

تعد القدس مدينة استثنائية بامتياز واستحقت عبر الأزمان تسمية مدينة السلام؛ لأنّها احتضنت الديانات السماوية على تنوعها، غير أنّ أسوارها طالما شهدت حروباً على السيادة كان سببها ببساطة السياسة، بينما لعب الدين في لحظات من التاريخ دوراً بديلاً عن الأيديولوجيا، وهو ما يجعل رئيساً مثل دونالد ترامب، يخلط الحابل بالنابل اليوم.

فقد انطلق ترامب في دعمه الصريح لجعل القدس "عاصمةً لدولة الاحتلال"، من منظورٍ تاريخي ضيق، ظنّ من خلاله أن العالم يقتصر فقط على تاريخ دولة وكيان؛ أمريكا و"إسرائيل".

السلام المستحيل

منذ نهاية 2017، لم يكف ترامب عن التأكيد أنّه سوف ينقل سفارة بلاده إلى القدس، وكان موقع "بي بي سي"، نقل عنه في 5 كانون الأول (ديسمبر) 2017، "تمسكه بموضوع القدس، وتأكيده الالتزام بدفع عملية السلام"، وهذان موضوعان لا يمكن الجمع بينهما واقعاً، فمدينة السلام اكتسبت قيمتها من العيش المشترك بين الديانات على مر التاريخ، ولم تخضع لأي سيطرة عسكرية عنيفة مستبدة ذات يوم، إلا وسالت الدماء في شوارعها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ ترامب على أرض الواقع لا يعلنها حتى عاصمة يهودية، بل عاصمة للصهيونية وليدة العصابات والقتل والتهجير، منذ العام 1948.

ظن ترامب من خلال إعلانه أنّ العالم يقتصر فقط على تاريخ دولة وكيان؛ أمريكا و"إسرائيل"

ويعود ترامب، في الذكرى السبعين للنكبة، فيلقي كلمة قصيرة، ليقول إنّ "إعلان القدس عاصمة لإسرائيل تأخر كثيراً، حيث اعترفت أمريكا بإسرائيل منذ قيامها، ولأنّ القدس تضم مقر البرلمان الإسرائيلي والمحكمة العليا الإسرائيلية، إضافةً إلى أنّها العاصمة التاريخية التي أسسها اليهود منذ أزمانٍ بعيدة، فإنّ هذا الموضوع أيضاً؛ يمثل الروح الأمريكية التي تمثل السلام والحرية، وتدعم الروح اليهودية التي لا تنكسر، بارك الله في إسرائيل وأمريكا وجلب السلام للفلسطينيين والمنطقة".

خطاب ترامب: 

ويبدو أنّ ثقافة دونالد ترامب ليست سوى ثقافة رجل الأعمال، الذي يفكر كصيادٍ للفرص، تماماً مثل أولئك الذين أبادوا شعوباً لتقوم أمريكا على أنقاضهم، بينما يتم تناسي الفلسطينيين اليوم، لصالح رواية توراتية متصلبةٍ دينياً، قام الصهاينة منذ أكثر من قرن بمحاولة ترسيخها في الغرب، حتى تحميهم نظرياً وشكلياً أمام العالم.

وفي الواقع، فإن الرواية تسقط عملياً، مقابل تاريخ الشتات الفلسطيني الطويل، والقتل والتهجير، الذي لا تمارسه إلا العصابات ودول القمع والاحتلال، والأرقام التي لا يفقه ترامب منها سوى أرقام المال والأعمال؛ إذ تدحض روايته ببساطة، حيث يقبع في سجون الاحتلال اليوم أكثر من 7000 معتقل، بحسب آخر تقريرٍ يمكن الاطلاع عليه على موقع "الأسير الفلسطيني"، وهو عدد لا ينقص، بل يزيد عموماً بحيث يصل عدد المعتقلين الفلسطينيين على مر احتلال فلسطين لمليون معتقل.

شهداء فلسطين والتهجيز منذ الاحتلال: 100 ألف شهيد فلسطيني على طريق الحرية

أما من قتلتهم إسرائيل، شريكة ترامب في الحرية، فبلغ عشرات الآلاف منذ العام 1948 حتى اليوم، بينما تشرد مليون فلسطيني على الأقل منذ النكبة، لتزيد أعدادهم مع نكسة العام 1967، بحسب تقارير وإحصائياتٍ فلسطينية وعالمية.

فلسطين بالأرقام: فلسطين بالأرقام.. منذ النكبة إلى الآن!

تجارة سياسية

من الجدير بالذكر، أن وجهة النظر العربية والفلسطينية، ليست وحيدة في هذا العالم، بل إن يهوداً أنفسهم، يضعون خطاب ترامب وقراره غير المسؤول تاريخياً ولا إنسانياً على المحك؛ إذ يقول الناشط في المنظمات اليهودية بأمريكا، واليهودي المعروف "رابي شبيرو"، إنّ قرار ترامب وخطابه "غير منطقيين ولا صحيحين".

شبيرو: اليهودية ليست عاصمة ولا حتى لغة أو ثقافة أو سياسة.. إنها ديانة فقط

ويوضح شبيرو، من خلال فيديو نشر على صفحة مختصة بالمنظمات اليهودية بموقع يوتيوب في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2018، أنّه "لا يمكن ربط اليهود سياسياً بعاصمة، فاليهود ليس لهم أي عاصمة عبر التاريخ، الدول لها عواصم، لكن اليهود، لهم ديانة فقط، وهم إن صلوا في القدس، فلأنها مدينة مقدسة، وليس لأنّها عاصمة سياسية".

ويذهب شبيرو المختص بتاريخ اليهودية، إلى أبعد حد في رفض الخطاب التاريخي لترامب، حين يقول "القدس مر بها الرومان، والأتراك، وغيرهم، غير أنّ ربطها بالصهيونية مجرد تجارة سياسية، أما تاريخياً فذكر مكان مقدس لليهود في سيناء ممكن، وليس أنّهم حكموا القدس كعاصمة مقدسة، فاليهودية ليست حتى لغة، أو ثقافة أو سياسة، إنها ديانة فقط".

شبيرو متحدثاً ضد ترامب:

حبر على ورق

وكان مجلس الأمن الدولي، شهد في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، شبه إجماع على التصويت ضد قرار ترامب "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل"، وهو ما يشبه اعترافاً ضمنياً، بعدم انطلاء الرواية اليهودية على العالم بعد اليوم، كحجة لاستمرار الصهيونية بما تمثله من قمعٍ واحتلال، رغم مسؤولية العالم الجادة تجاه فلسطين، والتي لم تتحقق بعد، إضافة لتجاوز ترامب في قراره كل القوانين الدولية، حول حقوق الشعوب المحتلة.

بعد 70 عاماً من الانحياز يجب تنحية أمريكا عن أي دور فيما يسميه ترامب عملية السلام

ولعل ما شهده العالم خلال الأيام الأخيرة، من نضالٍ للفلسطينيين كشعب أعزل، في غزة والضفة والقدس وحيفا وعكا وكل فلسطين، وتقديمه ما يزيد على 55 شهيداً، ومظاهر العنف والقمع الاحتلالي، التي رافقت مسيرات الفلسطينيين في القدس ضد نقل السفارة الأمريكية، جميعها؛ تبقي قرار ترامب ودولته حبراً على ورق.

إنّ سبعين عاماً من الانحياز وسياسية الكيل بمكيالين، تعني أنّه يجب تنحية أمريكا عن أي دور فيما يسميه ترامب "عملية السلام"، بل وهو دعوة صريحة إلى الفلسطينيين، وكل شبر أرض ما يزال محتلاً في هذا العالم، إلى عدم البحث عن السلام، إذ ربما أصبح انتزاع السلام ضرورة لا بد منها دون زج الديانات في دوامة الدم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: