في وداع "أعظم مؤلف أمريكي" في 60 عاماً

صورة علي عبدالأمير
كاتب وصحافي عراقي

393
عدد القراءات

2018-05-29

يمثل موت فيليب روث، الذي كان يبلغ من العمر 85 عاماً، نهاية مهنة الكتابة غير العادية؛ بل هو في رأي كثير من دارسيه، حتى ممن كانوا على غير وفاق معه، كان "أعظم مؤلف أمريكي في الستين سنة الماضية"، كما يقول أستاذ اللاهوت جيمس رودن.

ثروة فكرية ولغوية

بل حتى أولئك الذين تمرّ عادة معظم الروايات بسرعة بين أيديهم، ما كانوا يفعلون ذلك مع كتابات روث العديدة الرائعة، فكتبه التي صيغت بعناية تحتاج إلى بطءٍ في القراءة، بسبب ثروتها اللغوية والفكرية الغنية.

خلال مسيرته الطويلة، فاز بسلسلة من الجوائز الكبرى، بما في ذلك جائزة "بوليتزر" عن "الرعوية الأمريكية"، وهي رواية تميط اللثام عن الاضطرابات الهائلة في المجتمع الأمريكي خلال عقد ستينيات القرن الماضي، بكلّ ما فيه من انقسامات عرقية وسياسية رهيبة.

خلال مسيرته الطويلة فاز فيليب روث بسلسلة من الجوائز الكبرى بما في ذلك "بوليتزر"

سوف يتم تذكر روث دائماً، بوصفه المنقّب الساخر في الحياة اليهودية الأمريكية، كما في رواية "وداعاً كولومبس" (1959)، و"شكوى بورتنوي" (1969)، وهي رحلة استكشافية شبه ذاتية لشاب يهودي له جاذبية خاصة عند النساء الشقراوات البروتستانت.

لكنّ روث كان أكثر بكثير من مؤرخ "الهشاشة اليهودية الأمريكية وحماقاتها"، ففي كتابه "مكيدة ضد أمريكا" ​​(2004)، يتخيل روث أنّ "البطل الوطني" الطيار الشهير تشارلز لندبرغ، وهو أمريكي شعبوي مناهض للسامية، معجب بالدكتاتور النازي أدولف هتلر، يتم انتخابه رئيساً للولايات المتحدة العام 1940، بدلاً من فرانكلين روزفلت، وبمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، يطلق ليندبيرغ حملة مناهضة لليهود.

الرواية ليست فقط "ما كان يمكن أن يكون" من الناحية التاريخية، إنّها حكاية حول ما يمكن أن يحدث عندما يزيل رئيس أمريكي منتخب غطاء "القمامة الوطنية المليئة بمعاداة السامية والعنصرية".

غالباً ما تشهد روايات روث وقصصه القصيرة تجارب طفولته؛ فكتب مراراً وتكراراً عن الناس والأحداث والقضايا التي كان يعرفها جيداً، وكان روث "عالماً أثرياً أدبياً"، قام ببحث داخل عمق خياله وذاكرته لإعادة خلق البيئة الأمريكية لشبابه.

فيليب روث في أوج عطائه وشبابه 1963

يهودي ضدّ اليهودية

عندما نشرت رواياته للمرة الأولى، أثارت كلّ من "وداعاً يا كولومبوس" و"شكوى بورتنوي" عاصفة من الانتقادات اللاذعة من قبل العديد من الحاخامات، وشملت وابلاً من المواعظ والحملات الدينية ضدّ روث؛ فقد اتهم الحاخامات الأمريكيون شخصياته الروائية بأنّها ضحلة وكارهة لليهود ومعادية للسامية، حتى أنّ أحد الحاخامات قال "ما الذي يجري عمله لإسكات هذا الرجل؟ كان اليهود في العصور الوسطى يعرفون ماذا يفعلون به"، أي الحكم بإفنائه.

سوف يتم تذكر روث دائماً بوصفه المنقّب الساخر في الحياة اليهودية الأمريكية

بعد خمسين عاماً من تحفته الأولى "وداعاً كولومبس"، كتب روث "عدو متأهب"، وهي تحفة أخرى، قصة مفجعة عن وباء شلل الأطفال العام 1944 في نيويورك، وما بين العملين، كان روث من بين عدد قليل من الروائيين القادرين على تحمل عبء الأدب كمهنة، والتفوق الإبداعي المطلق لمثل هذه الفترة الطويلة من الزمن.

أخيراً، وقبل أن يقرّر وضعَ حدّ لمهنته ككاتب العام 2011، كان قد نشر 27 رواية مكتوبة بأناقة، وكذلك أربعة مجلدات غير أدبية، والعديد من القصص القصيرة.

وعلى مرّ التاريخ، كان اليهود يسخرون من أنفسهم، مراراً وتكراراً، فقد استخدموا الفكاهة الذاتية كوسيلة للدفاع الوقائي والبقاء في عالم معاد، لكن عندما اتبع روث الموهوب ببراعة هذا التقليد الذي يعود إلى قرون، كان هناك نقد عنيف طال مؤلفاته، غير أنّ الأصالة التي جاءت عليه أعماله أسقطت كلّ أعدائه في المجتمع اليهودي الأمريكي.

عندما نشرت رواياته للمرة الأولى أثار العديد من الحاخامات عاصفة من الانتقادات اللاذعة ضده

"لطالما كانت أسئلته حول الحياة والهوية اليهودية ومعضلاتها، هي الأسئلة الصحيحة" يؤكد الكاتب اللاهوتي جيمس رودن.

غاب فيليب روث، لكن لحسن الحظ، حقق الخلود الأدبي؛ لأنّ رواياته ستظل قائمة إلى الأبد، و"مثّل رحيله نهاية عصر ثقافيٍ، كما كان رحيل بابلو بيكاسو العام 1973"، بحسب الناقد الأدبي في صحيفة "نيويورك تايمز"، دوايت غارنر، الذي يقول: "كان روث، الذي توفَّي مساء الثلاثاء 22 أيار (مايو) 2018، عن عمر يناهز 85 عاماً، هو آخر من نجا من جيل الروائيين ذوي الصدقية والموثوقية والتأثير، ومن بينهم جون أبدايك، نورمان ميلر، وساول بيلو، الجيل الذي ساعد في التعريف بالتجربة الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين".

عندما ينظر المرء إلى سلسلة أعمال روث المتأخرة، من الصعب ألّا يتذكر لحظة في رواية "إنس الإنسانية" العام 2000، التي يذهب فيها ناثان زوكرمان (البطل)، وهو شخصية خيالية، في صباح أحد أيام السبت للاستماع إلى جلسة موسيقية مفتوحة، لقد حلّت الموسيقى محل الجنس باعتباره المتعة العظيمة لحياة زوكرمان المتقادمة.

روث في أيامه الأخيرة بشقته في نيويورك شباط 2018

قام روث بنوع أدبي فريد فيه من الحفر والتفتيت، مثلما فيه من الكشف والمراجعة، كان عمله أكثر غضباً، وأكثر ذكاءً وشهوةً، وكان حديثاً بحقّ، أكثر من غيره، ويعكس تضارباً أكثر بين التفكير والعاطفة، كما فعل في "شكوى بورتنوي" (1969)، وفيها وضع فيه بطله المكبوت على أريكة الطبيب النفسي.

قال روث، الذي لم يفز بجائزة نوبل التي تنبّأ بها كثيراً، ذات مرة: "أتساءل عما لو كنت في "شكوى بورتنوي" قد بالغت في إظهار الشهوة تحت الرأسمالية المغشوشة، وهل كان ذلك كافياً للحصول على جائزة الأكاديمية السويدية؟".

أما رواية "أمريكا الرعوية" (1997) فقد فازت بجائزة "بوليتزر"؛ فقد تكون أكثر روايات روث إثارة للعجب، فهي مع القدرة اللافتة في الكتابة عن الأطفال، تثير أسئلة عن إنجازها من قبل كاتب لا تعرف عنه التلقائية في عمله.

"الشيخوخة هي مجزرة"

لكن بالنسبة إلى القراء الآخرين، قد تكون روايته الأعظم هي "مسرح السبت" الأكثر غموضاً (1995)، حول شخصية أذلّتها الشيخوخة وأنهكتها أحاسيس الشهوة والشعور بالعار، وهما القوتان الدافعتان وراء كثير من نسيج روايات روث.

بعد الجنس، كان الموت هو موضوع روث العظيم "الشيخوخة ليست معركة، الشيخوخة هي مجزرة"، هكذا كتب العام 2006، لكنّ إنتاج روث كان "بروتينياً مشعّاً للطاقة، واسعاً جداً، وعميقاً جداً، ومتشدداً إلى حدٍ كبير، ولا يمكن التقاطه حقاً في تقييم سريع يأتي بعد وقت قصير من وفاته. الحزن ليس كلمة قوية للتعبير عن مشاعري ومشاعر الآخرين الذين واكبوا أعماله" يختم دوايت غارنر.

اقرأ المزيد...

الوسوم: