عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة

صورة علي عبدالأمير
كاتب وصحافي عراقي

67
عدد القراءات

2018-01-11

يكاد يكون تعريف الثقافة بوصفها "النسيج الكلي من الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والاتجاهات فـي مجتمع ما، وهي تعني ذلك الجزء من البيئة الذي صنعه الإنسان بنفسه ونظّمه بخبراته وتجاربه"، أقرب إلى الدقة في معطياته الواقعية والعملية.

وإذا ما اعتمدنا التطبيق الحقيقي للثقافة بوصفها أنساقاً فكرية وحياتية في القانون والسياسة والسلوك الاجتماعي والعلاقة مع الدولة، فثمّة جذور للإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة، باتت معلنة منذ نحو سبعة عقود.

ثقافة الانقلابات العسكرية

أبرز الجذور الحقيقية للإرهاب في العالم العربي، مثلتها ثقافة الانقلابات العسكرية التي فتحت باب جهنم الأرضية على المجتمعات الحية لأبرز 3 دول: مصر، العراق وسوريا، لجهة "تشريعها" عمليات تصفية الخصوم دموياً، وتخريب الدولة لصالح الأحزاب أولاً، ثم الأشخاص- الزعماء تالياً وتلك الثقافة الدموية التي اعتمدت ترهيب الخصوم السياسيين والشعوب لاحقاً، بدت نموذجاً يحتذى فطبقته الجزائر وليبيا واليمن، حتى وصلت تلك الدول ومع فرط استخدام القوة والعنف، إلى ماكينات جبارة للتوحش حين انتقل من مستوى مؤسسات الحكم إلى المجتمعات لا سيما بعد انهيار الدولة كشكل للحكم.

جاء استخدام الدين في السياسة قبولاً لإرهاب استخدمه المتصارعون على السلطة في العراق وسوريا واليمن وليبيا

فكر سياسي عنيف

شكّلت الأحزاب السياسية، العلمانية منها والدينية، في الدول العربية ممراً لتطبيق مبدأ "الكفاح المسلح"، عبر استخدام السلاح لتحقيق أهدافها، وهو ما كان جذراً حقيقياً للإرهاب وتدريباً اجتماعياً عليه، وصولاً إلى القبول باستخدام العنف تحت مسميات شتى. واللافت أنّ ما أصاب الدولة العربية المعاصرة، وتحديداً في الشكل الحاكم في جمهوريات الانقلابات العسكرية "التقدمية" كمقدرات ووجود من ثقافة تلك الأحزاب لهو أعظم بكثير مما أصابها من الأنظمة العسكرية الحاكمة منذ خمسينيات القرن الماضي. وبتحول تلك الأحزاب إلى الحكم أو حين كانت قريبة منه، تحول العنف من دعوة إلى التغيير، إلى ثقافة أصيلة في فرض الحكم والحفاظ عليه من قبل هجمات الخصوم الذين كانوا إلى حين قريب "أخوة بالدم" مع الحاكمين.

إرهاب الدولة

تمكنت أنظمة الانقلابات العسكرية العربية من جعل ثقافة "إرهاب الدولة" نهجاً سياسياً ثابتاً، وهو ما جعل العنف والإرهاب مفردتين عاديتين في مجتمعات راح أبناؤها ضحية حروب دخلية وخارجية كانت تطبيقا لتلك الثقافة. وصارت تلك الثقافة بطريقة أو بأخرى نهجَ حكمٍ شبه ثابتٍ في دول الإنقلابات، حد أن "النظام الديمقراطي" في العراق لما بعد 2003، لم يتردد في استخدام العنف بوسائل وأشكال عدة ضد خصومه، وهو نهج وفّر أرضية للقبول بالتطرف أولاً ثم الانخراط في المجموعات الإرهابية ثانياً.

التخوين سابقاً والتكفير حالياً

ظلت الأحزاب قبل الحكومات في دول الانقلابات العسكرية، تعزّز ثقافة التخوين مع الخصوم السياسيين، وهو وصف يعني ببساطة الحكم بالموت الحقيقي والمعنوي على كل طرف أو جهة أو مجموعة بشرية وحتى الأفراد لا تقر بالشائع من مواقف الأحزاب والدول. وسقط عشرات الآلاف في العراق وسوريا ومصر وليبيا والجزائرعلى يد جلادي الأنظمة الحاكمة تطبيقاً لثقافة التخوين، أي جعل الأفراد والجمعات "خونة" للبلدان المختزلة بصورة الحكام.

شكّلت الأحزاب السياسية العلمانية والدينية ممراً لتطبيق مبدأ "الكفاح المسلح" عبر استخدام السلاح لتحقيق أهدافها

ولا شيء غير الانقسامات الدينية والعرقية يمتلك من القدسية المطلقة ما يجعله قادراً على إشعال مواقد الحروب الأهلية، وهو ما حصل تماماً في الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حين انقسم المجتمع بين إسلاميين يرون في "أخوتهم" بالوطن كفاراً، وتعمق بعد العام 2003 حين تم إسقاط الدولة العراقية بالكامل، وكذا الحال في سوريا. لقد كان استخدام الدين في السياسة ثقافةً إرهابيةً بامتياز، ليصبح المقدس الديني غطاءً حتى للجرائم التي تقترفها العصابات الصغيرة.

وجاء استخدام الدين في السياسة، قبولاً وشرعنة لإرهاب استخدمه جميع المتخاصمين المتصارعين على السلطة في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وهو ما أدى إلى شيوع التطرف، والتطرف المقابل بين معظم الأوساط الاجتماعية التي وصلت حدود التوحش.

دولة حيوية؟

من دون اقتلاع تلك الجذور الثقافية، فلا نهاية قريبة للإرهاب وأسسه الفكرية – الدينية والاجتماعية حتى مع حتمية نهايته عسكرياً. ومن يقتلع تلك الجذور هو دولة عادلة فوق كل قانون وجماعة، ولكن هل هناك من يؤمن بقوة الدولة ومؤسساتها في الأوطان العربية التي انهارت أنظمتها الجمهورية العسكرية؟

ومع وجود قوى حتى ممن هي أساسية في الحكم لا تقر بسلطة الدولة، ولا بقانونها العادل، ومع استمرار تلك القوى السياسية والدينية والاجتماعية في نفوذها على حساب الدولة، فلا نهاية وشيكة للإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: