عن "السقوط".. هل من خلاص؟

صورة علي عبدالأمير
كاتب وصحافي عراقي

53
عدد القراءات

2018-04-09

قال طرف من العراقيين عن التاسع من نيسان (أبريل) 2003، إنّه يوم "سقوط بغداد"، وقال آخر لا، لا، إنّه ليس سوى "سقوط النظام"، فلا المدن تسقط ولا البلدان؛ بل الحكّام. الحق هو أنّ اتفاق الطرفين على أنّه يوم "سقوط"، يعني الكثير في دلالات فعل السقوط ومعانيه. ولكن ما الذي سقط حقاً؟

الأرجح هو سقوط قيم سياسية فكرية لطالما بدت ثابتة في العقل الشعبي العربي والعراقي على نحو خاص، بعضها صحيح وأغلبها بليد متخثر أعاق البلاد وحجرها في يد سلطة حزبٍ واحدٍ، صارت لاحقاً سلطةً فرديةً باطشة، تتغذى من العنف وتكاد لا تعيش بدونه.

مثلما هو سقوط قيم سليمة أبرزها: الدولة كضامن للمواطنين، فكان حظ الدولة العراقية 1980-2003 العاثر، أنّها رديف لسلطة غاشمة؛ بل هي كانت تتراجع شيئاً فشيئاً، لصالح الحزب، وهذا لصالح عشيرة، وذاك لصالح مجموعة صغيرة من نسور الموت تحلق حول قلعة ملكها المغلقة، وبالتالي كان العراقيون في "يوم السقوط" أشبه بالمتفرجين على دولتهم غير آبهين بها، وغير مكترثين، فما عادوا يجدون حتى ضامناً "شكلياً" يحميهم.

وبعد هزيمة العراق، الدولة والنظام والمقدرات الإنسانية في "حرب تحرير الكويت" 1991، بات الكلام شبه متطابقٍ بين أركان تلك المعارضة المتنافرة، في باب تبرير التحالف مع "أعداء" النظام الحاكم في بغداد: أمريكا، الكويت، سورية وإيران، ومفاده "مستعدون للتحالف مع الشيطان" من أجل الخلاص من صدام.

بعد هزيمة العراق في حرب الكويت بات الكلام متطابقاً بين أركان المعارضة المتنافرة في باب تبرير التحالف مع أعداء النظام

"الشيطان" الذي أسقط النظام الديكتاتوري، وجد عراقيين آخرين من غير الذين تحالفوا معه، يقولون إنّهم "مستعدون للتحالف مع الشيطان" كي يتخلصوا من الحكام الجدد ونظامهم الطائفي-العرقي، حتى أنّه وجد مناطق سنيّة تشكّل أكثر من ثلث مساحة العراق تبدي استعدادها لاستقبال "شيطان" دموي رهيب، هو الزرقاوي ومن حوله "نسور الموت" البعثية والإسلامية العراقية المتشددة.

وما إن أوغل "الشيطان" التكفيري بدماء الشيعة العراقيين ورموز الحكم الذي يسيطرون عليه، حتى استدار نحو أهالي المناطق السنيّة، من الذين بدأوا يضيقون ذرعاً بأوباشه، فبدأ بتقتيل حتى من كانوا على "خط واحد" معه في بدء مرحلة التمرد المسلح.

ومثلما كانت الأنبار حصن "القاعدة"، صارت موقعاً لانطلاق العمل الشعبي التطوعي ضده، فالأهالي من عشائر صعبة المراس ومتأرجحة الولاء أعلنوا استعدادهم لـ "التحالف مع الشيطان" من أجل الخلاص من الزرقاوي وجلاوزته، وهو ما تمّ لهم، حين تحالفوا مع القوات الأمريكية التي حاربوها مطولاً 2004-2006، وصاروا مجموعات مسلحة تحمل اسم "الصحوة".

الخلاص صار حلماً بعيد المنال أو حتّى مستحيلاً ولا وجود له مع كل هذه الشياطين

للفترة ما بين 2009-2011 كأنّ "الشيطان" عاطلٌ عن العمل في العراق؛ فالبلاد بدت وكأنّها على مسار صحيح انتظرته طويلاً. لكن شهوة السلطة التي غذّتها كل تلك الأموال الهائلة (أكثر من 100 مليار دولار سنوياً) بإمرة رجل واحد هو رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي بدا الحاكم الوحيد بعد رحيل الأمريكيين، أعاد الشيطان إلى العمل.

أدار المالكي ظهره، حتى لمن كانوا حلفاءه من الشيعة والكرد، وقبل ذلك بدأ بالتضييق على "الصحوات" السنيّة، ثم أهالي مناطقها بعامة، فبدأ هؤلاء مرة ثانية بالبحث عن "شيطان" من أجل التحالف معه من أجل الخلاص من رئيس الوزراء نوري المالكي، وسياساته حيال المناطق السنيّة. وتطبيقاً للفكرة إياها، كانت القوى السياسية في تلك المناطق وشخصياتها العشائرية والدينية مستعدة لـ "التحالف مع الشيطان"، وهذه المرة كان على هيئة "داعش".

وما إن كشف "الشيطان" الذي اكتسح في وقت قياسي نحو ثلث البلاد، مجزرته الدموية حتى في المناطق السنية، تحوّل المهللون له، والمتحالفون معه، إلى أكثر الناس حماسة لضرورة استقدام القوات الأجنبية من أجل مقاتلته والخلاص منه، لتبدأ "مقاولة عمل" طويلة جديدة للشيطان.

الحق أنّه وبعد أول عقد عمل للشيطان في العراق عام 1991 حتى اليوم، ومع تأسيس "التحالف مع الشيطان" أو تبريره كنهج لا خيار غيره أمام المضطر، أنّ البلاد باتت تحتشد بالشياطين، على أمل أن تحمل للعراقيين "الخلاص".

الخلاص الذي صار حلماً بعيداً.

الخلاص الذي لا وجود له مع كل هذه الشياطين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: