عنف الإرهاب وتركة التراث الفقهي

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

1882
عدد القراءات

2018-05-28

للمرة الأولى يكشف عن الكتاب الذي يعدّ الدليل المرشد لتنظيم داعش، ويقف وراء جميع أعمال العنف التي ارتكبها التنظيم، إنّه كتاب "فقه الدماء" أو "مسائل من فقه الجهاد"، كان هذا ما نشرته صحيفة "الغارديان"، السبت 12 أيار (مايو) 2018، مضيفة أنّ الكتاب ألّفه أبو عبد الله المهاجر، وهي كنية المصري عبد الرحمن العلي الجهادي السابق، الذي قتل في نهاية 2016 في سوريا، وكان أحد المقربين من أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، الذي لقِّب لاحقاً بأمير الذبّاحين، بعدما تبنّى أطروحات المهاجر الفقهية.

مانفستو الإرهاب

يصف التقرير الكتاب بأنه مانفستو الإرهاب والقتل، وقد خضع لتحليل خبراء إنجليز، أكدوا أنّه يحاول إضفاء شرعية على الممارسات البربرية لمقاتلي التنظيم؛ كالتمثيل بالجثث، والتجارة بأعضاء البشر، وقطع الرؤوس، وقتل الأطفال وسط عمليات الأرض المحروقة، وقد احتفت الصحيفة بفريق العمل، المدعو "كويليام"، ومقرّه لندن، الذي أنجز دراسته حول الكتاب، وأعدّ تقييماً دقيقاً عنه، مع ردود فقهية كثيفة تدحض تفسيره للنصوص الإسلامية.

عدّ التقرير، الذي تم البدء فيه العام 2015، أنّ الكتاب وفّر إطاراً نظرياً وقانونياً لأعضاء التنظيم ومؤيديهم، وبرّر ركاماً من العمليات المرعبة، مؤكداً أنّ هناك غياباً مخجلاً في كلّ الجامعات والمراكز البحثية الغربية والعربية، لدراسة هذا النص الخطير والمثير للاشمئزاز، على حد تعبير الصحيفة، معربة عن أملها في الكشف عن هذا النص الشاذ وتفنيده.

تم الكشف عن الكتاب الذي يعدّ الدليل المرشد لداعش ويقف وراء جميع أعمال العنف التي ارتكبها التنظيم

على عادة أجهزة الإعلام العربية في الاهتمام بكل ما يصدر عن الإعلام الغربي؛ فقد احتفت وسائل الإعلام المختلفة بهذا التقرير، متصورة أنّ الأمر ينطوي على مفاجأة، أو سبَق، في الكشف عن البنية النظرية للإرهاب والعنف، التي تم اختزالها في هذا المؤلف، الذي هو في حقيقته يعيد تدوير ما كُتب في مدونات الفقه القديمة، اعتماداً على قراءة انتقائية في المذهب الحنبلي والمالكي، ومع تقديرنا لكلّ المذاهب؛ فإنّ الكثير مما كتب في مدونات الفقه القديم، كان خاضعاً لسياق زمني وسياسي، كان له الكلمة العليا، فمن المعروف أنّ الفقه، في النهاية، هو عمل العقل في فهم النص على ضوء الواقع بكل تعقيداته، وربما لو عدنا للسياقات التي أنتجت هذا الفقه، الذي كان يقسم العالم إلى دار حرب ودار إسلام؛ أي فسطاطان متمايزان لا يلتقيان؛ فسطاط إيمان وفسطاط كفر، لأمكننا أن نفهم الدوافع والظروف التي أنتجته.

بنية نظرية كاملة للإرهاب

بداية بنية العنف والتوحش والإرهاب، لا يمكن اختزالها في مؤلف أو كتاب واحد، نحن أمام بنية نظرية جسدت فيها الاختيارات الفقهية الخاصة ببعض الحنابلة وتلامذتهم، كابن تيمية وابن القيم، التي تطورت مع كتابات سيد قطب عن الجاهلية والحاكمية والجيل القرآني الفريد، التي تحوّرت وقطعت أشواطاً أبعد مع التجارب الحركية، التي خاضتها مجموعات صاغ أفكارها دخان المعارك، لا غرف الدرس أو العلم.

برزت عناصر سمّيت بالعناصر الشرعية، التي ألهمت تلك التنظيمات وجسّدت مرجعيتها الفقهية؛ كأبو محمد المقدسي، وأبو مصعب السوري، وأبو الحسن الأزدي، وأبو عبد الله المهاجر، وأبو بكر الناجي، وحلمي هاشم المصري، وأبو قتادة الفلسطيني، وغيرهم.

إنّ بداية بنية العنف والتطرف والتوحش والإرهاب لا يمكن اختزالها في مؤلف أو كتاب واحد

وقد حاز بعض هؤلاء درجات علمية في تخصصات شرعية من جامعات خاصة أسّستها جماعة الإخوان؛ كالجامعة الإسلامية في باكستان، التي تعد قاسماً مشتركاً في أسماء كلّ منظري العنف في تلك الحقبة السوداء، بما يستدعي إعادة النظر في الترخيص لجامعات خاصة، بعيداً عن المرجعيات الشرعية في العالم الإسلامي؛ كالأزهر والقيروان وغيرها.

قد يبدو الأمر سهلاً في الحديث عن تلك المصادر، واتهامها بأنّها تحريف لحقائق الدين، وتشويه لفريضة الجهاد، الذي شرع للدفاع، وليس الهجوم، دون دخول في سجال حول جهاد الدفع وجهاد الطلب، وغيرها من المباحث، التي كانت نتاج عصور محددة وظروف وسياقات خاصة.

المدهش أنّ من يعيد تدوير تلك النقول القديمة الموجودة في كتب الفقه، يجد أنّها بقراءات مختلفة أكثر رواجاً من أي كتابات وسطية رصينة.

كتاب أبو عبد الله المهاجر، مثلاً، (مسائل في فقه الجهاد)، أو (فقه الدماء) في التسمية الأكثر رواجاً، يوجد له على شبكة المعلومات الدولية 15 ألف رابط للتحميل.

تسيد الثقافة السلفية

ومن المعروف أنّ التيارات السلفية كانت الأسبق في اجتياح الفضاء الإلكتروني، كما أنّها عبر حركة نشر ورقيّ واسع، وعبر الآلاف من دور النشر السلفية، نشرت ما يسمى "كتب التراث"، التي ظلت أكثر الكتب مبيعاً، باعتبارها ظلت تحظى بطباعة فاخرة ودعم كبير في أسعارها، سعياً لنشر الثقافة السلفية التي أنتجت لنا، في النهاية، القاعدة و"داعش".

في المقابل؛ ماذا قدمت مدونات الفقه الحديثة سواء تصدرتها مؤسسات رسمية أو أقلام مستقلة عن الحكومات؟ ما نوع الدعم الذي لقيته تلك المحاولات مقابل الدعم الهائل الذي قدِّم للتيارات السلفية في مراحل زمنية سابقة؟

من يقرأ كتب التنظيمات الإرهابية يجد أنّها رجع الصدى لما كتب في مدونات الفقه القديمة

يجب أن نصارح أنفسنا بأنّ من يقرأ تلك الكتب يجد أنّها رجع الصدى لما كتب في مدونات الفقه القديمة، التي تبدو مُترعة بركام من المرويات والآثار، المتحدثة عن أشياء ووقائع تشرعن اللجوء للعنف والوحشية والتمثيل بالأحياء والأموات. 

ثمة من يرى أنّ ثمة تقصيراً من علمائنا في الرد على تلك الروايات التي تدّعي مثلاً أنّ رؤوس أعداء الإسلام من الكفار، قد حملت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنّه حرض على قتل البعض واغتياله.

ولماذا لم يُحرّر ما قيل عن خالد بن الوليد، الذي ادّعى البعض أنّه جزّ رأس مرتد، وطبخها في قدر، وأكل منها ليردع أمثاله.

نحتاج لإعادة النظر في المدونات الفقهية وحقائق الدين التي لم يعد كثيرون قادرين على تلمسها

وكيف مرّت مقولة "جئناكم بالذبح"، التي يزعم البعض أنّ الرسول قالها لكفار قريش وهم يباشرون تعذيبه قبل الهجرة؟ وهو من قال لهم، بعد فتح مكة "اذهبوا فأنتم الطلقاء"؟

إنّ كثيراً من مفردات هذا الفقه ما تزال تصنع قناعات الكثيرين، ومن الخطأ اعتبار فضائها فضاء جماعات التطرف فحسب؛ فالعنف المؤجل أخطر بكثير من العنف الذي نعاينه في ممارسات "داعش" والقاعدة وغيرها.

نحتاج إلى مواجهة الحقيقة وإعادة النظر في تلك المدونات الفقهية، وتحرير حقائق الدين التي لم يعد كثيرون قادرين على تلمسها، بفعل دخان الحرائق التي أشعلتها تلك الجماعات في الصدور والساحات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: