عبقرية "ارمه في البحر.. "

صورة محمد برهومة
كاتب أردني

874
عدد القراءات

2018-06-06

في دراسته التحليلية النقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، يرى محمد عابد الجابري في مقاربته "العقل الأخلاقي العربي" أنّ الثقافة العربية لم تعرف نظاماً واحداً للقيم. ويذهب إلى القول: إنّ كل ما عرفته هذه الثقافة منذ بدأ فيها الكلام في القيم؛ أي عقب "الفتنة الكبرى"، هو "أسواق" للأدب والأخلاق و"مَعارض" للقيم، وفق الجابري الذي يميِّز بشكل صريح بين أن يكون التعدد في نظم القيم داخل الثقافة الواحدة ثروة وغنى، أو أن يكون من ذلك النوع الذي يتأسس على مجرد الكثرة، ويفتقد القدر الضروري من النظام الذي يخرجه من الفوضى ويجعل منه قوة. ويقرر صاحب "العقل الأخلاقي العربي" أنه، في هذه الحالة، يعكس نظام القيم خللاً بنيوياً ووضعاً قلقاً، ليخلص من ذلك إلى النتيجة التي سجَّلها في كتابه المذكور، وهي أنه: "إذا كان تعدد نظم القيم في الثقافة العربية يعكس تعدد مصدر هذه النظم واختلاف مرجعياتها بسبب تعدد الموروثات، كما يعكس التداخل والتنافس والصراع الذي عرفه التاريخ، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو العلاقات مع الخارج، فإنه يُعبِّر أيضاً عن عدم ظهور حركة إصلاحية جذرية تعيد الترتيب في مجال القيم. والنتيجة هي أن القيم نفسها تعيد إنتاج نفسها باستمرار".

إصلاح القيم والمثُل الدينية لا يُقصَد منه الحديث عن الأخلاق الكلية باعتبارها قيماً ثابتة بل إصلاح نظام القيم

من هنا، فإنّ إصلاح القيم والمثُل الدينية في ثقافتنا لا يُقصَد منه الحديث عن الأخلاق الكلية، باعتبارها قيماً ثابتة غير نسبية، بل إصلاح نظام القيم، وإعادة ترتيبه واتّساقه، ومنع ازدواجية معاييره، من خلال إخضاعه لشروط العقل والإرادة الإنسانية الحرة، بما يجعله يكتسب صفة العمومية والانضباط.

إنّ إعادة صياغة المثُل الدينية الموروثة، بوصفها مهمة إصلاحية عاجلة وملحَّة، تتغيا أن يكون الدين رافداً في إرساء تنمية مستدامة، وفي أن يكون عامل سلامٍ وسكينة وتضامن وتواصل بين البشر، لا حاجزاً يفصل بينهم، أو ينمِّي انغلاقهم وتعصبهم... إنما تتطلب في الآن ذاته الاعتراف، بداية، بأن "الإثيقا الإسلامية" الموروثة عاليةُ الانضباط عموماً، وإنْ تكن خاصةً (ذات خصوصية) وغير تحرُّرية، وهي، لذلك -برأي ياسين الحاج صالح- تكتسب قيمة إضافية في غياب أخلاقية تجمع بين العمومية والانضباط؛ حيث "لم تتكوَّن في ثقافتنا العربية أخلاقية غير دينية فاعلة، أو لم يتكوَّن عالم أخلاقي منظم، يضع آليات تطهُّرية (تكفير عن الأفعال السيئة) مكفولة بتصرف غير المؤمنين المحتملين. فخارج الدين ليس هناك عوالم معيارية واضحة، قد يمكن وصفها بأنها حداثية أو إنسانية. في هذا، الحداثة الغربية مختلفة عن حداثتنا. إنها عالم معياري عالي الاتساق، يوفِّر قدراً واسعاً من الحرية، مع قدر كبير من المسؤولية والانضباط". هذا الحكم لا ينفي بالتأكيد وجود ثغرات ونقاط ضعف تسمح بتوجيه الانتقادات للحداثة الغربية، لكن الصحيح أيضاً أن الصيغة التي تقدمها في مجال الحرية وحقوق الإنسان واحترام عقله وكرامته وإرادته؛ أيْ جعل انضباطِه حرّاً، ما تزال الأفضل وتتفوق على الصيغ الأخرى التي يطرحها الآخرون.

فعل الخير والحثّ عليه وعلى مساعدة الضعفاء هي قيم نبيلة لكنّ عقلنة هذه القيم تُقدّم دعماً معرفياً في تفسيرها

إنّ فعل الخير والحثّ عليه وعلى مساعدة الضعفاء والمحتاجين هي قيم إنسانية نبيلة، لكنّ عقلنة هذه القيم تُقدّم دعماً معرفياً يحثّ على تفسير الأخلاق بوصفها معادلاً لإنسانيتنا؛ فمن دونها لا تتحقق ذواتنا وإنسانيتنا ولا تتحرر ذواتنا: "افعل دائماً بحيث تُعامِل الإنسانية، في شخصك وفي شخص الآخرين، على أنّها غاية، وليس أبداً على أنّها مجرد وسيلة"، وفق ما قال الفيلسوف كانط في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق". هذا المعنى صقله كذلك "لفانس" بشكل آخر، حين ركّز على أنه لا ينبغي ربط الاتيان بعمل أخلاقي إلا إذا كان ثمة مقابل(ثمن) لذلك. هنا تبدو عبقرية أمثال وعبارات شعبية في ثقافتنا العامية من قبيل "اعملْ خيراً وَارمِهِ في البحر"، وهذا ما يسجّله "لفانس" بتأكيده أنّ الأخلاق تعني المسؤولية، وأنها إثيقا فن العيش بحرية ومسوؤلية بعيداً عن الأخلاق الأداتية، التي لا تفعل الخير إلا إذا كان ثمة ثمن لذلك، وهي (الأخلاق الأداتية) بالطبع لا تعتبر تحقيق إنسانيتك وتحرير ذاتك ينضويان تحت بند هذا الثمن.

هي دعوةٌ لعلمِ كلامٍ جديد أو لاهوتٍ إسلامي جديد، يُعيد الاعتبارَ للإنسان، ويُعلي من كرامته واحترامه وحماية حقوقه بالحثّ على أن نكون أخلاقيين معه، ونتحلى بالمسؤولية والحساسية معه؛ لأن مكانته المركزية في الحياة تجعله أهلاً لذلك. وفق ذلك يكون جزاء الإحسان والخير سعادة بتحقيق الذات وتحريرها بأداء المسؤولية والقيام بالواجب ونشر الخير، مقدّماً أم مؤجلاً "هل جزاءُ الإحسان إلا الإحسان"، ما يعني ربط تحضُّرِها وتقدمها بخجلها حين تفشل في مساندة الضعيف والمظلوم، وبغير ذلك سنبقى نشهد فيضاً من الفساد والطقوسيات والسرديات وشُحاً في الأخلاق وأداء المسؤولية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: