طاهر حدّاد: أوّل منظّر لمسألة المرأة ورائد قانون الأحوال الشخصية في تونس

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري

82
عدد القراءات

2018-04-19

طاهر حدّاد ناشط سياسي تونسي ونقابي، ومعروف بنضاله النشط من أجل تحرير المرأة المسلمة في تونس، كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، الصادر العام 1929، يظلّ الأكثر شهرة. أفكاره الحداثية التي أدينت في زمانه، اعتمِدت عام 1956، بعد إعلان استقلال تونس، في قانون الأحوال الشخصية التي أعلن عنها الحبيب بورقيبة لحماية حقوق المرأة وتعزيز المساواة.

تكريم الرئيس السبسي لطاهر حدّاد في ذكرى وفاته الثمانين

بداية النضال

ولد طاهر حدّاد عام 1899 في تونس، أصله من قريةِ فاتناسا التونسية، في منطقة قابس (الحمة)، في جنوب البلاد، هو ابن تاجرِ دواجن من عائلةٍ متواضعة، تربّى وفق العادات التقليدية للمناطق الجنوبية، والمعروفة بعاداتها الدينية المحافظة، ودرس في المدارس الإسلامية، بعد ذلك انتقل، عام 1911، إلى جامعة جامع الزيتونة الكبير في تونس؛ حيث تابع تعليمَه العالي في القانون، وبعد تخرّجه عام 1920، تخلّى عن مهنة شاهد عدل، وعمل سكرتيراً في المؤسسة الخيرية، ثم لدى التجار، وانخرط في حزب الدستور منذ إنشائه عام 1920، هذا الحزب السياسي الذي كان يهدف إلى تحرير تونس من الوصاية الفرنسية، جمع العديد من المفكرين والشخصيات التونسية؛ ناشطو هذه المجموعة لتي كانت تدافع في المقام الأول عن فكرة "دستور تونسي يمنح مكاناً كريماً للتونسيين"، كانوا من العِلمانيين الذين درسوا في الجامعة الفرنسية، وقد خاضوا صراعاً مزدوجاً ضدّ الوجود الفرنسي والأفكار الإسلامية الخاطئة، وانضمّ إليهم بعض طلاب الزيتونة، بمن فيهم طاهر حدّاد.

في الدستور، انضم طاهر حدّاد إلى لجنة الدعاية، وتمّ إيفاده إلى مناطق شمال البلاد، خاصة منطقة بنزرت، لجمع عضويات جديدة، لكن رغم مشاركته العميقة، فقد غادر الحزب عام 1923، بعد تنحّي زعيمه عبدالعزيز الثعالبي الاضطراري. الصراعات الداخلية، وأخطاء قادة الحزب دفعته للتنحي والسعي نحو أشكال أخرى من النضال.

بعد أن أصبح ضحية الإقصاء من قبل المحافظين، حتى من أصدقائه السياسيين، لم يجد طاهر حدّاد من سبيل غير العزلة

وهكذا بدأ بكتابة المقالات السياسية وإرسالها إلى الصحف، وأسّس مع مجموعة من نشطاء الحزب السابقين، بمن فيهم محمد علي الحامي، "جمعية التعاون الاقتصادي" التي وُلدت في حزيران (يونيو) 1924.

في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، شارك إلى جانب محمد علي الحامي، في تأسيس الاتحاد العام للعمال التونسيين(CGTT) ، لمساعدة العمال التونسيين الذين أهملتهم المنظمات الفرنسية وتركتهم (بما في ذلك منظمة CGT)، إنّه أوّل اتحاد مستقلّ في ظلّ الاستعمار الفرنسي، وبعد بضعة أشهر عارضت السلطات الاستعمارية حركات الإضراب، وألقت القبض على العديد من قادة الاتحاد، بمن فيهم محمد علي الحامي، وهو ما أدّى إلى وضع حدّ للنقابة، وحُكم على محمد علي بالنفي، لمدة عشرة أعوام، في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1925، ولما كان هو المقرر خلال اجتماعات النقابة، قرّر طاهر حدّاد جمع معظم المناقشات التي أجراها الفريق، في أول كتاب له "العمال التونسيون ونشوء الحركة العمالية" الصادر عام 1927، وكان الفشل الأول الذي صاحب حلّ الحركة النقابية؛ أنّ الكتاب منع نشره من قبل الرقابة التي فرضتها السلطات، بعد ذلك استأنف حدّاد دراسات الحقوق وعكف على دراسة جديدة.

أدّى نشره لكتابه الرائد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، عام 1929، إلى حرمانه من الحصول على شهادة القانون في العام نفسه، وبسبب الانتقادات الكثيرة التي وجهها إليه الوسط التونسي المحافظ، مُنع من اجتياز الامتحان من قبل البِك، تحت ضغط "العمائم القديمة" للمسجد الكبير، وبسبب قلة الدعم، كان من الصعب التغلب على هذه الإخفاقات بالنسبة إلى طاهر حدّاد، الذي أصيب بمرض القلب، تلاه مرضُ السلّ الذي قتله بعد عامين من المعاناة، ورحل حدّاد يوم 7 كانون الأول (ديسمبر) 1935، في تونس.

نقد الأفكار الإسلامية الخاطئة

اهتمت الدراسة الأولى لطاهر حدّاد بطرق التعليم المقدّمة في جامعة الزيتونة، التي كان طالباً فيها، "التربية الإسلامية وحركة الإصلاح في الزيتونة"، هو الكتاب الذي لا توجد منه اليوم سوى النسخة العربية، ألّفه حداد في أعقاب دراساته في الجامع الكبير، وفيه ينتقد بالفعل الأفكار الإسلامية الخاطئة وآثارها الاجتماعية.

كتابه الأول المنشور "العمّال التونسيون وميلاد الحركة النقابية"، الذي ضمّ أيضاً تقارير اجتماعات الاتحاد العام للعمال التونسيين، يقترح تحليلاً كاملاً لحالة الطبقة العاملة التونسية تحت الوصاية، وفي خلفيته يستعرض حدّاد ملامح شخصية محمد علي الحامي، مثيره ومحفّزه.

هذا الكتاب، الذي نشر عام 1927، ساهم إسهاماً كبيراً في إيقاظ ضمائر العمال في تونس.

كتب الباحث نور الدين سريب أنّ حَدّاد واحدٌ من الإصلاحيين الأوائل الذين رؤوا المشكلات ككلٍّ دون فصل السياسة عن المجتمع

وكما كتب الباحث نور الدين سريب؛ فإنّ حَدّاد "واحدٌ من الإصلاحيين الأوائل الذين رؤوا المشكلات ككلّ، دون فصل السياسة عن المجتمع"، كان عملُه النقابي صراعاً سياسياً، النظامُ الاجتماعي القائم أثار ثورته، وكان كلُّ فكره مبنيّاً على إصلاحِه الضروري؛ ففي المجلات والصحف التي كان يشارك فيها حاول الدفاع عن سيادة تونس ضدّ الوصاية الفرنسية، الذي شكّك في شرعية مؤسساته، ودعا التونسيين إلى الوحدة والتعاون، وتكوين الجمعيات التي كان يرى فيها القوة المحركة بما يكفي لموازنة حقيقة الوجود الاستعماري، وهكذا حلل حدّاد وضع العمّال والفلاحين والحرفيين، وأيضاً وضع المرأة التونسية المسلمة، التي كانت تخضع لهيمنة مضاعفة في هذا المجتمع، يسيطر عليها الاستعمار من جهة، وأفكار الدين الخاطئة من جهة أخرى.

الطاهر حدّاد يقترح حلولاً جذرية، يمكن أن تتحقق من خلال النقابات التي أنشأها محمد علي الحمامي؛ فالتعاونيات التي أنشئت كان لها هدف مادي وهدف روحاني؛ حيث كان هدف المنظمات اقتراح عمل تعليمي للطبقات العاملة، وفي مواجهة الوصاية؛ يبدو أنّ امتلاك رأس المال هو الخطوة الأولى في النضال من أجل الاستقلال.

المرأة، كما كتب حداد هي أمّ الرجل، ونصفُه ونصفُ المجتمع في جودته وفي عدده، وهي قوة إنتاج في مختلف المجالات

المرأة أمّ الرجل ونصف المجتمع

هذا الاستقلال لا يمكن تصوّره إلّا في اتحاد جميع التونسيين، من جميع الطبقات، ومع ذلك فإنّ الدين الإسلامي في خضم الإصلاح، الذي أبرز أيضاً في تلك الأعوام ألواناً القومية، لم يقدّم للنساء، اللواتي يمثلن نصف السكان، الأدواتِ اللازمة لوعيهنّ وتعبئتهنّ، المرأة التونسية المسلمة لم تكن تتمتّع بالحقوق نفسها التي تتمتّع بها المرأة الفرنسية، لذلك كانت تلك معركة كبيرة أخرى لطاهر حدّاد، وهي المعركة التي يُعترف له بها اليوم، "المرأة، كما كتب في مقدمة جداله "امرأتنا في الشريعة وفي المجتمع"، الذي نشر عام 1930، "هي أمّ الرجل"، لكن أيضاً "نصفُه ونصفُ المجتمع في جودته وفي عدده، وهي قوة إنتاج في مختلف المجالات"، وعلى هذا النحو دان حدّاد النمط التقليدي الذي حرم النساء من الحصول على التعليم والثقافة والحياة النشطة، باسم الأخلاق والدين، ومن وحي الأفكار السلفية التي كانت في حالة تطور كامل، قدّم حَدّاد الإسلامَ كدينٍ يتطور ويتكيف مع الحياة العصرية.

تحرير المرأة لتحرير الشعب

من خلال تحرير المرأة، أراد حدّاد أن يحرّر الشعب، فبدأ بفكّ عقولهم، وقد استند إلى القرآن على وجه التحديد، ليُثبت بوضوح أنّ الإسلام، ليس عنصر اضطهاد ضدّ المرأة؛ بل هو الذي يؤدي إلى تحرّرها، وهو السبيل الوحيد للمجتمع التونسي لمواكبة التطور العام للعالم الحديث، وعلى هذا النحو وضح أنّ الإسلام ينظر إلى المرأة دائماً على أنّها مساوية للرجل، ولذلك دعا إلى إجراء عدد من الإصلاحات، خاصة فيما يتعلق بمسائل تعدّد الزوجات أو الطلاق، والتي رغب حدّاد في حظرها، كما كان تقديم التعليم الحرّ في صميم اهتماماته.

لا نصر لأمّة نصفُها مشلول

لقد رغب في أن يشرّع هذه القضايا، التي عفا عليها الزمن، من أجل أن تستعيد المرأة حريتها وكرامتها، في الواقع، وفقاً له، تحريرُ المرأة يمثل خطوة ضرورية لإنهاء الوصاية.

إنّ العلاقة القائمة في الحياة الاجتماعية بين رجل وامرأة في تونس، يتأثران بمشكلات الهيمنة نفسها التي تطرحها السلطة الاستعمارية تجاه الشعب التونسي، ومع ذلك، فبالنسبة إلى حدّاد، فإنّ الرجل هو الذي أبقى المرأة في حالة الخضوع هذه، بالتالي منَع تحرّرَها وتطوّرها، والحال أنّه يبدو أنّه لا يمكن أن يكون هناك نصر لأمة يعاني نصف أعضائها من الشلل، ويحظَر عليه العمل.

كان الكفاح هو العمود الفقري لتحليلات حداد الاجتماعية، تحقيق التغيير الاجتماعي ليس ممكناً إلا بالعمل، وفي التشارك المنظم، ويتطلب منح الجميع فرصة المشاركة.

أوّل مُنظّر عربي لمسألة المرأة

هذا الكتاب تلقّى استقبالاً سيّئاً من المجتمع التونسي في ذلك الوقت، وعارض "علماء" الزيتونة بشدة هذا العمل الإصلاحي، رغم اعترافهم بأنهم لم يقرؤوه، بالنسبة إلى نور الدين سريب، فإنّ شخصية حدّاد نفسه هي التي تهاجم؛ فهو (في رأيهم) الملحد، والوثني واللاأخلاقي، دون أن يعرفوا حقاً كيف يهاجمون أفكاره، بسبب عدم استيعابها من قبل منتقديه، بعد عدة أعوام تمت إعادة الاعتبار لحدّاد، وهو يظهر الآن كأوّل مُنظّر عربي مهتمّ بمشكلة المرأة في المجتمع، ويعرَّف اليوم كأوّل رائد في قانون الأحوال الشخصية الذي أصدره الحبيب بورقيبة، عام 1956، أوّل رئيس لتونس المستقلة يقتسم مع حدّاد هذه الفكرة عن إسلام قادر على التكيّف مع الحداثة، في مجتمع تونسي أكثر انفتاحاً على تطورات العالم، دون رفض الدين الإسلامي، هكذا تعبر أفكار حدّاد الحياة السياسية التونسية بكاملها، لقد ألغى قانون الأحوال الشخصية تعدّد الزوجات والطلاق، وفرض المدرسة العِلمانية، حرّة ومجانية للبنين والبنات على السواء، وشرّع الطلاق لفائدة المساواة بين الطرفين.

بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لوفاته، نُشرت عام 1984 في مدينة وهران (الجزائر)، بعضُ الأفكار والكتابات الأخرى لطاهر حدّاد، وترجمها إلى الفرنسية نور الدين سريب، الذي قدم أيضاً الكتاب وفكر المؤلف، وقدّم للقارئ غير العربيّ النصوص الأساسية لجذب الاهتمام حول هذا العمل التاريخي.

وسام الجمهورية لحدّاد

رتبة النقيب الأكبر للأوسمة

تم رفع حدّاد، بعد وفاته، إلى رتبة النقيب الأكبر للأوسمة الوطنية، وتمّ تقديمُه كشخصية أساسية في تونس المعاصرة، من قبل سلمى بكار في فيلمها "Fatma 75"، وهو فيلم روائي طويل يستعرض تاريخ المرأة والحركة النسوية في تونس، من العصور القديمة الأسطورية إلى قانون الأحوال الشخصية. هذا الفيلم الذي جاء ليعيد الاعتبار ويخلد واحداً من أعظم الإصلاحيين في الفكر السياسي التونسي في زمن الوصاية الفرنسية.

حدّاد كاتب نسويّ قبل الأوان

قبل ستين عاماً، تزودت تونس بتشريعات اجتماعية طليعية؛ فبعد صدوره في 13 آب (أغسطس) 1956، بعد خمسة أشهر من توقيع بروتوكول الاستقلال، اعتمد قانون الأحوال الشخصية (CSP) مبدأ المساواة بين الجنسين، من خلال إضفاء الطابع المؤسسي لحقوق المرأة لأوّل مرّة في تونس والعالم العربي، وبإعلانه القطيعة مع الرؤية البالية للمجتمع التونسي كان قانون الأحوال الشخصية، الذي تحقّق بفضل فريق إدارة الشباب في ذلك الوقت، وخاصة رئيس الوزراء، الحبيب بورقيبة، يهدف إلى الاعتراف بحقوق المرأة، وتسريع تطور تونس، وقد فتح هذا النهج الحداثي الطريقَ أمام اندماج المرأة في عملية التنمية، رغم مصاعب تحقيقه؛ لأنّ المجتمع التونسي، بعد خروجه من ليل الاستعمار الطويل، لم يكن على استعداد كامل لتحقيق هذا الطموح.

حدّاد يدفع ثمناً باهظاً

لكن إذا كان قانون الأحوال الشخصية موجَّهاً نحو المستقبل، فإنّ روحه ومحتواه كانا يحملان فكراً ما انفكّ يقسّم النخبة التونسية في الماضي القريب، فهذا القانون المستوحَى إلى حدّ كبير من الأفكار التي طورّها، قبل ربع قرن، رجلٌ زيتوني (نسبة إلى جامعة الزيتونة) مستنير، ألا وهو طاهر حدّاد الذي دفع ثمناً باهظاً لشجاعته الفكرية، فإنّ هذا القانون يحسم نقاشاً ظلّ يميّز العقول في أوائل الثلاثينيات؛ إذ يشكّل إدراجُ مقترحات طاهر حدّاد إعادةَ تأهيلِ أفكار الناشط السابق في مجال حقوق المرأة، الذي أقصاه المجتمع بصورة غير عادلة.

ومن سخرية التاريخ أنّ قانونَ الأحوال الشخصية أثار معارضةَ الدوائر المحافظة؛ أي أقطاب حزب الدستور القديم، وبعض علماء الزيتونة الذين دحضوا، باسم المبادئ الدينية، إلغاء تعدّد الزوجات وإنشاء محاكم للطلاق، ومن غرائب التكرار الغريب للتاريخ، أنّ هذه الدوائر نفسها هي التي ألقت، عام 1930، اللعنة على الطاهر حدّاد، متّهمةً إياه بتجاوز القواعد التي يسنّها القرآن الكريم.

فاطمة 75 فيلم روائي يستعرض تاريخ الحركة النسوية في تونس

طاهر حدّاد مفكر غير نمطي

في سنّ الـعشرين؛ انخرط جسداً وروحاً في النضال الوطني، وفي عضويته في حزب الدستور وضع قلمه وموهبته في خدمة القضية الوطنية، تواجد حدّاد في كلّ المعارك: استنكر تجاوزات الوصاية الاستعمارية، وخاض حملة قويّة ضدّ التجنيس، ونقل الدعاية القومية إلى المراكز النائية في تونس، وعام 1924؛ وطّد علاقته بمحمد علي الحامي، العائد لتوه من ألمانيا، لتأسيس، بمساعدة نشطاء آخرين من الدستورين والشيوعيين، الاتحاد العام للعمال التونسيين الذي سرعان ما جلب غضب الوصاية الفرنسية، وقد تأثرت النقابة فور تشكّلها بالتهمة التي وُجهت لزعيمها الرئيس، محمد علي الحامي، بالتآمر ضدّ أمن الدولة، وإدانته بالإبعاد، هذا الاختبار الصعب ألهمَ حدّاد كتابَه الأول "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية"، الذي استولت عليه الشرطة قبل طرحه للبيع.

صراع جديد

بعد مرور هذه المحنة، انطلق حدّاد في صراع جديد: النضال من أجل تحرير المرأة التونسية، كانت الأرضية معلَّمة بالفعل، في نهاية عشرينيات القرن ارتجّت تونس على إيقاع نقاش مستمر حول تقدّم المرأة التونسية: أصبح تعليم البنات، والحجاب، وقانون الأحوال الشخصية، إذا جاز التعبير، الموضوعات المتكررة في الصحافة في ذلك الوقت، وبانتباههم إلى التيارات النسوية الرائجة في تركيا ومصر، انقسم المفكرون التونسيون حول كيفية التعامل مع هذه القضية، والحال أنّ نموذج تحرّر المرأة الأوروبية كان قائماً أمام أعينهم، لكن بالنسبة إلى غالبية هؤلاء كان هذا النموذج نموذجاً مضاداً، لا شكّ أنّ توازن المجتمع يعتمد على المصير الذي يمنَح للنساء، لكنّ المفكرين ظلّوا يعتقدون أنّ تقدّم هؤلاء النساء يجب أن يكون متجذراً في التقاليد الدينية، الحصن النهائي ضدّ عالم غربي يعدّونه عالماً غازياً مفرطاً.

حركة نسوية ضعيفة

في وجه المحافظين ارتسمت في تونس، وبكثير من الألم، حركة نسوية صغيرة، قريبة من الحركة الاشتراكية، لكن من دون نساء تقريباً؛ فالناشطات القلائل اللواتي تتجرأن على تحدي التصلب القائم، هنّ الأوروبيات أو النساء التونسيات اللواتي مررن بالمدارس الفرنسية، أما القوميّون فقد أظهروا معارضة غير واضحة لتحرير المرأة، باعتباره سابقاً لأوانه، وبعيداً عن هذا الموقف، نشر حدّاد، في وقتٍ مبكر من عام 1928، في الجريدة الدستورية "الصواب" العديد من المقالات حول وضع المرأة، وبتناوله مشكلة تطور المجتمع، وضع نهجاً غير مسبوق لمسألة المرأة، وفي أيلول (سبتمبر) 1930، نشر كتابه الثاني "امرأتنا أمام الشريعة والمجتمع".

جرأة مقترحات حداد

يعدّ كتاب حدّاد حول المرأة علامة بارزة، بحكم جرأة مقترحاته الإبداعية؛ ففيه فكرة أساسية ترسم نسيج الكتاب: "تطور المجتمع التونسي مستحيل دون مشاركة المرأة"، فبطرحه الجدل والنقاش حول تطور المجتمع، يأتي حدّاد لبحث مسألة المرأة من زاوية المعايير الدينية والتغيرات الاجتماعية، وإذ يؤكد تطابق الإسلام مع التقدم الاجتماعي، يقترح إعادة قراءة حداثية للنصوص المقدسة، وكان ذلك برنامجاً كاملاً.

حلل حدّاد وضع المرأة التونسية المسلمة، التي كانت تخضع لسيطرة الاستعمار عليها من جهة وأفكار الدين الخاطئة من جهة أخرى

مؤلّف "امرأتنا أمام الشريعة والمجتمع" ينادي برفع التمييز ضدّ المرأة، ويستنكر الطلاق، ويدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، ويطالب بالاعتراف بحقوق المرأة في ممارسة جميع المهن، بما في ذلك المناصب القضائية. لكنّ هذه المطالب لم يطقها علماء الزيتونة.

كاتب "مزعج" و"كافر"

من الواضح أنّ حدّاد كاتب "مزعج"، كتابه عن المرأة أمام الشريعة والمجتمع أثار فضيحة في الوسط السياسي التونسي، وبين علماء الجامع الكبير؛ لقد عقد مجلس ديني أعلى، يرأسه شيخ الإسلام، جلسة طارئة لاتخاذ قرار بشأن قضيته، وهكذا عُدَّ كتابه، بنظرهم، كتاباً "تخريبياً، وجديراً بالعقاب"، وأدين مؤلفه بتهمة "تدنيس المقدسات"، وتمّ الحكم بسحب لقبه الجامعي، ومُنِع من ممارسة العمل كشاهد عدل (عدل إشهاد)، وهكذا صار تكفير حدّاد مفتوحاً، كلّ الصحف التونسية تقريباً، الدستور القديم، بما في ذلك مديره محيي الدين قليبي، وحتى المثقفون الذين تلقوا تكوينهم في الجامعات الفرنسية، أمثال: طاهر صفر، ومحمود مطري، رغم خطابهم المعتدل، رموا بأنفسهم في النزاع وأدانوا الكتاب بشدة الكتاب، أما الحبيب بورقيبة، فقد تشبّث بحائط الصمت في حذر، والحال أنّ العقول الحرّة القليلة التي ساندت حدّاد فشلت في وقف هذه الحركة المجحفة في حقه.

لجوء حدّاد إلى العزلة

مُنع المؤلف من ممارسة العمل كشاهد عدل، فلم يتحمّل محنته، وتوفّي عن عمر يناهز 36 عاماً، في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1935، إثر إصابته بمرض في القلب، لكنّ تونس لم تنسَ مساهمته في تأمّل المسألة الأنثوية، وكان لا بدّ من انتظار ربع قرن من الزمن، حتى يتم الاعتراف بتراثه الفكريّ من قبل تونس المستقلة.

عن Leaders وCles du moyen orient

//0x87h

اقرأ المزيد...

الوسوم: