صالون الأهرام.. محاولة انفتاح ثقافي تنكفئ نخبوياً

صورة سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

666
عدد القراءات

2017-11-15

عرفت القاهرة زخم الصالونات الثقافية والأدبية منذ أوائل القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وبفضلها ازدهرت الحركة الأدبية والفكرية في مصر بوجه عام؛ حيث تصدرت تلك الفعاليات المنتظمة المشهد الثقافي العام، ولعبت دوراً في تشكيل منطلقات الوعي، وفي التواصل بين النخب المبدعة، بما في ذلك تقييم مشروعاتها وإدارة معاركها، وتحديد منعطفاتها التاريخية؛ فما بين الصالونات العديدة وفي مقدمتها صالون مي زيادة كل ثلاثاء، وصالون عباس العقاد كل يوم جمعة؛ تواجد المثقفون وتباروا، اتفقوا واختلفوا،  ليصل المشهد الثقافي إلى ذروة التفاعل والازدهار؛ حيث تشكلت روافد قيّمة للمعرفة أَثْرت الواقع الذي حفل بتواجد العمالقة من أمثال: طه حسين وقاسم أمين ومصطفى عبد الرازق وأحمد لطفي السيد وغيرهم، فكانت تلك الصالونات نوافذ أطل منها المثقفون المصريون والعرب على عوالم الفكر والفنون والآداب على اتساعها ومختلف مشاربها.

 في ذكرى مرور 141 عاماً على تأسيس صحيفة الأهرام العام 2016 احتفى المثقفون المصريون بتدشين صالون الأهرام الثقافي بمقر المؤسسة العريقة

في السابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) العام 2016 وفي ذكرى مرور 141 عاماً على تأسيس صحيفة الأهرام، احتفى المثقفون المصريون بتدشين صالون الأهرام الثقافي بمقر المؤسسة العريقة، الذي ظهر إلى النور بفضل جهود المنسق العام الشاعر محمد حربي، ويرأسه كاتبان كبيران بحجم جابر عصفور ومحمد سلماوي.

انطلاقة مبشرة لمشروع ثقافي كبير
كانت الأهرام في حاجة ماسة إلى مشروع ثقافي كبير يعيد إليها دورها كصانعة للحدث الثقافي، وليس مجرد صحيفة تنشر الوعي في المشهد المصري والعربي، وهو ما كان يعني بلورة دور جديد تستعيد به ريادتها القديمة في توجيه الرأي العام والنخبة المصرية، بعد أن عاشت فترة طويلة تتابع الأخبار فقط ولا تصنعها.
يقول الأستاذ محمد حربي لـ"حفريات" عن فكرة الصالون وأهدافه: "لم يكن الصالون مكاناً لتنظيم ندوات يمكن عقدها تحت أي مظلة أخرى، وليس ساحة لاستعراض الوجوه القديمة من المشهد الثقافي المصري أو العربي؛ فليس من المنطقي إعادة إنتاج ما هو مطروح بالأساس"، ويوضح أن الصالون كما يُفهم من سياق التاريخ، وخاصة تاريخ مصر والأهرام، "محاولة لوصل ما انقطع من دور القوة الناعمة المصرية، التي كانت الأهرام جزءاً أصيلاً منها، عبر أقلام الكبار في الطابق السادس من الصحيفة، ومن ثم يصبح للصالون مهمة مزدوجة هي: إعادة إحياء الدور المصري في احتضان الفكر العربي الجديد في الإبداع والبحث العلمي كما في السياسة والاجتماع، واستضافة الرؤى العالمية الجديدة؛ حيث كانت الأهرام دائماً محطة من محطات لقاء الأفكار وتبادلها مع الغرب، وفلسفاته المتجددة، ومن طبيعة الصالون أن يصبح عملاً مؤسسياً ينطلق من قواعد العمل المتبعة في الأهرام، وتحت سقفها بحرية أكبر، ليتحول إلى ما يمكن اعتباره "بنك أفكار" للدولة المصرية تفيد منه أجهزتها، والمجتمع والرأي العام، حيث يتيح الفرصة لحوار مجتمعي حقيقي ومستقل وحر، حول القضايا المهمة والمصيرية".

من أهداف الصالون التي أُعلن عنها توسيع رقعة التفكير في الديمقراطية والعقلانية باعتبارهما السبيل الأمثل للوصول إلى الدولة المدنية التي تتسع للجميع

جاء الصالون تحت شعار "الحرية في التفكير والمناقشة في إطار المسؤولية الوطنية" لا إفراط أو تفريط، ولا تشدد أو إقصاء، ومن الأهداف التي تم الإعلان عنها في بداية التدشين؛ توسيع رقعة التفكير في الديمقراطية والعقلانية باعتبارهما السبيل الأمثل للوصول إلى الدولة المدنية التي تتسع للجميع.
كما سعى القائمون على الصالون إلى تكوين هيئة تنفيذية تتلقى الأفكار وتدرسها وتفحص جدواها وتقترح  السبل لمناقشتها، في أمسيات ولقاءات مع مختصين أو ندوات متعددة، أو أي شكل مقترح من أشكال الحوار، وكان من أهداف الصالون كذلك تكليف باحثين بإعداد أوراق بحثية حول موضوع معين، ثم يدعو الصالون للنقاش حوله نخبة متخصصة للوصول إلى فكرة مفيدة ممكنة التنفيذ، ترفع بعد ذلك للنقاش العام وتصدر حولها توصيات معرفية.
انطلق الصالون محدثاً منذ اللحظة الأولى نوعاً من الزخم الثقافي الذي كثيراً ما افتقدته المؤسسات القومية (العامة)، وضنت به الأيام على الأهرام منذ رحل عنها أساطين الفكر والأدب، وبين الندوات الفكرية التي ناقشت موضوعات تجديد الفكر الديني، وإشكاليات الهوية والمواطنة، والموائد المستديرة التي تناولت قضايا الإبداع وحرية التفكير وتجديد الخ

 انطلق الصالون محدثاً منذ اللحظة الأولى نوعاً من الزخم الثقافي الذي كثيراً ما افتقدته المؤسسات القومية المصرية وضنت به الأيام على الأهرام منذ رحيل أساطين الفكر والأدب

طاب، التقى الجمهور بالنخب الثقافية، وكذلك الوجوه الشابة التي طالما بحث أصحابها عن فرصة لطرح أفكارهم، كما تنوعت الأمسيات الشعرية والأدبية فأحالت صمت المؤسسة العريقة العجوز إلى صخب يعشقه المثقفون، ويعرفه أرباب الكلمة.
  وعلى مدار الأشهر الأولى تواصلت أعمال الصالون الذي جاء كما يقول حربي: "محاولة غير مكتملة لتحريك المياه الراكدة في المشهد الثقافي المصري الذي يعاني من كثرة المنتج كمياً وقلة المنتج الكيفي"، وبات من المألوف تواجد كبار المفكرين والكتاب، جنباً إلى جنب بصحبة شباب من الباحثين والكتّاب، وفي حضرة جمهور عريض طالما اكتظت به قاعة هيكل كل ثلاثاء.
 

بداية الخفوت
وكأي تجربة تنطلق عملاقة، سريعاً ما بدأ الخفوت، وهدأ الإيقاع، حتى توقفت منذ أسابيع طويلة أعمال الصالون، كما اختفت أخباره من صفحات الأهرام.
يقول محمد حربي "كنا دائماً نعاني من النشر المتأخر للندوات، حيث نظم الصالون ندوات مصغرة على مدى الشهور الماضية إلى جانب الندوات الموسعة، ولم تر طريقها للنشر حتى الآن، ومنها ندوة عن جلال الدين الرومي، وأخرى حول السلطة في الإسلام للمفكر عبد الجواد ياسين على سبيل المثال، وبالتأكيد فإن التوقف عن نشر أعمال الفعاليات أضعف مردود الصالون بشكل كبير، قبل أن يحدث تحول نوعي في عمل الصالون بدأ بتنظيم ندوة مغلقة حول تجربة مصر في انتخابات اليونسكو الأخيرة حضرتها السفيرة مشيرة خطاب والفريق الدبلوماسي المعاون لها، ولم ينشر قبل الندوة أي خبر في الأهرام على أساس ان الندوة بدعوات خاصة"!

كأي تجربة تنطلق عملاقة سرعان ما بدأ الخفوت وهدأ الإيقاع حتى توقفت منذ أسابيع طويلة أعمال الصالون واختفت أخباره من صفحات الأهرام

هنا فقد الصالون هدفه الرئيسي بتجاوز المسافة بين النخبة والجمهور، ليتحول إلى محفل نخبوي تجري وقائعه خلف الأبواب المغلقة، وهو ما يراه محمد حربي تحولاً سلبياً، لأن فكرة الصالون كما اقترحها الدكتور جابر عصفور ومحمد عبد الهادي رئيس التحرير السابق كانت تقوم على التعرف إلى تفكير الناس، وليس الاقتصار على النخب الضيقة، ولذلك آثر حربي الابتعاد عن الصالون الذي لم يعد يمثله بطريقته الجديدة فكرياً ومهنياً على حد تعبيره، فهو يميل إلى فعاليات لتشتبك مع الناس حتى ولو كان مستواهم أقل من الأفكار المطروحة، لأن زيادة الوعي في رأيه لا تتم فقط بنشر ملخصات الندوات بل بالنقاش الدائر فيها.
وفي مساء 13 من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وبعد أقل من عام على تدشين الصالون أعلن محمد حربي اعتذاره عن عدم الاستمرار في منصب مدير تحرير الأهرام للشؤون الثقافية، وعضوية مجلس التحرير احتجاجاً على التدخلات والعقبات التي وضعت في طريق العمل الثقافي بالمؤسسة، وعلى رأسها تجميد الصالون وتعطيل رسالته.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: