"رمضان الخير". ماذا عن باقي أشهر السنة؟

صورة موسى برهومة
كاتب وأكاديمي أردني

570
عدد القراءات

2018-05-27

يحمل شهر رمضان المبارك، كلَّ عام، وعوداً بالخير ومساعدة المحتاجين، ويرفع الهمم باتجاه إسناد الفقراء وكسوتهم وإطعامهم وسد رمقهم، وهي تجليات لا ريب في خيّرتها ونفعها وجدواها. ولكن ماذا عن بقية أشهر السنة الأحد عشر؟

يتعدى السؤال السابق، الشؤون التي أسلفنا الحديث عنها، إلى البرّ بالأهل والأصدقاء، وغلبة المشاعر الطيبة على سلوك الصائمين، وكأنّ هذا الشهر هو استراحة للنفس الشريرة من الأذى، وهدنة لقوى الخراب والفساد والغش والضغينة، وهو ما يجعل المرء يتطلع أن تمتد هذه الهدنة لتصبح ديدن البشر في كل حين. ولكنّ هذا الأمر عصيّ على التحقق لأسباب كثيرة.

وأول تلك الأسباب أنّ الذات المسلمة جرى نمذجتها وتطويع شهواتها وتقليم أظافر الأذى فيها خلال هذا الشهر الفضيل الذي اختُص دون سواه باعتباره شهراً تفتح به أبواب الجنة والسماء، وتغلق أبواب النار والذنوب والمعاصي. وتصفّد الشياطين؛ فالصوم، وفق التفسيرات الفقهية، يهذّب النفس، ويربي على الفضائل، وينأى بالصائم عن الرفث والفسوق وسائر الرذائل. كما أنّ الصائمين وفق المصفوفة الدينية هم أهل السعادة في الدنيا والآخرة، ولهم في الجنة، ذات الأبواب الثمانية، بابٌ خاص بهم يدعى "الرَيّان" لا يدخله إلا الصائمون، ومن دخله، كما يروى عن النبي الكريم، لا يظمأ أبداً.

الذات المسلمة جرى نمذجتها وتطويع شهواتها وتقليم أظافر الأذى فيها خلال رمضان الذي تفتح فيه الجنة وتغلق النار

وثاني الأسباب، أنّ الوعي الديني ربط الخيرية الفائقة في "رمضان" بالصيام، باعتباره سلوكاً يدرّب النفس على الصبر وتحمّل الأذى، وهو ما لا يتوفر في باقي شهور السنة الأخرى التي لا يصوم خلالها الناس إلا في أوقات محدودة وقليلة، ولا يلتزم بصيامها إلا القليلون، ما يعني أنّ عمل الخير مرتبط بالصوم كفعل يقتضي الامتناع عن الطعام والشراب، من مطلع الفجر حتى غروب الشمس، وهو وقت طويل، لا يقوى فيه الصائم على إتيان الأذى؛ لأنّ الأذى في جُلّه يحتاج إلى طاقة، وأين تلك الطاقة من الصائمين؟!

وثالث الأسباب، أنّ ثمة نفراً غير قليل من المسلمين يعتبرون الصوم إجازة من ارتكاب الأخطاء والمعاصي؛ حيث تهطل عليهم أمطار الورع بغزارة، فيصبحون أنقياء أتقياء حَسَني المعشر، ذوي ألسنة مضمخّة بالطيب والكلام الحلو الذي يتوخّى الألفة والمحبة والتجاوز عن الهنات. وفي هذا الشهر يتجلّى الإنفاق على الأقارب والأباعد، ووصل الأرحام، وسوى ذلك من فضائل عديدة. لكنّ هؤلاء الصائمين، في غالبيتهم، لا يحتملون أن يظلوا على هذه الوتيرة من العيش الذي يحوّلهم، كما يزعمون إلى "كائنات دينية"، لذا يودّعون الشهر المبارك، ويعودون إلى سابق عهدهم، على اعتبار أنّ رمضان قد غسل ذنوبهم السابقة، وطهّرهم كما يُطهّر الثوب الأبيض من الدّنس، وهو أيضاً ما تفعله "العُمرة" التي يقوم بها مسلمون كثر امتثالاً للحديث النبوي "العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما"، وفي ظنهم أنّ الكفارة تلك تغفر الذنوب بما فيها الكبائر، وحين توضّح لهم الأمر، يجيبونك "إنّ الله غفور رحيم".

قصارى القول، إنّ المسلمين، في عمومهم، يتخذون أسهل التفاسير وأيسرها، كيلا يقطعوا مع التدين الذي يؤثر في سلوكهم، فينجح في ضبط خروجهم المستمر عن النص في "رمضان"، ولا يحالفه التوفيق بقية أشهر السنة؛ ما يفسّر كثرة المعاصي، والتحلل من الالتزامات الأخلاقية، وإسناد المحتاجين والفقراء والعطف عليه، ومشاركتهم عوزهم، والحدب على أوجاعهم.

ثمة نفر من المسلمين يعتبرون الصوم إجازة من ارتكاب الأخطاء والمعاصي حيث تهطل عليهم أمطار الورع بغزارة

وما يرنو إليه الإنسان، من دون التفات إلى دينه أو معتقده، هو أنّ تصبح التشاركية والتآلف النفسي مع الآخرين ميزة البشر في كل حين، بعيداً  عن الطقوس الدينية الموسمية، والمصفوفات الفقهية التي زادت جرعة نتائج عمل الخير في شهر محدّد، ولم تتقصد أنّ تكون باقي الشهور منزوعة الخيريّة، لكنّ هذا ما استقر في وعي الناس، فتواطأوا على استحسانه وعدم الجدل فيها.

ومن شأن مجالس الفقه، ومراكز الفتوى والمشايخ "المتنورين" والنشطاء الدينيين أن يدفعوا باتجاه توطين تقاليد تسحب الخير على باقي السنة، من خلال إبقاء مساعدة الفقراء والمحتاجين وإدامتها، وهذه أولوية قصوى، للنأي عن العوز والفاقة، وهذا جهد ليس مستحيلَ التنفيذ إذا ما انعقدت النية، وجرى جعل الدين منصة دائمة لاستمرارية الخير والإحسان.

ولو جرى تطبيق الحديث النبوي "ما نقص مال من صدقة" بشكل خلاق، لجرى تجفيف منابع الفقر في العالمين العربي والإسلامي، وهذه أنبل الغايات، وأكثرها بعثاً على الإيمان الذي يتعدى الشعائر، وينفذ إلى الأفعال التي تتكئ على قوة الدين ونفوذه من أجل انتشال بشر كثيرين من غائلة اللهاث وراء كسرة خبز أو شربة ماء، ثم العمل مع هؤلاء من أجل ربطهم بعجلة الإنتاجية ليستطيعوا الإنجاز بشكل كريم.

وما يجعل الأمل في هذا الاقتراح متاحاً للصيرورة والتحقق، هي الأرقام. ويكفي أن نتذكر أنّ صافي الثروات الإجمالي للأثرياء العرب ارتفع العام الماضي بنسبة 29.2 %، ليصل إلى 123.4 مليار دولار توزعت على 42 ثرياً، حسبما أفادت قائمة "فوربس الشرق الأوسط".

وفي الأرقام نبقى لنربط الاقتصاد بالدين ومنظومة الأخلاق، فقد أشار تقرير للبنك الدولي عام 2013 إلى أنّ عدد سكان العالم العربي بلغ 345 مليون نسمة، في حين يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية مجتمعة 1.5 تريليون دولار تقريباً. وهو ما يعني أن متوسط الدخل السنوي للفرد يساوي 3500 دولار.

الفقر حقاً كافر ومولّد لكل الشرور وما يجري تطبيقه في رمضان ينبغي أن ينسحب على سائر أوقات السنة

لكن هذا المتوسط يتفاوت بين بلدان عربية غنية بإيراداتها وأخرى محدودة الإيرادات ومكتظة بالسكان. وتشير التقارير الأممية إلى أنّ 11 مليون شخص في العالم العربي يعيش الواحد منهم على أقل من دولار يومياً.

ويعزو محللون اقتصاديون، كما تقول "بي بي سي"، سبب اتساع رقعة الفقر في العالم العربي إلى تفشي الفساد المالي في الدوائر الحكومية واستئثار الإنفاق العسكري بنسبة كبيرة من الميزانيات الوطنية على حساب التنمية الاقتصادية، علاوة على انعدام التخطيط السليم لمواجهة مشكلة الفقر.

هنا، يتعيّن على الدين أن يفعل فعله؛ لأنّ الفقر حقاً كافر، ومولّد لكل الشرور، وما يجري تطبيقه في "رمضان" وهو تمرين ميداني على فعل الخير له ثمرات طيبة، ينبغي أن ينسحب على سائر أوقات السنة، كيلا يصبح "رمضان" محطة طقسية يُطلب من الصائمين فيها ما لا يُطلب منهم في باقي الأيام الأخرى، وهذا هو التحدي الأكبر أمام الفقهاء وعلماء المسلمين الذين عليهم أن يشرعوا في ثورة دينية بيضاء للقضاء على الفقر، قبل أن يثور الجائعون عليهم!

اقرأ المزيد...

الوسوم: