رمضان إذ يتحول من شهر عبادة إلى موسم للإسراف

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية

1437
عدد القراءات

2018-05-20

بينما تمُر في شوارع القاهرة، تباغتك تلك الطوابير المصطفة أمام الأسواق وخارجها، والزحام إذ يخنق المارة حيث تتكدس السيارات، وأكوام المشتريات التي تشعرك بأنّ المدينة مقبلة على مجاعة حتمية، أو ربما تنتظر سبعاً عجافاً، ليهُمّ الناس في تخزين مؤونتهم، حتى تتذكّر أنّ شهر رمضان قد حلّ. لكن هذا المشهد يدفع كل ذي لُبٍ للتساؤل: أهو شهر الصيام، أم الإسراف في الطعام والشراب؟

حكمة الصيام

"ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بُدّ فاعلاً فثلثٌ لطعامه، وثُلثٍ لشرابه وثلثٍ لنفَسه"

حديث نبوي – رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه بسندٍ صحيح

يصوم المسلمون شهراً كل عام، هو شهر رمضان، وصيامه فريضة على كل مسلم بالغ عاقل، يمتنع خلالها عن الطعام والشراب والشهوات من مطلع الفجر إلى غروب الشمس، لكن هذه القواعد المحكمة، جاءت في المقام الأول للسمو بالروح الإنسانية؛ حيث للصيام غاياته التي يتطلع العباد إلى تحقيقها والتقرب بها إلى الله، وهو ما يستدل عليه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن قاتله أحد أو شاتمه فليقُل إني صائم" – رواه أبي هريرة، لذا فإن الإمساك عن الشهوات هو غاية عُليا للصيام، بالإضافة لغايات اجتماعية يسعى التشريع لغرسها في الأتباع؛ حيث الشعور بالفقراء ومشاركتهم لحظات الألم.

على الرغم من الفوائد الصحية التي ربما يجنيها الصائمون في رمضان إلّا أنها تتحول إلى كوارث صحية

 لقد ظهر الإسلام في بيئة صحراوية مليئة بالفقراء، وندرة الطعام والشراب كانت أمراً طبيعياً لدى العامة، فالأغنياء قلة بين المسلمين الأوائل، لذا جاء الصيام كدرب من دروب المؤاخاة بين هؤلاء جميعاً، فيستشعر الأغنياء بألم إخوانهم الفقراء فيغدقون عليهم العطاء، وبذلك يتحقق الغرض الاجتماعي من الصوم.

ولعل الغرض الأسمى الذي يتحقق من هذه الغايات يكون بمراقبة النفس وضبط سلوكها وإعادة هيكلة الحياة والتأمل فيها، فكل العبادات يمكن ممارستها أمام الناس، أمّا الصيام وقواعده المحكمة فيظل بين الإنسان وربه، فلن يكون هناك رقيب على ذلك سوى الذات التي تضبط شهواتها، وتتطلع إلى إرضاء خالقها، ولعل الأمور الصحية التي يوفرها الصوم للناس تكون دافعاً للممارسة، حيث حض الإسلام على عدم الإسراف في الطعام، كما قال النبي الكريم: "نحن قومُ لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع"، فليس أخطر على الإنسان من الأمراض التي يسببها له الإسراف في الطعام.

ما يفعله المسلمون المعاصرون في رمضان من ممارسات استهلاكية هوسية يتعارض مع الهدف الروحاني لهذا الشهر

مظاهر البذخ

لكن ما يفعله المسلمون المعاصرون في شهر رمضان من ممارسات استهلاكية تعكس الهوس الشرائي لدى الملايين من المسلمين حول العالم، يتعارض كل التعارض مع الهدف الروحاني لهذا الشهر، ففي مدينة بحجم القاهرة، التي تعد أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان، يزداد استهلاك السكان من المنتجات الغذائية لما يقارب الضعف. وكشفت مصادر من اتحاد الغرف التجارية، كما نقلت صحيفة "اليوم السابع" عن معدلات استهلاك الغذاء في رمضان التي ازدادت بمقدار 40% عن الأيام العادية لعام 2018، مثلت منها الزيادة في اللحوم بمقدار 35%، في الوقت الذي تعتبر فيه اللحوم في مصر من أعلى أسعار اللحوم في العالم، بالنسبة لمتوسط دخل الفرد، ففي مؤشر اللحوم العالمي الصادر عن منظمة الأغذية العالمية لعام 2017، فإنّ المصري يحتاج إلى 24 ساعة عمل،  لشراء كيلو غرام من اللحم. وبين معدلات الإنتاج والاستهلاك عالمياً تحتل مصر المركز29 عالمياً في الدول الأكثر إنتاجاً للحوم، بينما تحتل المركز 49 عالمياً في معدلات الإستهلاك، والمركز الأخير في استهلاك اللحوم عربياً، فإذا ما وُضعت الأرقام تحت مجهر التحليل، أمكن إدراك الفجوة التي يعيشها المواطن المصري بين طبقات اجتماعية تعكس الازدواجية الاقتصادية التي تعصف بحقوق الأغلبية من المصريين.

بين كل هذه الأرقام التي توحي بمعدلات رخاء اقتصادي للمجتمع المصري، أظهرت دراسة أجراها مركز البديل للدراسات الاقتصادية أنّ ما يقارب 30% من الأطفال في مصر مهددون بمرض التقزم نتيجة سوء التغذية، وبخاصة الحرمان من اللحوم الحمراء، لذا فإن كل هذه الزيادات بقراءة متفحصة للأرقام تعكس ارتفاع معدل استهلاك طبقة معينة وقت شهر رمضان، بينما الطبقة المعدمة تبقى على حالها.

 وعلى الرغم من الزيادة الضحمة في الأسعار، ومعدلات التضخم التي وصلت إلى 35% خلال 2017، بعد قرار تعويم العملة، تراجعت فاتورة الاستيراد الخارجي بمعدل 40% بسبب أزمة الدولار، وفق تصريح رئيس شعبة المستوردين بالغرف التجارية المصرية، أحمد شيحة، لـ"اليوم السابع"، حيث أضاف أنّ الاستهلاك المحلي من اللحوم في رمضان "بلغ ثلاثة أضعاف الأيام العادية"، وهو يعد نسبة كبيرة للغاية.

الاقتصاد الرمضاني

يعرض موقع "Statista" وهو المنصة الإلكترونية لشركة تحمل ذات الاسم وينطلق من ألمانيا، وبريطانيا، ويهتم بتحليل البيانات الاقتصادية، تقريراً إحصائياً لمعدلات استهلاك المسلمين في أوروبا خلال شهر رمضان، يكشف أنه بالرغم من أنّ شهر رمضان مخصص للامتناع عن الطعام وممارسة العبادات، إلا أنّ الأرقام أوضحت أن الاستهلاك يتزايد بأضعاف ما يكون عليه في الأيام الطبيعية. كما أوضح التقرير أنّ هناك ظاهرة اقتصادية أسموها بـ"طفرة رمضان" وأطلقوها على المبيعات التي تتضاعف في المملكة المتحدة للسياح من منطقة الخليج العربي، ويوضح التقرير أنّ الزيادات المذكورة ليست في العالم الإسلامي فحسب، بل تشمل المدن ذات الاقلية المسلمة، وأنّ المسلمين بشكل عام يتضاعف استهلاكهم من السعرات الحرارية في رمضان بشكل يعكس هوساً في سلوك استهلاك الطعام.

رمضان تحول إلى موسم للتسوق، بدلاً من الانشغال بالعبادات والتواصل الإنساني، فوقع الناس فريسةً لأصحاب رؤوس الأموال

وإلى أندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، تتجلى ظاهرة الاقتصاد الرمضاني، بحسب مقال نشره موقع The Conversation – بعنوان (لماذا يُعد رمضان موسماً اقتصادياً خاصاً في أندونيسيا؟)، المنشور في رمضان 2015، إذ يوضح أنّ استهلاك الأندونيسيين يتزايد بنسبة 30% من السلع الأساسية والمنتجات الغذائية، وتزداد كذلك نسبة مبيعات الملابس بشكل كبير، على الرغم من ارتفاع معدلات التضخم الذي تشهده أندونيسيا في جميع السلع والخدمات خلال شهر رمضان، ولكن مكافأة العمل تلعب دوراً مهماً في دعم القدرة الشرائية للمستهلكين.

وعلى الرغم من الفوائد الصحية التي ربما يجنيها الصائمون في رمضان، إلّا أنها تتحول إلى كوارث صحية طبقاً لأنماط الاستهلاك الحالية، وفق ما أوضحه لـ"حفريات" الدكتور معن كوباني، وهو طبيب عراقي، وأستاذ الأمراض الباطنة واستشاري التغذية العلاجية بجامعة القاهرة:"يستهلك المسلمون في رمضان كميات بالغة من الطعام، تضر بصحتهم وتنعكس سلباً على جميع الأجهزة الحيوية لديهم، فمتوسط استهلاك الإنسان الطبيعي من السعرات الحرارية يبلغ ألفي سعر حراري يومياً، وهي نسبة ليست بكبيرة، وما يستهلكه الناس في رمضان، يأخذ الجسد حاجته منه، بينما يُخزّن الباقي على هيئة دهون تعمل على الإضرار بالأجهزة الحيوية، فالطعام لا يُخزّن ليعكس شعوراً بالشبع، بل يُخزن على هيئة دهون تتراكم في الأوعية الدموية، وأول متضرر يكون القلب من قبل الدهون المتراكمة".

في أندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، تتجلى ظاهرة الاقتصاد الرمضاني

المجتمع الاستهلاكي وأسطورة الرفاهية

ما تشهده المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام من ارتفاع ضخم في معدلات الاستهلاك الرمضاني بالتوازي مع ارتفاع كبير في الأسعار نظراً لزيادة الطلب على السلع استغلالاً للحدث السنوي الذي يحتفل به المسلمون، يعكس فداحة مصاب المجتمع الاستهلاكي الذي كرسته النيوليبرالية بأسواقها النابضة بالحياة؛ إذ ترتفع الهوة بين الفقراء والأغنياء بشكل ملحوظ، فيما يزداد استهلاك الأغنياء في شهر خصصه الله ليساوي بين جميع الخلق، وهو ما نالت منه أنياب النيوليبرالية التي ضربت في جذور المجتمعات الإنسانية على اختلاف ثقافتها وبصور مختلفة، بحسب ما تنبأ الفيلسوف الألماني كارل ماركس، من أنّ الإنسان يتحول في خضم المجتمع الرأسمالي إلى كائن مستلب لصالح استهلاك فائض عن حاجته، لأجل هذا تعمل شركات الدعاية والإعلان التي يدفع لها المنتجون أموالاً طائلة لجذب المستهلكين، فتصبح السلعة التي ربما ليسوا بحاجة إليها مركز الوجود، فهي البداية والنهاية، ولا يهم ماذا تمثل قيمة السلعة بالنسبة للإنسان، المهم أن يشبع هذا النهم الذي خلقته الرأسمالية ودعايتها التي توهم المجتمع بأنّ الوصول للرفاهية ينبغي أن يكون هدفاً يلتف حوله البشر، فيضيع الإنسان بين مشتريات اكتنازية ربما أكثر من نصفها لا أهمية لوجوده، وهو ما يسميه الاقتصاديون بعملية خلق الطلب.

ففي مقالٍ له بعنوان "حول نقد الأيدولوجيا الرأسمالية"، يقدم المفكر الاقتصادي سمير أمين عرضاً لما سماه الإنسان السلعي، مستعرضاً جذور القضية التي بدأتها الولايات المتحدة الأمريكية رداً على المعسكر السوفييتي، حيث ربطت الحرية بالمزيد من الاستهلاك، بل إنّها حولت كل شيءٍ إلى سلعة يمكن التعامل معها على حساب وضع الإنسان المتدهور، وتسعى لتدمير الطبيعة الإنسانية دون رحمة.

 وفي خضّم هذا العراك يُدهس الإنسان ويقع فريسة لأنياب النظام العالمي، فيُحوّل الشهر الفضيل إلى موسم للتسوق، بدلاً من الانشغال بالعبادات والتواصل الإنساني، بعد أن يكون قد وقع فريسةً سهلة لأصحاب رؤوس الأموال الذين لا يرون في الإنسان سوى نسبة ربحية تضاف إلى ثرواتهم، فيزداد ثراؤهم، ويظل الفقراء في قاع البؤس.

 
فإذا ما وُضعت الأرقام تحت مجهر 
التحليل، أمكن إدراك الفجوة التي يعيشها المواطن المصري بين طبقات اجتماعية تعكس الازدواجية الاقتصادية التي تعصف بحقوق الأغلبية من المصريين.
اقرأ المزيد...

الوسوم: