رجل القانون محمد نور إذ ينتصر لفكر طه حسين

صورة إيمان النمر
كاتبة وباحثة مصرية

58
عدد القراءات

2018-03-27

ثمة مشهد خلفي عظيم يؤطر صورة هذا الرجل المستنير، مشهد يجمع ما بين ثورة 1919م، والحراك الوطني بهدف التحرر من قوى الاستعمار، ومتغيرات سياسية واجتماعية تشهد بالتحام مصر في بِنية الحداثة، وقتئذ كان المجتمع المصري يجني ثمار البعثات التعليمية وحرية الملكية الفردية والدولة المؤسساتية وتأسيس دستور 1923م،  وحزمة أخرى من القوانين والتشريعات المترجمة لهذا الواقع، الذي كان محمد نور أحد مكوناته وانعكاساته، التي أحدثت ثراءً وثورة في الأفكار والفن والرؤى الإنسانية، هذا رجل تعلم على مذاهب ونظم المدارس الأوروبية الحديثة سواء في مصر أو أوروبا، فهو أحد خريجي مدرسة الحقوق قبل أن تتحول إلى كلية عام 1925 م، وحصل على درجة الدكتوراة في القانون من الجامعة الفرنسية شأنه شأن الكثير من طلاب الحقوق النابهين آنذاك، وقد يكون تربى في أسرة تنتمي إلى طبقة الأعيان المصريين الذين اهتموا بتعليم أبنائهم حتى المرحلة الجامعية العليا، يدل على ذلك السلك الوظيفي المهم الذي بلغه، وحصوله على رُتبة البكوية، ورُقيه الفكري الذي يُنم عن الأصل الاجتماعي والثقافي الفريد .

محمد نور يكشف لنا عن وجه آخر من وجوه الوعي الحضاري وكان يدرك أن اختلاف الآراء والتوجهات ليس مسوغاً للعقاب

محمد نور بك رئيس نيابة مصر ربما لم يأتِ في خياله أنه في عام 1926م، سيكون منوطاً بالبت في قضية فكرية مهمة تخص الشأن العام، وبمفاهيم ذلك الزمن، أمة بكاملها تنتظر عقاب شخص تعتقد أنه أهان وطعن دينها ورموزها المقدسة، مشهد ربما يذكرنا بالنبي إبراهيم وهو يحطم أصنام  قومه، فيجتمعون بغيظهم وثورتهم وهياج مشاعرهم بُغية الانتقام  منه، إلا أننا الآن بفارق الزمن أمام لحظة تاريخية تعبر عن حداثتها، في مجتمع لديه برلمان ونواب ممثلون فيه عن الأمة، وأحزاب  سياسية مستغلة للحدث، ورجال دين متخصصون وجامعة دينية ممثلة في الأزهر، ومؤسسة تعليمية عليا وهي الجامعة المصرية وبعض طلابها الثائرون ينتظرون جميعاً التحقيق في شكواهم المقدمة إلى مؤسسة القانون الممثلة في النيابة العامة ومسؤوليها .

كانوا يريدون معاقبة طه حسين أستاذ الجامعة والمفكر والأديب الذي ألقى بالحجر في الماء الراكد حين اهتم بدراسة تراث الأدب العربي بتطبيق مناهج الفلسفة الحديثة، وأهمها منهج ديكارت الذي انعكس تَبنيه في سلسلة مقالاته وكتبه، ومنها كتاب في الشعر الجاهلي الذي واجه عقب نشره عام 1926م عدة اتهامات بالإلحاد والزندقة والارتداد وما شابه، حُددت بأربع حيثيات في عريضة الدعوى المرفوعة وهي: إهانة الدين الإسلامي بتكذيب القرآن في أخباره عن إبراهيم وإسماعيل، وما تعرض له في شأن القراءات السبع للقرآن المجمع عليها، والتعرض لنسب النبي محمد،عليه السلام، وإنكاره أولية الإسلام في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم .

تحولت المسألة من تفكير إلى قضية تكفير، ليأتي دور محمد نور ويكشف لنا عن وجه آخر من وجوه الوعي الحضاري، رجل كان يدرك أن اختلاف الآراء والتوجهات ليس مسوغاً للعقاب وتكميم العقل، وأن الفكرة ليست جناية تُواجه بقضبان الحديد والقهر، وإنما لابد من مواجهتها بالحجة والدليل وأن يحتكم الرأي بالرأي، لقد تجرد الرجل من عواطفه وانفعالاته الغاضبة والرافضة لما جاء بمتن الكتاب محل القضية، وبالتأكيد لم يكن بمعزل عن تفاعلات مجتمعه الساخطة، بل ربما قد مر صدفةً بالشوارع التي هتف فيها المتظاهرون مطالبين برأس طه حسين، وربما سمع بنفسه خطيبهم الثائر أمام بيت سعد زغلول زعيم الأمة وهو يقول:"نعلن إليك يا مولانا أننا كما اتخذناك سلاحاً نحارب به المغتصبين فسنتخذك سلاحاً نحارب به الملحدين".

لم يتأثر محمد نور بهذا العقل الجمعي الذي رأى المسألة على أنها ساحة قتال ومحاكم، وإنما أدرك أنها ساحة بحث ومعرفة ووعي مما يستلزم الموضوعية وتحري الدقة، والتسلح بعدد من المراجع والمصادر الأولية التي ربما كانت مكتبته الخاصة تحوي بعضها، وكان نور على علم بمناهج البحث وكيفية توثيق مصادره والتحقق منها إضافةً إلى معرفته بأدبيات وقواعد النقل والاقتباس وضرورة التحلي بالأمانة العلمية، وعدم ليّ عنق النص كي يتواءم مع فكرة الباحث الخاصة، وكان من ضمن مآخذه على طه حسين تدخله في النص المقتبس من كتاب طبقات الشعراء لمؤلفه أبو عبدالله بن سلام الخاص بقول أبي عمرو بن العلاء في مسألة اختلاف اللغة بين القحطانيين والعدنانيين الذي جاء فيه:"ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

مكث محمد نور شهوراً يدرس حيثيات القضية، دراسة تثبت أنه كان يتميز بعقل ناقد ومتسائل لديه القدرة على الفرز والتعمق في معاني وماهية المصطلحات ودلالات مفهوم نسبية الزمن، ولم ينعت طه حسين في مذكرة التحقيق بالمتهم، وإنما اختار مصطلح باحث ووصف عمله بالبحث، واعترف بأن لكل إنسان طاقة واستطاعة، ولا أحد يمكنه إدراك الكمال في مسعاه، ومن هنا لم تكن مذكرة التحقيق مجرد عبارات مُرسلة حنجورية رغبةً في عقاب يُشفي غليل علية قومه وعوامهم، وإنما تبلور تحقيقه في صورة بحث مكون من ست عشرة صفحة من القطع الكبير، كتبه بأسلوب أدبي بليغ حين يُقرأ يشعر معه المرء أنه في أحد أروقة الجامعة يستمع إلى إحدى أطروحات الدراسات العليا وأبحاث الترقية.

لم يكن عقل نور فوضوياً، بل علمياً مُنسقاً لذا جاءت نقاط القضية في تسلسل فكري سليم، كما كان يدرك مفاهيم البناء الفكري والصور الكلية والمبادئ المُطلقة وألا يجوز انتزاع الجزء من الكل دون فهم سياقه، وهو ما عبر عنه بقوله:"فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة، وإنما  الواجب توصلاً إلى تقديرها تقديراً صحيحاً بحثها حيث هي موضعها من الكتاب ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه" .

محمد نور كان يعي جيداً مبادئ المنطق ومناهجه والفرق بين الفرضية والنظرية، وأن النظرية تحتاج إلى إثبات الفرضيات

محمد نور كان يعي جيداً مبادئ المنطق ومناهجه والفرق بين الفرضية والنظرية، وأن النظرية تحتاج إلى إثبات الفرضيات، والفرضيات لابد لها من دلائل وقرائن مادية ملموسة كي يمكننا الاعتراف بصحتها والجزم بنتائجها، ولذلك عاب على طه حسين أنه جزم بيقينية فرضياته في مسألة اختلاف اللغة بين العدنانيين والقحطانيين دون إشارة دقيقة إلى أسماء المصادر والمراجع التي استقى منها معلوماته، ودون وجود نصوص يمكن مقارنتها، ودون اكتمال الاكتشافات العلمية للمستشرقين التي اعتمد عليها حسين في كتابه .

كان فكر نور استقلالياً حراً واثقاً في نفسه، لم يمارس سلطة أو وصاية ضعاف المؤمنين على طه حسين، ولم يشخصن قضيته ولم يشيطنه ولم يرمه بالإلحاد أو الردة، ولم تستولِ عليه نظرية المؤامرة الاستعمارية، ولم يطلب استتابة طه حسين، وكان يدرك نسبية القدرة البشرية في مسألة الفصل بين العلم والدين، فلم يحكم إلا في حدود معرفته بذاته، حيث قال:"وإذا ما وجدنا العلم والدين يتنازعان فسبب ذلك أنه ليس لدينا القدر الكافي في كل منهما، إننا نقرر هذا بناء على ما نعرفه من أنفسنا".

لقد بذل ما في وسعه بهدف التجرد من أهواء الأنا العليا التي قد تغري الإنسان باستغلال الضوء أو اختيار الدعة والسكون حين الريح الهوجاء، إلا أن روحه المؤمنة بإلهه لم تكن تريد أيضاً أن يأسرها إغواء دروب البحث بعيداً، ولا أن يجرح شفافيتها أحد، أيّاً كان، بمقاصل الشك الناعمة، ولذا لم تخلُ بعض عباراته من القسوة على طه حسين، وعتابه في بعض الصياغات الخالية من التبجيل والاحترام حين تحدث عن النبي محمد، عليه السلام، ولم يكن يريد أن يشق أحد وشاج إيمانه بكتابه المقدس الذي كان كافياً بالنسبة له في حسم الجدل الخاص بهجرة إبراهيم وإسماعيل إلى شبه الجزيرة العربية وصحة بنائهم للكعبة بنص الآية القرآنية:"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ".

كان فكر نور استقلالياً حراً واثقاً في نفسه، لم يمارس سلطة أو وصاية ضعاف المؤمنين على طه حسين

كان نور يدرك أدبيات الحوار والنقاش وضرورة احترام المختلف وتقدير جهده وفكره لا استعدائه أيَّا كانت درجة اختلافه؛ إذ اعترف بفضل طه حسين وقال:"إن للمؤلف فضلاً لا يُنكر في سلوكه طريقاً جديداً للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين ... ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة"، ولم يكذبه حين استبين مقاصده وإنما رأى أن حسين "وإن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر ".

وفي سبيل اتخاذ قراره بحث أولاً عن مادة القانون رقم 14 من دستور 1923 الذي نصّ على أن حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك، وبناءً على الصورة الكلية المُطلقة لروح هذا القانون واستبيان مقاصد البحث التي لا تُعد جناية تستحق العقوبة حُفظت أوراق قضية طه حسين إدارياً، وحُفظ حق الإنسان في التفكير خارج ظلمات العقل المغلقة .

ونظراً للأسلوب الحضاري الذي واجه به محمد نور القضية، تلقى الناس بأطيافهم المختلفة منشور التحقيق عبر الصحف العامة بمشاعر مختلطة من الرفض والإعجاب معاً؛ الرفض لما آل إليه من انتفاء العقوبة، والإعجاب بنمط التفكير والنسق الذي كُتب به التحقيق، لذلك لم يهاجموه وإنما تحيدوا في مشاعرهم تجاهه، وأسوة به تبارى كل قلم معارض في مجادلة حسين والرد عليه بالنقد رأياً برأي، إذاً كان نور ذكياً انتصر لحرية الكلمة واختلاف الرأي واحترام العقل والقانون والإنسانية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: