حراك الأردن: إما حلّ الأزمة أو الذهاب إلى المجهول

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي

3163
عدد القراءات

2018-06-05

يشهد الأردن منذ أيام حراكاً جماهيرياً متواصلاً أطلقته النقابات المهنية، قبل أسبوع، بالدعوة لإضراب، تم تنفيذه بتاريخ 30 أيار (مايو) الماضي، على خلفية مشروع حكومي حول قانون جديد للضريبة على الدخل، يتردد أنه مجحف بحق الأردنيين، وسيؤثر سلباً على كافة الطبقات الاقتصادية والاجتماعية، بصورة مباشرة وغير مباشرة، الحكومة من جانبها تستند في طرح مقاربتها للمشروع على أسس: الاستجابة لصندوق الدولي ولتأمين قرض جديد يسد عجز الموازنة، معالجة التهرب الضريبي الواسع من قبل "حيتان" الاقتصاد، وأنها تواجه الحقيقة ولا تبحث عن شعبية زائفة.

الحراك الذي يشهده الأردن جديد بكل أبعاده من حيث طبيعة القوى المشاركة فيه؛ حيث يشكل الشباب غالبيته، مع غياب الأحزاب التقليدية من قومية ويسارية وإسلامية، خاصة الإسلامية التي اعتادت قيادة الحراكات أو اختطافها، فيما العلم الأردني فقط هو المرفوع في تلك الحراكات، إضافة لشموليتها غالبية مناطق المملكة، وهو ما أسقط نظريات المركز والأطراف، وتتراوح الشعارات بين المطالبة بإسقاط الحكومة ومشروع الضريبة المقترح، فيما غابت الشعارات الكبرى.

الحراك الذي يشهده الأردن جديد بكل أبعاده من حيث طبيعة القوى المشاركة فيه حيث يشكل الشباب غالبيته

مظاهر الارتباك كانت واضحة في التعامل الرسمي مع الحراك من قبل الحكومة ومجلسي الأعيان والنواب، إضافة لمجلس النقباء المهنيين، الذي أطلق الشرارة الأولى للحراك على خلفية قضية محددة وهي مشروع ضريبة الدخل الجديد، خاصة في انحياز ملكي معلن لمطالب المحتجين، أطلق العنان للمجلس النيابي لإعادة الدخول بقوة على خط الأزمة بإصدار مذكرة تعلن قرار أكثر من ثمانين نائباً من أصل مئة وثلاثين، بردّ المشروع ومذكرات أخرى تطالب بإقالة الحكومة، بموازاة توصية من مجلس الملك "الأعيان" بإقالة الحكومة.

التطورات المتسارعة أسفرت عن إقالة حكومة هاني الملقي، ويرجح أن يتم تكليف الدكتور عمر الرزاز وزير التربية في حكومة الملقي بتشكيل الحكومة، ورغم سجلّ الرجل النظيف إلا أنّ سيرته وعمله السابق في صندوق النقد الدولي، مديراً له في لبنان، يطرح شكوكاً عميقة في أوساط مختلفة حول نهجه المستقبلي وقدرته على اجتراح مقاربات تخرج الأردن من الأزمة، في ظل قناعات أنّ الأزمة أكبر من شخص رئيس الوزراء، أيا كان الرئيس، في ظل صعوبة إيجاد مخرج حقيقي، وحلول جادة لإشكالية المواءمة بين تلك الضغوطات الدولية، ومراعاة الطبقات الاجتماعية المتضررة والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية للقانون، وهو ما يعبر عنه نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الحامل الإعلامي الرئيس في تغطية وادارة الحراك، إلا أنّ نجاحات الرزاز النسبية في إدارة أبرز المؤسسات الاقتصادية في الأردن وهي الضمان الاجتماعي ودوره في وزارة التربية والتعليم بإحداث نقلة نوعية، إضافة لما يعرف عن الرجل من قدرة على بناء تواصل ومحاورة الآخرين، كلها عوامل قد تسهم في أن يكون الرجل المناسب للمرحلة.

التطورات المتسارعة أسفرت عن إقالة حكومة الملقي ويرجح أن يتم تكليف عمر الرزاز بتشكيل الحكومة

المشكلة التي ستواجه الرئيس المكلف ليس فقط بتشكيلة فريقه الوزاري، في ظل رفض شعبي لكل أعضاء فريق الحكومة السابقة، وصعوبة اختيار شخصيات تحظى بقبول شعبي، بعد أن أصبح غالبية الرموز والشخصيات العامة في إطار الشبهة باتهامات بقضايا فساد كبيرة أو صغيرة، بفضل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتتعدى المشكلة أمام الرئيس المكلف في كون مضامين مخرجات مطالب الحراك الجديد تجاوزت قضية الضريبة باتجاه مطالبات بوضع كافة الملفات على طاولة البحث، وفي مقدمتها ملف الفساد بكل أشكاله وأنواعه، وآلية تشكيل الحكومات والانتخابات النيابية وقانونها، وغيرها من القضايا المرتبطة بالقرارات الاقتصادية التي تم اتخاذها ليس من قبل حكومة هاني الملقي المقالة، بل من قبل كافة الحكومات السابقة.

التوجيهات الملكية التي أطلقها الملك على هامش الحراك، تشكل تحدياً أمام الرئيس المكلف، وعوناً له إن أراد ذلك، خاصة وأنّ الملك أعلن وبوضوح عن تفهمه العميق لمطالب المواطنين الذين تحملوا طويلاً تكلفة برنامج الإصلاح الاقتصادي.

التوجيهات التي أطلقها الملك على هامش الحراك تشكل تحدياً أمام الرئيس المكلّف وعوناً له إن أراد

لاشك أنّ إقدام الرئيس المكلف على قرارات باتجاه سحب مشروع قانون الضريبة الجديد، سيسهم في "تخفيف" حدة الحراكات الجماهيرية وزخمها، لكن من غير الواضح إذا ما كان هذا الشارع الذي لا يتحرك برأس واضح معروف، سيعطي فرصة للرئيس المكلف بطرح برنامجه وخططه، خاصة الاقتصادية وموقفه من صندوق النقد الدولي ومطالباته، أم أنّه محكوم عليه قبل جلوسه على كرسي الرئاسة، رغم أنّ أصواتاً كثيرة تطالب بمنحه فرصة لمعرفة برنامجه وخططه.

البعد الإقليمي حاضر بقوة في التفكير السياسي المرجعي، وهناك إدراك بأنّ جزءاً من أسباب الأزمة الاقتصادية هو وقف المساعدات التي يعتمد عليها الأردن تاريخياً في سد عجوزات الموازنة العامة للدولة، في إطار ما يقول بعض المحللين إنّه لممارسة ضغوط عليه، وخصوصاً من الجانب الأمريكي، وهو ما دعا الملك للقول صراحة: إما حل الأزمة،أو الذهاب إلى المجهول، فهل سيتم حلّ الأزمة أم سيذهب الأردن إلى المجهول؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: