تنامي العلاقات التركية الأوكرانية... ما أبرز الأبعاد والمضامين؟

تنامي العلاقات التركية الأوكرانية... ما أبرز الأبعاد والمضامين؟

مشاهدة

13/01/2021

شهدت الأعوام الأخيرة زيارات متبادلة، على أرفع المستويات، بين كلٍّ من تركيا وأوكرانيا، وبوتيرة لم تكن معهودة من قبل، ترافقت مع توقيع اتفاقيات على مختلف الصُعُد. فأيّ سياق جاء ضمنه هذا التنامي اللافت في العلاقات الثنائية بين البلدين؟

قرب جغرافي... وتداخل عرقي

بعد استقلال أوكرانيا، في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991م، بادرت تركيا إلى الاعتراف بها وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها، وجاء ذلك بدافع من اعتبار القرب الجغرافي بين البلدين، وما يقتضيه من تنسيق وتعاون لتحقيق المصالح المشتركة. وفي المرحلة اللاحقة، بدأت مستويات التعاون بين البلدين تتعزّز، وكان الجسم السياسي الأبرز الذي جمع البلدين هو منظمة "تعاون البحر الأسود"، التي تأسّست عام 1992م، وضمّت الدول المطّلة على حوض البحر الأسود، ومن بينها تركيا وأوكرانيا.

موقع تركيا وأوكرانيا على الضفتين المتقابلتين للبحر الأسود وتظهر شبه جزيرة القرم

وقد برز الاهتمام التركي، تحديداً، بإقامة العلاقات والتواصل مع شعب "التتار" في شبه جزيرة القرم (جنوب أوكرانيا)، وذلك باعتبار أنهم جزء من العرق التركي الذي تعتبر الاستراتيجيات التركية أماكن امتداده الجغرافي بمثابة مجال حيوي لتركيا. إلّا أنه، وباستثناء ما يتعلق بتتار القِرم، فإنّ السياسة التركية لم تعرف توجهاً بارزاً نحو تعزيز العلاقات مع مناطق شرق أوروبا وشمال البحر الأسود، خصوصاً إذا ما قورن مع ما برز من توجه تركي للتمدد والتوسّع ضمن المناطق التي وُصفت بأنّها "العمق الاستراتيجي"، والتي ارتبطت تحديداً بالمناطق التي كانت خاضعة سابقاً للحكم العثماني، وبالتحديد في كلٍّ من البلقان، والقوقاز، والمنطقة العربية (المشرق العربي وشمال أفريقيا).

شراكة وتقارب... بوتيرة متصاعدة

لكنّ التحوّل الأبرز جاء بعد العام 2014م، وذلك تحديداً عقب سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، وإعلان ضمّها لروسيا في آذار (مارس) 2014م، إذ بدأ التقارب بين البلدين يبرز في إطار السعي لمواجهة روسيا ونفوذها المتنامي على مستوى حوض البحر الأسود، وهو ما جاء أيضاً ضمن حسابات تركية باعتبار روسيا دولة منافسة لتركيا في عدد من الساحات، كما في القوقاز، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وبالتالي فإنّ تعزيز علاقاتها مع غريمتها أوكرانيا يؤدي إلى تعزيز أوراق تركيا أمام روسيا.

أردوغان مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال زيارة أردوغان الأخيرة إلى كييف، في شباط 2020

وسرعان ما جاء الموقف والتصريحات الرسمية التركية الرافضة والمنددة بقرار الضم الروسي للقرم. وقد جاء الرفض التركي أساساً بدافع من اعتبار أنّ الجزيرة يسكنها التتار، الذين ينتمون للعرق التركي، وتأكيداً على الموقف التركي جاءت زيارة أردوغان إلى كييف في شباط (فبراير) 2015م، التي أكدّ فيها التزام بلاده بدعم "وحدة الأراضي الأوكرانية" و"السيادة الأوكرانية". وقد تكررت التأكيدات على الموقف التركي من قضية القرم في التصريحات التركية خلال الأعوام اللاحقة.

برز الاهتمام التركي، تحديداً، بإقامة العلاقات والتواصل مع شعب التتار في شبه جزيرة القرم جنوب أوكرانيا

وبالمقابل، فإنّ أوكرانيا أخذت تبادل تركيا المواقف المؤيدة لها ولسياساتها، ومن ذلك ما برز مؤخراً، مع تصاعد المواجهات المسلحة بين أذربيجان وأرمينيا، في أيلول (سبتمبر) 2020م، بإقليم "ناغورني قره باغ" في أذربيجان، حين صرّح الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، بأنّ أوكرانيا تدعم وحدة أراضي أذربيجان وسيادتها، في توافق مع موقف تركيا من الصراع. كما برز أيضاً التعاون من جانب أوكرانيا في ملاحقة وتسليم معارضين من المنتمين لجماعة فتح الله كولن، التي تصنفها الحكومة التركية بأنها "إرهابية".

شراكة اقتصادية متنامية

تأتي تركيا في قائمة أكبر 5 شركاء تجاريين لأوكرانيا، وذلك بحجم تجارة بلغ نحو (4.8) مليار دولار خلال العام 2019م، منها نحو (2.7) مليار هي إجمالي قيمة البضائع التي تستوردها تركيا من أوكرانيا. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2020م، ترأس الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي وفداً أوكرانياً رفيع المستوى، في زيارة إلى إسطنبول، والتقى نظيره التركي، أردوغان. وفي ختام الزيارة أعلن الرئيسان عن وضع هدف نحو رفع حجم التبادل التجاري ليصل إلى (10) مليارات دولار خلال الأعوام القليلة القادمة.

أردوغان يتحدث في منتدى الأعمال الأوكراني - التركي خلال زيارته إلى كييف، في شباط 2020

على صعيد الاستثمارات، تُعتبر تركيا إحدى أكبر الدول المستثمرة في أوكرانيا، وبعدد شركات يقدر بـ (600) شركة تركية عاملة في أوكرانيا، ويُقدّر حجم استثماراتها في الاقتصاد الأوكراني بنحو (2.5) مليار دولار سنوياً.

ويُقدّر عدد الرحلات التي تنفذها شركات الطيران التركية والأوكرانية بين البلدين بأكثر من 200 رحلة أسبوعياً، وكذلك تشهد الحركة السياحية ازدهاراً بين البلدين، فقد استقبلت تركيا نحو (1.5) مليون سائح أوكراني خلال العام 2019م.

التعاون الصناعي العسكري

في أعقاب أزمة القرم عام 2014م، كان القرار الأوكراني بالتوجّه نحو إيقاف الاعتماد في التسلّح على التصنيع العسكري الروسي، وهو ما لَزِمَ منه تطوير علاقات تعاون دفاعي جديدة، وكانت تركيا هي الخيار والوجهة الأولى على هذا الصعيد.

بدأ التقارب بين البلدين يبرز في إطار السعي لمواجهة روسيا ونفوذها المتنامي على مستوى حوض البحر الأسود

وضمن هذا التوجّه، شرع البلدان بتوقيع مذكّرات للتعاون في مجال التسليح والتصنيع العسكري، بداية من توقيع خطة للتعاون العسكري في أيار (مايو) 2016م، تضمّنت تحضيراً للبدء في مشاريع إنتاج عسكري مشترك، وتنفيذ مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين. وأعقب ذلك، في كانون الثاني (يناير) 2017م، توقيع البلدين بروتوكولاً للتعاون العسكري، تضمّن صفقات شراء أوكرانيا معدّات عسكرية تركية. ثم تبع ذلك، في آذار (مارس) من العام نفسه، خلال معرض "إيديف" للصناعات الدفاعية في إسطنبول، توقيع اتفاقيات إنتاج مشترك للذخائر، وتقنيات الرادار، والطائرات المسيّرة.

صاروخ "أطمجة" التركي المضاد للقطع البحرية بدأ البلدان بتطوير إنتاج مشترك له مؤخراً

ويبرز التعاون الدفاعي خاصّة على صعيد الطائرات المُسيّرة (الدرونز). فقد بدأت أوكرانيا باستخدام الطائرات المُسيّرة التركية "بيرقدار" من طراز "TB2" وأدخلتها رسميّاً في الخدمة العسكرية ضمن سلاح الجو الأوكراني منذ العام 2019م، والتي تمّ إنتاجها عبر الإنتاج المشترك بين البلدين.

وفي آب (أغسطس) 2020م، وقّع البلدان عقوداً لتصنيع شركات أوكرانية المحركات الخاصّة بصواريخ "الكروز" التركية، من نوع "أطمجة" (Atmaca)، المضادّة للسفن والغوّاصات البحرية، على أن تتزوّد البحرية الأوكرانية بها. ويأتي هذا التعاون على المستوى البحري بهدف خلق التوازن والردع العسكري مع روسيا على مستوى منطقة البحر الأسود.

برز التعاون الدفاعي بين تركيا وأوكرانيا خاصّة على صعيد الطائرات المُسيّرة (الدرونز)

بالمجمل، يمكن اعتبار هذا التقدّم النوعي في العلاقات والتعاون بين البلدين لافتاً على صعيد الاستراتيجية والسياسة الخارجية التركية، وذلك من حيث كونه يأتي في دولة تقع خارج مناطق التي توصف بكونها عمقاً استراتيجياً لتركيا، إلّا أنّ السعي التركي يبقى متجهاً نحو توظيفه باتجاه تعزيز مجمل مواقفه السياسية، وهو ما يظهر هنا مع اعتبارات  المواجهة مع روسيا في ساحات متعدّدة، من أذربيجان إلى سوريا، وصولاً إلى ليبيا.

الصفحة الرئيسية