بين المعارضة الداخلية وإصرار أردوغان .. ما مصير مشروع قناة إسطنبول؟

بين المعارضة الداخلية وإصرار أردوغان .. ما مصير مشروع قناة إسطنبول؟

مشاهدة

06/04/2021

أعاد بيان المتقاعدين العسكريين في تركيا، حول موضوع قناة إسطنبول، اتفاقية مونترو إلى الواجهة، بعد فشل الأصوات المعارضة في دفع حكومة حزب "العدالة والتنمية" ورئيسها، إلى التراجع عن طرح مناقصات لإنشاء قناة إسطنبول المائية، في ظلّ تمسك أردوغان بهذا المشروع الذي يثير مخاوف بسبب تكلفته العالية التي تستنزف موازنة الدولة ولأضراره البيئية، بالإضافة إلى إضراره بالعلاقات الدولية.

 

معارضو المشروع يعتبرون أنّ بناء القناة يقوّض اتفاقية مونترو التي تضمن حرّية عبور السفن المدنية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل

 

ومن شأن قناة إسطنبول تجاوز الوضع الحالي للمضائق التركية، التي تُعدّ السيادة التركية عليها مقيّدة نسبياً، جرّاء اتفاقية مونترو التي وُقعت عام 1936 في عهد الرئيس التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك.

معارضو المشروع يعتبرون أنه، وبمعزل عن تأثيره البيئي، يمكن أن يقوّض اتفاقية مونترو التي تضمن حرّية عبور السفن المدنية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل في السلم والحرب، وفق ما أورده موقع "أحوال تركيا".

ويؤكدون أنّ قناة إسطنبول يمكن أن تدمّر البيئة لبحر مرمرة، وإنهاء التوازن بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ورفع أسعار الأراضي المحيطة بالقناة، وزيادة عدد سكان إسطنبول المكتظة بالسكان، وتدمير مواقع أثرية يعود تاريخها إلى عام 6500 قبل الميلاد، وتدمير حوضين يزوّدان ثلث إسطنبول بالمياه العذبة.

اقرأ أيضاً: هل أغلق بايدن باب البيت الأبيض بوجه أردوغان؟

وعبّرت المعارضة في الكثير من البيانات عن تخوفها من أن يتسبّب إصرار أردوغان على تنفيذ المشروع في إغراق تركيا في مشاكل مالية أكبر، فيما تكابد للخروج من الأزمة الحالية بخيارات ضعيفة، مؤكدة أنّ عمليات الحفر ستحدث إخلالات في تماسك التربة على جانبي القناة، وتهدد مخزون المياه الجوفية، وهو ما قد يتسبب في انهيارات أرضية وحدوث زلازل، هذا بالإضافة إلى أنّ إنجاز المشروع سيستوجب قطع أشجار الغابات في الشمال على مستوى ساحل البحر الأسود، وهو أمر يهدد بانخفاض مستويات الأكسجين في المياه، وزيادة الملوحة التي ستصب في مياه بحر مرمرة، وفق دراسة أعدتها جامعة "حجي تبة" التركية.

 

قناة إسطنبول يمكن أن تدمّر البيئة لبحر مرمرة، وإنهاء التوازن بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ورفع أسعار الأراضي المحيطة بالقناة

 

وسبق لعمدة إسطنبول أكرم إمام أغلو (من حزب الشعب الجمهوري) أن حذّر من المشروع، ووصفه بأنه "كارثي سيتسبب في مجزرة بيئية".

وفي تصعيد مفاجئ لأردوغان، وقّع أكثر من 100 أدميرال متقاعد رسالة، محذّرين فيها من التهديد الذي قد يشكله مشروع قناة إسطنبول على اتفاقية مونترو، لكنّ حكومة أردوغان سارعت أمس لإيقاف 10 أدميرالات متقاعدين غداة نشر الرسالة المفتوحة، وأعلنت التحقيق معهم بتهمة "الاجتماع للمساس بأمن الدولة والنظام الدستوري"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

وفي السياق، قال المحلل في الشؤون البحرية والمستشار الدبلوماسي بول برايس: إنّ "الاتفاقية التي تهددها قناة إسطنبول كانت ضماناً لأن يشعر الجميع بالأمان والراحة، وألّا يقوم أحد بشنّ حرب أخرى للسيطرة على المضائق، من شأنها أن تكلف الكثير من الأرواح البشرية، ولكن أيضاً حتى لا تقوم تركيا باتخاذ بعض الإجراءات أحادية الجانب".

ورأى الكاتب والمحلل التركي دايفيد ليبسكا أنّ قناة إسطنبول يمكن أن تكون الإجراء الانفرادي من قبل أردوغان، الذي يقلب الاتفاقية ويثير غضب الدول الإقليمية بل ويثير الصراع.

فبالنسبة إلى روسيا مثلاً، مصدر القلق الرئيسي هو أنه إذا كانت قناة إسطنبول ستنحي اتفاقية مونترو جانباً، فمن المحتمل أن تسمح تركيا بالمرور عبر مضيق البوسفور والدردنيل اللذين يربطان البحار الخارجية بالمياه التركية الداخلية، ولكن تمنع أي مرور عبر بحر مرمرة، وتمنع بالكامل العبور عبر المضيق.

وحسب رأيه، فإنّ ذلك سيصعّد التوترات بين تركيا وروسيا؛ فهناك الكثير من البضائع الخطرة التي تمرّ عبر المضائق والتي تتخوف تركيا بشأنها، وخاصة النفط والغاز الطبيعي الروسي، ما من شأنه أن يثير القلق عندما يتعلق الأمر باحتمال نشوب صراع متصاعد.

 

القناة ستدمّر حوضين يزوّدان قرابة ثلث إسطنبول بالمياه العذبة، وستزيد ملوحة المياه الجوفية ما سيؤثر على أراضٍ زراعية

 

وهذا يفسّر سبب وجود الكثير من المعارضة التي تحذّر من أنّ بناء القناة سيؤدي إلى تقويض أمن تركيا. ويقول النائب السابق في حزب العدالة والتنمية ووزير الثقافة والسياحة التركي في الفترة من 2007 إلى 2013 أرطغرل غوناي: إنّ "دول البحر الأسود ستعترض على إنشاء القناة".

ويعتقد برايس أنّ كلّاً من الناتو وروسيا لن يكونا راضيَيْن عن المشروع، ويتوقع أنّ الأمر سيجعل تركيا في موقف صعب للغاية، فهناك قدر كبير من سوء التقدير عندما يتعلق الأمر بمشروع القناة.

ويحذّر المنتقدون، بمن فيهم رئيس بلدية إسطنبول، من تكلفة بيئية كبيرة، بما في ذلك التدمير البيئي المحتمل لبحر مرمرة، فهناك توازن بيئي دقيق بين البحر الأسود وبحر مرمرة المرتبطين حالياً بمضيق البوسفور.

وكما قال سكرتير اتحاد غرف المهندسين والمعماريين الأتراك في إسطنبول جواهر إيف أكجيليك، فإنّ ملوحة البحر الأسود أقلّ من بحر مرمرة، والمحتوى العضوي للبحر الأسود أعلى بكثير من بحر مرمرة، ونظراً إلى أنّ البحر الأسود أعلى بمقدار 50 سنتيمتراً من بحر مرمرة، فإنّ كلّاً من المستوى وكثافة الملوحة سيتغيران إذا تمّ توصيل الاثنين بالقناة.

ويقول مدير برنامج البحر الأبيض المتوسط في منظمة السلام الأخضر دينيز بيرم: "في كثير من النواحي ستقع إسطنبول، إحدى أهم المدن الفريدة في العالم، في كارثة مع هذا المشروع الذي لا يمكن التنبؤ به".

 

ليبسكا: قناة إسطنبول يمكن أن تكون الإجراء الانفرادي من قبل أردوغان، الذي يقلب اتفاقية مونترو ويثير غضب الدول الإقليمية

 

وقد انتقد اتحاد الغرف التركية للمهندسين والمهندسين المعماريين القناة بوصفها كارثة بيئية وحضرية يجب صرف النظر عنها. وشدّد على أنّ القناة ستدمّر مواقع أثرية حول بحيرة كوتشوك شكجمة يعود تاريخها إلى عام 6500 قبل الميلاد، وتضمّ أقدم دليل على وجود الحيثيين في تراقية. وأضاف: إنّ النظام البيئي للبحيرة والضروري للحيوانات البحرّية والطيور المهاجرة سيدمّر أيضاً.

وحذّر الاتحاد من أنّ القناة ستدمّر حوضين يزوّدان قرابة ثلث إسطنبول بالمياه العذبة، وستزيد ملوحة المياه الجوفية، ما سيؤثر على أراضٍ زراعية وصولاً إلى منطقة تراقية المجاورة. وذكر أنّ مشروع القناة سيزيد أيضاً مستويات الأكسجين في البحر الأسود وسيضرّ بالحياة البرية. ويعيش نحو 369 ألفاً في المنطقة التي قد تتأثر بالقناة، وفقاً لمركز تحليل البيانات التركية، وهو مؤسسة بحثية.

اقرأ أيضاً: هل يخرج أردوغان من أزماته عبر صياغة دستور جديد لتركيا؟

وتزامناً مع إعلان البدء بمشاريع قناة إسطنبول عام 2018 اشترت العائلة المالكة في قطر، أحد أقرب حلفاء تركيا وداعم مالي رئيسي لها، أكثر من 44 ألف متر مربع على طول مسار القناة المخطط لها، ويملك صهر أردوغان وزير المالية السابق بيرات البيرق أراضي على طول القناة المقترحة، ومن المتوقع أن يشارك العديد من الشركات التركية القريبة من حزب العدالة والتنمية في البناء، الأمر الذي سيشجع هذه الحكومة على مواصلة استخدام مشاريع البناء الكبيرة لكسب الأصدقاء وملء الخزائن، وفق ما أوردت صحيفة العرب اللندنية.

ويصرّ أردوغان على إتمام مشاريعه التي يصفها بـ"الجنونية"، ويزعم أنّ القناة ستحدّ من الضغط على مضيق البوسفور وستحول دون وقوع الحوادث فيه.

وتجادل الحكومة بأنّ المشروعات المعلنة ستوفر إيرادات سنوية ضخمة وفرص عمل جديدة لعشرات الآلاف من الأشخاص في سوق العمل، مشيرة إلى أنّ توقعاتها لإيرادات قناة إسطنبول تقدر بنحو 8 مليارات دولار سنوياً من رسوم المرور التي تدفعها السفن.

وحسب "روسيا اليوم"، سوف تعترض على قناة إسطنبول الدول التي ستؤدي القناة إلى تقليل استفادتها من الامتيازات التي نالتها من اتفاقية مونترو، وهي الدول المطلة على البحر الأسود، وفي مقدّمتها روسيا.

اقرأ أيضاً: أوغلو يهاجم أردوغان وحليفه... لماذا؟

وقد وُقّعت اتفاقية مونترو في سويسرا عام 1936 بمشاركة الاتحاد السوفيتي وتركيا وبريطانيا وفرنسا واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا، وتتضمن 29 بنداً و4 ملحقات وبروتوكولاً.

وأعلنت الاتفاقية حرّية المرور عبر مضائق البحر الأسود للسفن التجارية في أوقات السلم والحرب، وسمحت بمرور السفن الحربية لدول حوض البحر الأسود بدون أي تحديد.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن سابقاً أنّ اتفاقية مونترو لن يتمّ تطبيقها على "قناة إسطنبول" المخطط لها، وأوضح وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو أنّ المشروع لا يهدف إلى انسحاب تركيا من اتفاقية مونترو.

الصفحة الرئيسية