بنت الشاطئ: من ضفاف الهامش إلى آفاق الريادة

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية

648
عدد القراءات

2018-05-21

على شاطئ دمياط الفرع الغربي لمنتهى مياه النيل في البحر المتوسط وعت خطواتها الأولى، قبل أن تدرك سر الخوف الذي كان يجتاح وجدان أمها كلما أحست في فلذة كبدها حبها لذلك النهر الذي خلّف والدتها يتيمة الأم، ورغم التقاطها خيوطاً خفية من تلك المأساة كانت تتسلل من الرقابة المفروضة عليها إلى ذلك الشاطئ الذي كان يشدها بقوة لم تقو على مقاومته؛ بل اختارت أن يعرف الناس به "عائشة بنت الشاطئ".

 

ولدت عائشة بنت العالم الأزهري المدرس بالمعهد الديني بدمياط محمد علي عبد الرحمن الحسيني العام 1912 في بيت جدها لأمها الشيخ إبراهيم الدمهوجي، ولطالما تمنى والدها أن يمنحه الله ولداً يورثه علمه، فلما رزق بابنته الثانية عائشة نذرها للتعليم الديني، فكان ينتزع تلك الطفلة من ملعب حداثتها قبل أن تفك عنها تمائم الصبا ليصحبها معه في مجالس العلم والشيوخ، حتى إذا بلغت الخامسة أسلمها إلى شيخ كتاب قريته "شبرا بخوم" بمحافظة المنوفية لتحفظ القرآن من مطلع الشمس إلى صلاة العصر طوال أشهر الصيف الأربعة التي كانت تقضيها العائلة في القرية كل عام.

في العام 1920م بعد إتمامها حفظ كتاب الله عادت إلى دمياط لكنها لم تجد صديقاتها لمشاركتها اللعب على شاطئ النهر كما اعتادت، لتفاجأ بهن وقد التحقن بمدرسة اللوزي الأميرية للبنات يتباهيهن أمامها بأزيائهن الأنيقة، وكتبهن وأدواتهن المدرسية، وسحرن براءة طفولتها بالحديث عن "الأبلوات" اللطيفات وقاعات الدرس المزينة بالصور و"دادة أم حبيبة" التي تبيع لهن الحلوى.

شغف بالعلم

ملك كلام صويحباتها شغاف قلبها، لكن والدها المحافظ لم يعبأ بتوسلاتها للالتحاق بهن، وأمرها بتلاوة سورة الأحزاب حتى أوصلها لقوله تعالى: "يا نساء النبي لستنّ كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض..."! لازمتها أشهر من الحسرة والكآبة حتى أشفقت أمها لحالها ولجأت إلى جدها الشيخ الدمهوجي الذي كان يكن للصغيرة عاطفة جياشة، ورغم أنّه أميّ إلا أنّه كان رجلاً حكيماً فطناً محباً للعلم، واعتاد أن يجلس بجانبه حفيدته الأثيرة على قلبه لتطالع له أخبار الصحف وليملي عليها مقالات تنشر باسمه.

تمكن الجد بشق الأنفس من طي عناد الوالد الذي وافق بشرط أن تتابع دروسها الدينية في البيت وأن تنقطع عنها بمجرد إدراكها سن البلوغ لتعود إلى مكانها الطبيعي مع الحريم، فاصطحبها جدها إلى المدرسة وقدم أوراقها باعتباره ولي أمرها، وكان ذلك في أواخر العام الدراسي، وبدأ يظهر تفوقها ونبوغها على قريناتها.

خلفت بنت الشاطئ ما يزيد على 40 كتاباً في الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية

تقول عن تلك التجربة: "لم أكن أدري كنه هذه القوة القاهرة التي تدفعني إلى أن أحيد عن الطريق الذي حدده لي والدي، وأعدتني له بيئتي، إلى ذلك الطريق المضاد الذي يصل إلى الجامعة وهي التي ينفر قومي من مجرد سماع اسمها، ويرثون لكل من جذبت إليها من الطلاب، وكأنها بدعة منكرة أو رجس من عمل حزب الشيطان".

تابعت عائشة تعليمها بضغط من الجد في "المدرسة الراقية" حتى بلغت الثالثة عشرة، وانتهزت فرصة غياب والدها عن دمياط لتتقدم بأوراقها إلى مدرسة المعلمات في المنصورة متسللة برفقة أمها، واضطرتها الظروف إلى الدراسة في المنزل، ورغم ذلك حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات العام 1929 بترتيب الأولى على مصر، ثم الشهادة الثانوية العام 1931، لتلتحق بجامعة الملك فؤاد (القاهرة) وتتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية العام 1939.

الوجه الإسلامي المعاصر

في عامها الثاني بالجامعة كان أهم تحولات حياتها عندما التقت أستاذها وأكثر المؤثرين في حياتها الشيخ "أمين الخولي" صاحب الصالون الأدبي والفكري الشهير بـ "مدرسة الأمناء" وأحد أهم رواد النهضة الفكرية والثقافية في مصر آنذاك، وتزوجته بمجرد تخرجها بعد قصة حب صوفية خلّدتها في سيرتها الذاتية "على الجسر"، تقول واصفة لقاءها الأول به "كأني قطعت العمر أبحث عنه في متاهة الدنيا وخضم المجهول.. انصرفت من درسه الأول عام 1936 وأنا أحس بأني ولدت من جديد". أنجبت منه ثلاثة أبناء وهي تواصل مسيرتها العلمية إلى الدكتوراه العام 1950 بدرجة امتياز التي ناقشها فيها الدكتور طه حسين، وكان يوماً مشهوداً في الحياة الأدبية بالقاهرة، لتغدو إثرها أول امرأة تحاضر في الأزهر.

بدأ معها لقبها الذي شهرت به "بنت الشاطئ" وهي ابنة 18 عاماً عندما أخذت تكتب في جريدة النهضة النسائية تحت هذا الاسم تجنباً لإثارة حفيظة والدها، وبعد عامين توجهت إلى جريدة الأهرام التي استمرت فيها حتى وفاتها العام 1998، وكانت ثاني امرأة تكتب فيها بعد مي زيادة.

مسيرة امرأة تمكنت من عبور جسر الأشواك لتبلغ أوسع آفاق العلم والريادة واجتياز ضفاف الهامش الذي أعده لها مجتمعها الذكوري

تبنت "الوجه الإسلامي لمصر" - كما وصفها محمد حسنين هيكل- منهج الخولي الاستقرائي في كتاباتها عن التراث واللغة والدراسات القرآنية؛ حيث برعت في إبراز دور اللغة العربية في كتابها الأشهر "التفسير البياني للقرآن الكريم" العام 1962 الذي زاوجت فيه بين العقل والنقل، فكانت بذلك أول امرأة تخوض هذا المجال الذي كان حكراً على الرجال، وتلمست في تفسيرها الدلالات اللغوية الأصلية في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية بعيداً عن شطط التأويلات، باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها، وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كلّه التماساً لسرّه البياني.

ويتجلى أيضاً منهجها هذا في تصديها لموجة المغالاة في الإعجاز العلمي للقرآن التي اجتاحت سبعينيات القرن الماضي وكان أبرز رموزها الدكتور مصطفى محمود؛ حيث خاضت معه على صفحات "الأهرام" مساجلات طويلة رداً على كتابه "القرآن: محاولة لفهم عصري"، ورأت فيها أنّه لا بد أن يكون فهمنا لكتاب الله محرراً من كل الشوائب المقحمة والبدع المدسوسة.. ونتقي أخذة السحر، وفتنة التمويه، وسكرة التخدير"، متسائلة "كيف يمكن لشخص واحد أن يخرج للناس من "جراب القرآن" طرائف وغرائب من كل علوم العصر، ومعها مكتشفات من مجاهل الميتافيزيقا، والاستاتيكا والجيولوجيا وعلمطبقات الأرض!".

النقاش:إنّها أول من نظم قصيدة النثر، لكنها فضلت أن تخفيها لتبقى باحثة في التراث العربي والإسلامي

تقول عنها الدكتورة فريدة النقاش إنّها أول من نظم قصيدة النثر، لكنها فضلت أن تخفيها لتبقى باحثة في التراث العربي والإسلامي، وإلى جانب كونها شاعرة وأديبة ناقدة متميزة كما يظهر في التراث الضخم الذي تركته، كانت بنت الشاطئ في مقالاتها من أهم المناضلين نصرة للريف والفلاح ومنحه حقوقه وتوفير الحياة الكريمة له، ومحورت حول ذلك كتابها الأول "الريف المصري" الذي ألفته في سنتها الجامعية الثانية. كما عنيت بقضية المرأة وتعليمها واحترامها بمنطق إسلامي وحجة فقهية أصولية، وناقشت قضية الاختلاط والحجاب وخاضت في ذلك جدالاً مشهوداً أبرزه مع عباس محمود العقاد.

كانت عائشة، أول عربية تفوز بجائزة "الملك فيصل" للآداب والدراسات الإسلامية مناصفة مع الدكتورة وداد القاضي عام 1994، كما حصلت على العديد من الجوائز منها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1978، وجائزة الحكومة المصرية في الدراسات الاجتماعية، والريف المصري العام 1956، ووسام الكفاءة الفكرية من المملكة المغربية، وجائزة الأدب من الكويت العام 1988، كما منحتها العديد من المؤسسات الإسلامية عضويتها مثل مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة.

إسهامات ثرية

بجانب إسهاماتها البحثية والأكاديمية والتعليمية، خرّجت أجيالاً من العلماء والمفكرين منذ تعيينها أستاذاً للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة القرويين بالمغرب لعشرين عاماً، حتى إشغالها أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس، وعملت بينهما أستاذاً زائراً في جامعات أم درمان والخرطوم، والجزائر، وبيروت، وجامعة الإمارات، وكلية التربية للبنات في الرياض.

كانت عائشة، أول عربية تفوز بجائزة "الملك فيصل" للآداب والدراسات الإسلامية مناصفة مع الدكتورة وداد القاضي عام 1994

خلفت بنت الشاطئ ما يزيد على 40 كتاباً في الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية، أبرزها: القرآن وقضايا الإنسان، وتراجم سيدات بيت النبوة، وتحقيق العديد من النصوص والوثائق والمخطوطات، ولها دراسات لغوية وأدبية وتاريخية أبرزها: نص رسالة الغفران للمعري رسالتها في الدكتوراة، والخنساء الشاعرة العربية الأولى، ومقدمة في المنهج، وقيم جديدة للأدب العربي، ولها أعمال أدبية وروائية أشهرها "بطلة كربلاء" عن السيدة زينب بنت على بن أبي طالب، إلى جانب سيرتها الذاتية الذي كتبتها بعد وفاة زوجها العام 1966 بأسلوبها الأدبي المشبع بالعاطفة والحب لشخص أمين الخولي وأثره في حياتها، كما يظهر جلياً في مقدمتها "على الجسر ما بين الحياة والموت، أقفُ حائرة ضائعة في إثر الذي رحل. أطل من ناحية فأجده ملء الحياة، وألمحُ طيفه الماثل في كل مَنْ حولي، وما حولي من معالم وجودنا المشترك، وأتتبع آثار خطاه على دربنا الواحد، وأميزُ أنفاسه الطيبة الذكية في كل ذرة من هواه أتنفسه".

عاشت بنت الشاطئ ألم الوحدة والفراق بعد رحيل زوجها وفقدانها ابنها وابنتها، وهجرة ابنتها الثالثة مع زوجها، فوهبت ما تبقى من حياتها للعلم، ولم يتوقف عطاؤها حتى آخر مقال كتبته يوم 26/11/1998م بالأهرام قبل وفاتها بأربعة أيام، مسدلة الستار على مسيرة امرأة تمكنت من عبور جسر الأشواك لتبلغ أوسع آفاق العلم والريادة واجتياز ضفاف الهامش الذي أعده لها مجتمعها الذكوري.

اقرأ المزيد...

الوسوم: