"بلاد الجوع أوطاني" ...

"بلاد الجوع أوطاني" ...

مشاهدة

05/04/2021

عنوان المقالة تحريف مقصود لصدر بيت من نشيد قومي صدحت به حناجر عربية من المحيط إلى الخليج، وربما حفظه الصغار والصغيرات في معظم المدارس العربية؛ القصد من هذا التحريف هو التنبيه إلى واقع الحال في البلدان العربية، التي حكمها قوميون أو إسلاميون فجعلوها أوطاناً للقمع والظلم والجور والبؤس والفقر والجهل، وجعلوها أخيراً أوطاناً للجوع والذل والموت ... أحوال العراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين والليبيين والسودانيين .. تقول ذلك وأكثر، بدون أن يضطرب ميزان العروض، فيتعكر مزاج الخليل بن أحمد الفراهيدي.

اقرأ أيضاً: "أولادي رح يموتوا من الجوع": صرخة لاجئة فلسطينية في وجه "الأونروا"

الفقر ظاهرة عالمية وتاريخية رافقت الإنسان، منذ أقام أول شخص في التاريخ سوراً حول قطعة من الأرض وقال هذه لي، حسب تعبير جان جاك روسو؛ أي منذ ظهور الملكية الخاصة والتقسيم الجنسي للعمل بين النساء والرجال، ثم التقسيم الاجتماعي للعمل، وما نتج عنه من ظلم وجور في توزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، وفي توزيع السلطة أيضاً. ولا يمكن إغفال أثر الجهل والوهن وقلة الحيلة في الفقر والعوز وأثر المرض أيضاً.

النخب والأحزاب القومية والإسلامية، التي حكمت بلداناً غنية بشعوبها ومواردها الطبيعية حولت هذه البلدان إلى مزارع خاصة ومراتع للنهب والفساد

غير أنّ المجتمعات الحديثة والدول الحديثة تعمل جاهدة على تطويق هذه الظاهرة والحد من آثارها، ولا سيما على الأطفال والطفلات وعلى النساء الحوامل والمرضعات، فلا يخلو أي مجتمع حديث من إجراءات وآليات للحد من الفقر والحد من آثاره، وتحسين نوعية الحياة الاجتماعية وتحسين مستواها، ما يجعل بلاد العرب ودولهم استثناء.

فللفقر في بلاد العرب أسباب إضافية زادت من تعقيد هذه الظاهرة العالمية والتاريخية، ودفعتها إلى مستوى الجوع، بالمعنى الحرفي للكلمة، حتى صار يمكن الحديث عن مجتمعات جائعة، فقدت مناعتها الصحية حيال عوامل المرض وعوامل الضعف والوهن، وفقدت، بالتالي مناعتها الاجتماعية حيال التفاوت الاجتماعي وما ارتبط به من استبداد وظلم وجور وفساد، وفقدت مناعتها الوطنية ومناعتها الأخلاقية.

اقرأ أيضاً: حين عضّ الجوعُ السوريين في السويداء فهتفوا "بدنا نعيش"

النخب والأحزاب القومية والإسلامية، التي حكمت بلداناً غنية بشعوبها ومواردها الطبيعية حولت هذه البلدان إلى مزارع خاصة ومراتع للنهب والفساد، وحولت شعوبها إلى جماعات متباغضة تابعة لميليشيات مسلحة وخاضعة لإراداتها، كما هي الحال في العراق وسوريا ولبنان؛ فالحكومة العراقية، على سبيل المثال لا تستطيع أن تنجز أي مهمة من المهام التي تألفت للقيام بها، ولا سيما معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية المنهارة، بسبب سيطرة المليشيات المسلحة التابعة لأحزاب طائفية، ولبنان الذي يحتاج إلى حكومة إنقاذ لتدارك الكارثة الاجتماعية والاقتصادية والمالية والمعيشية رهينة لدى حزب الله وحركة أمل والتيار العوني، فقد انفجر مرفأ بيروت ودمر ثلت مدينة بيروت التي كانت قبلة العرب كافة ولم يرف جفن أي واحد من الطغمة الفاسدة، التي ثار عليها اللبنانيون واللبنانيات فازدادت صلفاً. وسوريا التي يكابد شعبها الأمرين منذ عشر سنوات صارت فريسة للجوع والأوبئة وصار اثنا عشر مليون نسمة يحتاجون إلى مساعدة دولية، والفاسدون وتجار الأزمات وأغنياء الحرب ماضون في مراكمة ثرواتهم وتهريبها إلى خارج البلاد، والسلطة غارقة في عسل الانتصار على المؤامرة الكونية، وتطعم جمهورها تبن الشعارت.

اقرأ أيضاً: الحوثيون يضعون صنعاء تحت وطأة الجوع

كشفت ثورات "الربيع العربي" في بعض البلدان العربية، التي استعادت شعوبها حق الكلام؛ كشفت عن الهوة التي تفصل النخب القومية والإسلامية الحاكمة عن شعوبها، وكشفت ما كانت تخفيه الحكومات من ظلم واستبداد تحت الشعارات القومية والإسلامية، فلم يعد خافياً على أحد كيف اتجهت الأنظمة الشمولية بالتعاون مع القوى الخارجية، وفي مقدمتها إيران وروسيا الاتحادية، إلى تحويل الثورة إلى حرب هوجاء في سوريا ولبنان والعراق، وحولت الشعوب لا إلى جماهير توتاليتارية حسب تعبير "حنة أرندت"؛ إنما حولتها إلى كائنات بيولوجية تُعنى باحتياجاتها الطبيعية فقط حفاظاً على البقاء.

تمتلك سوريا، على سبيل المثال، من الثروات الباطنية والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ما يجعلها ثاني أغنى دولة على مستوى العالم العربي، في حين الشعب السوري يعاني من الفقر وتردي الأحوال الصحية بسبب الفاقد الغذائي والدوائي؛ فالسلطة هي المتحكمة بالموارد الاقتصادية والثروات الوطنية. في دراسة أجراها "المركز السوري لبحوث السياسات" عام 2014، أوضحت أنّ نسبة 80% من الشعب السوري تعيش تحت خط الفقر، وذلك بسبب انخفاض سعر الليرة السورية أمام النقد الأجنبي، وارتفاع الأسعار الذي تضاعف عشرة أضعاف في العام الماضي والعام الحالي 2020، و 2021، مع أنّ المرتبات الشهرية للموظفين في مؤسسات الحكومة والقطاعات الخاصة لم تزل على حالها منذ اندلاع الأزمة السورية، ماعدا بعض المنح أو (المكرمات)، كما يطلق عليها بعض الأفراد الموالين للسلطة، وتُمنح لمرة واحدة في العام.

من الثروات التي تمتلكها سوريا؛ حقول الفوسفات في ريف حمص، وتصنف من أكبر حقول الفوسفات في العالم، لكن الحكومة فوضت إيران باستثماره لمدة خمسين عاماً قادمة

من الثروات التي تمتلكها سوريا؛ حقول الفوسفات في منطقة "خنيفيس" في ريف حمص، وتصنف من أكبر حقول الفوسفات في العالم، لكن الحكومة فوضت إيران باستثماره لمدة خمسين عاماً قادمة، بموجب اتفاقيات اقتصادية بين الحكومتين، وتلك الاتفاقية هي واحدة من عشرات الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة بين الدول الحليفة للسلطة والحكومة السورية، ومنها أيضاً اتفاقية استثمار مرفأ طرطوس لصالح روسيا لمدة تسعة وأربعين عاماً قابلة للتجديد، في حين يعزو المسؤولون الأزمة الاقتصادية إلى قانون قيصر الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على أشخاص معينين كانوا قد تورطوا بالفساد ونهب الثروات الوطنية.

اقرأ أيضاً: تعرف على ترتيب الدول العربية ضمن مؤشر الجوع العالمي

 التجويع والتخويف والترويع والإرهاب أدوات سياسية من أدوات الحكم في "بلاد العرب أوطاني"، الشبيحة الصغار والكبار لا يخفون ذلك، والناس لا حول لهم ولا طول. الأرجح، كما كتبت رشا الأطرش، "ألا تقوم، في المدى المنظور في لبنان، انتفاضة جياع حقيقية. فمقوماتها المُجدية، أو ما يؤهلها لإحراز أي نتائج والمراكمة عليها، لا يتوافر منه الآن إلا الهوان والغضب. الشحّ يطاول عمق المأساة نفسها. لكننا سنرى النسخة المنظّمة منها. سنرى عنف الجوع، قتلاه بالرصاص والعصي ودَوس الأقدام. سنرى غاضبيه، لصوصه، بلطجيته، وهؤلاء سيصبحون فئة بذاتها، غير مُرتزقة الأحزاب وبلطجية المصارف" والحال في سوريا والعراق أمرّ وأدهى.

الصفحة الرئيسية