بعد 10 سنوات من اندلاعها: هل أكلت الثورة التونسية أبناءها؟

بعد 10 سنوات من اندلاعها: هل أكلت الثورة التونسية أبناءها؟

مشاهدة

17/12/2020

تمر اليوم الذكرى العاشرة لـ "ثورة الحرية والكرامة"، التي انطلقت أحداثها في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، بسيدي بوزيد، لتنهي 23 عاماً من حكم الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي، وتمنح  للتونسيين مساحةً كبيرة من الحرية، لكنّ الشباب الثائر لم يكن يعرف أنّ قطار الثورة سينتهي به إلى مزيد من البطالة والفقر والتهميش، خاصّةً في المحافظات التونسية التي كانت مهداً للثورة، على غرار محافظة سيدي بوزيد ومحافظة القصرين.

اقرأ أيضاً: برلماني حليف للغنوشي يهين نساء تونس ويصف بعضهن بالعاهرات

وتتباين مواقف الشباب التونسي في تقييمه للثورة؛ بين من يرى أنّ الحريات والتداول السلمي على الحكم هما المكسبان الوحيدان اللذان تحققا؛ حيث لم يتغير الشيء الكبير في حياة التونسيين الذين سئموا الانتظار، في المقابل يرفض الكثير من المواطنين أن يسمّونها ثورة، ويرون أنّها "مجرد انتفاضة" منقوصةٍ غيّرت حال البلاد، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، إلى الأسوأ.

 ويستشهدون بما آلت إليه الأوضاع داخل قبة البرلمان من عنف متزايدٍ، وانتشار الإرهاب، وارتفاع نسب البطالة والفقر، ومعدلات الانتحار والهجرة عبر قوارب الموت.

وعود كاذبة مبطنة بدعوات انتخابية

الزلزال السياسي الذي أحدثته رياح ثورة 2011، حصدت ثماره الأحزاب والطبقة السياسية التي تتحارب فيما بينها من أجل المناصب والحقائب الوزارية، فيما ظلّ شبح الفقر والبطالة يلاحقان التونسيين، وبقي المستقبل الاقتصاديّ للبلد غامضاً.

فشل الحكومات المتعاقبة في تونس يعود إلى تبنيها منوالاً اقتصادياً شبيهاً بنظام المخلوع بن علي، وهو ما أدّى إلى ارتفاع نسبة المديونية، والبطالة والفقر

ويجمع العديد من السياسيين على أنّ البرلمان بات أكثر سوءاً؛ حيث أعطى انطباعاً سيئاً عن السلوك السياسي للنخبة السياسية الجديدة، ولم يعد منبراً لطرح القضايا الحقيقية للشعب، محمّلين إياه مصير البلاد وكل الإخفاقات التي شهدتها، حيث ارتفع سقف المطالب الاجتماعية وسط حالة غضبٍ واسعة وغير مسبوقة، في الشارع التونسي.

اقرأ أيضاً: تونس على طاولة المحور القطري التركي.. كيف؟

 وفي هذا الجانب، يرى المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، في تصريح لـ "حفريات"؛ أنّ النخبة السياسية التي جاءت بعد 2011، ساهمت في تكوين رؤية سلبية لدى المواطنين، فهي كانت تُغرق متابعيها بالوعود الوهمية التي يصعب تفعيلها، وهو ما أضعف المناخ السياسي في تونس، وولّد الخيبة والإحباط لدى التونسيين.

المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي

وقال إنّ هذا الإحباط شمل أيضاً النخبة التي ساندت الثورة وآمنت بها، خاصة بعد أن حطّمت آمالاً كثيرة، في تحقيق مكسب الشغل وتحقيق التمييز الايجابي بين الجهات على أساس العدالة الاجتماعية، والتقسيم العادل للثروات.

 ويضيف الجورشي أنّ الزلزال السياسيّ الذي هزّ عرش النظام السابق، أعطى التونسيين الحقّ في معاقبة السياسيين عبر صناديق الاقتراع، بقطع النظر عن الإصلاحات المخيّبة للآمال، والمطالب التي لم تتحقق، لأنّ روح الثورة لم تمت بعد في قلوب الشباب التونسي.

اقرأ أيضاً: من بينها الخضوع للمرشد: عوائق تصنيف إخوان تونس "جماعة إرهابية"

 ويرى الكثير من الشباب الذين أجرت "حفريات" لقاءات معهم؛ أنّ "الحناجر التي تصدح بهتاف "شغل.. حرية.. كرامة وطنية"، ستكمل مسارها الثوري لبناء تونس التي تتسع للجميع، والتي ستحقق كرامة وأمن التونسيين، من منطلق أنّ السلطة ستبقى ملكاً للشعب".

خيبة أمل من الطبقة السياسية

 ويستقبل أهالي المحافظات الداخلية، كالقيروان وسيدي بوزيد والقصرين، بخيبة أمل متزايدة، شهر كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) من كلّ عام؛ حيث ما يزال المشهد يكرّر نفسه من اعتصامات أمام المقرات الحكومية، وشعارات ومطالب اجتماعية دُفنت كشهداء الثورة وجرحاها، دون أن تحقّق شيئاً من العدالة.

المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي لـ "حفريات": النخبة السياسية بعد 2011، ساهمت في تكوين رؤية سلبية لدى المواطنين، وأغرقتهم بالوعود الوهمية التي يصعب تفعيلها

وتبقى شكواهم معلّقة دون ردّ من الحكومات التي تعاقبت، حيث تعدّ حكومة هشام المشيشي الحكومة الثالثة عشر، منذ أحداث 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، والسابعة بعد انتخابات 2014؛ إذ ازداد الوضع سوءاً على جميع المستويات.

ويقول رضا الشعباني، أحد المعطلين عن العمل بمحافظة القصرين، في تصريح لـ "حفريات": إنّ "الحكومات تطالب الشباب الذي يتظاهر من أجل التشغيل والتنمية العادلة، بمزيد من الصبر، في الوقت الذي تغلق فيه باب الانتدابات"، واصفاً ذلك بـ "التناقض والتلاعب الحكومي"، ما يؤكد أنّ مطالب الثورة وتحسين وضعيات الشباب مجرد شعارات سياسية.

رضا الشعباني

ويتابع: "حتى المكاسب التي اعتقدنا أنّنا حققناها بعد الثورة، على مستوى الحريات الفردية والسياسية، كالتعددية والحرية، باتت مهدّدة اليوم، في ظلّ سياسات اليمين الرجعي، الذي يحاول فرض برنامجه الديني في البلاد"، مضيفاً: "فشل المنظومة الحاكمة منذ الثورة في إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فاقم الأزمة".

من جانبه، أبلغ الناشط السياسي، فيصل العليمي، "حفريات"؛ أنّ "الحلّ يكمن في تغيير النظام السياسي ككلّ، برحيل الجمهورية الثانية التي جاءت بعد ثورة 2011، والتي عجزت سياسياً واجتماعياً في إدارة البلاد"، معتبراً أنّ "الحلّ يتمثل في إنشاء جمهورية ثالثة تجمع بين تحسين الوضعيات الاجتماعية والحقوق والحريات السياسية".

هل تلوح ثورة جديدة في الأفق؟

هذا وارتفعت حدّة الاحتجاجات في تونس خلال الأشهر القليلة الماضية، وتنوّعت أشكال الاحتجاج؛ من مسيرات، ووقفات احتجاجية، وإضرابات رفع خلالها المحتجون المطالب نفسها التي رفعوها قبل أعوام، وهي التنمية والتشغيل.

وأكّد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية)، أنّ كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ الانفجار الاجتماعي متواصل في تونس، وأشار في آخر دراسةٍ له حول الوضع الاجتماعي، إلى ارتفاع عدد التحركات الاجتماعية خلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، التي بلغ عددها 1025 تحركاً احتجاجياً.

اقرأ أيضاً: فوضى البرلمان في تونس تعيد التوتر بين الرئيس سعيد وحركة النهضة

كما عاشت 3 محافظات تونسية، بين شهرَي تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر)، على وقع إضراب عام وهي: محافظة القيروان (وسط غرب تونس)، وقفصة (جنوب تونس)، وجندوبة (شمال غرب تونس).

وتقود القراءة في مسار الثورة الفرنسية والروسية إلى استنتاج أنّ كلّ الثورات تفشل في البداية، بسبب الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة؛ حيث إنّ نجاحها يتطلب أعواماً كثيرة، وربما حتى ولادة قيادات جديدة، وقد يتطلب الأمر خروج الناس للانتفاض مجدداً، حينها ستكون النتائج مختلفة.

في هذا السياق؛ يرى  المحلل السياسيّ، عبد الجبار المدوري، أنّ فشل الحكومات المتعاقبة في تونس يعود إلى تبني هذه الحكومات منوالاً اقتصادياً شبيهاً بنظام المخلوع بن علي، وهو ما أدّى إلى ارتفاع نسبة المديونية، والبطالة والفقر.

المحلل السياسي عبد الجبار المدوري

ويتوقع المدوري أن تقود حالة الاحتقان التي يشهدها الشارع التونسي إلى إسقاط الحكومة الحالية، بشكل قد يكرر أحداث الثورة الشعبية التلقائية، التي اندلعت عام 1917، بسبب جوّ الإحباط العام الذي كان سائداً في روسيا القيصرية، نتيجة انتشار الفقر والجوع، مما أدّى بالناس إلى النزول إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم، وكان شعارهم الوحيد آنذاك "أعطونا الخبز"!

الصفحة الرئيسية