المرأة في خطاب اللامساواة: العفة القهرية وعنف الفقهاء

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري

1989
عدد القراءات

2018-05-06

يضيء كتاب "امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللامساواة في المدونة الفقهية"، للباحثة اللبنانية، ريتا فرج، مساحة شديدة الالتباس والغموض، عن واقع المرأة العربية. يحفر وراء بنائها الوجودي، وعناصر تكوينها؛ الاجتماعي والسياسي والمعرفي، والعوامل المؤسسة لحضورها أو غيابها، تمددها وانكماشها.

ويتبدّى من العنوان، العتبة الأولى للنص، أنّه يقبض على أنموذجين للمرأة؛ بينهما تناقض، أو بالأحرى فيهما اختلاف، وينتسب كلاهما لطرف مغاير.

وتطرح الباحثة رؤية جادة في كتابها، الصادر عن دار التنوير، الذي يقع ضمن حقل الدراسات الجندرية، عن تلك الحالة، التي تتعين فيها المرأة داخل النص الديني، من ناحية، وفي المدونة الفقهية وكتب التراث، من ناحية أخرى؛ حيث عمدت إلى تفكيك الخطاب الديني، الذي أنتجه الفقهاء والمؤسسة اللاهوتية، عبر التاريخ، بما يكشف انحرافاتها وسلطويتها، المرتبطة بتكريس الهيمنة الذكورية، السياسية والطبقية، واحتكارها للحقيقة والمعرفة الدينية في آن.

ريتا فرج

الخطاب الأصولي وتحجيب المرأة

تمضي فرج نحو قراءة الخطاب الأصولي، التاريخي والمعاصر، الضاغط بأدواته المعرفية المهيمنة على تكريس صورة الأنثى، التي يحصرها قط كوعاء للمتعة، ويراها "فضاءً بارداً قابلاً للتلقي"، و"وعاءً فارغاً يجلب المتعة الجنسية للرجل"؛ تلك الإحالات والإشارات، تعكس، وفق أحد أبواب الكتاب، حالة من التراتب الماهوي، بين الرجل والمرأة، فتعاني من التهميش والانزواء، وتظلّ في موقع التابع لرأس "القبيلة"، ومن ثم، يحتل مركزية العالم وبؤرة الفاعلية.

وكرست تلك الرؤية القبلية، وضع الرجل الذي هو سيف القبيلة ورمحها، وبالتالي، مركزها، والمرأة بعض متاعه بالتبعية.

كرست الرؤية القبلية، وضع الرجل الذي هو سيف القبيلة ورمحها، وبالتالي، مركزها، والمرأة بعض متاعه بالتبعية

وفي مقابل هذه الزعامة الذكورية، انعكاساً للفهم البدوي للحب والجنوسة كمنفعة، سيطرت اللغة العنيفة، في مدونات الفقهاء، التي صادرت عقل المرأة ومشاعرها، وأحالت جسدها إلى مجرد حقل جنسي.

ولئن اعتبرت فرج أنّ عودة الديني للمجتمعات العربية، وإحياء التقاليد القديمة، يعبر عن فشل عوامل التحديث المجتمعي، وانعدام النظر بعين الحداثة والعلم، لمشكلاتنا الثقافية والمادية، فإنّها تعري واقع المجتمعات العربية/ الإسلامية، التي ترزح تحت تأثير الخطاب الفقهي التقليدي، وسطوة تأثيراته الممتدة، تحت وطأة الانسداد التاريخي والانغلاق المجتمعي، وفشل عمليات التحديث، التي حالت دون تخطي الإرث القبلي، الذي ساهم بقوة في إنتاج عنف فقهي، في تعامله مع المرأة، وتالياً طرح القراءة الذكورية للنص القرآني، الذي أدى إلى تأسيس نظرة تتمركز كلها، حول التمتع بالجسد الأنثوي، ونفي أي فاعلية له، في المجال الديني، والنشاط المجتمعي والسياسي، وهو ما يخالف المساواة التي منحها النص القرآني، للرجال دون أن يؤسس لأي تمييز أنطولوجي بينهما.

خلاصات فقهية حصرت المرأة في باب الغواية والفتن

تأويل عصابي تجاه المرأة

تنطلق الباحثة من فرضية أساسية، وهي تجذر امرأة الفقهاء المقموعة؛ بسبب الخلاصات الفقهية، التي أتى بها المتأخرون، فحصرت المرأة في باب الغواية والفتن. وتناقش كل نموذج وفق الأسس البنيوية التي أنتجتها، والعوامل الاجتماعية والرمزية لها، وآليات الصراع التي جعلت نموذج بعينه، يسود وقائم بفاعلية في التاريخ، وآخر مهمش ومضمر.

تعود صاحبة "العنف في الإسلام"، إلى أول مدونة في تاريخ الجنسانية العربية الإسلامية، وتنبش داخل المصادر العربية التراثية القديمة؛ كالتي ألفها جلال الدين السيوطي وابن تيمية، للوصول إلى معلومات كاشفه عن مفاهيم الخطاب الجنسي، وآليات الإحساس بين الذكر والأنثى، وقمع هذا الخطاب عبر ثنائية الإباحة والتحريم، ومركزية الوعي الذكوري فيه.

واعتبرت الباحثة أنّ الموروث القبلي، في المجتمعات العربية، كان الشرط الذي تولد عنه هذا المتخيل الجنسي، الذي جعل ابن تيمية يتحدث عن ختان المرأة على أنّه تعديل شهوتها، بحسب وصفه: "فإنها إن كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر".

وفي المقابل، فإنّ ختان الرجل، المقصود منه، بحسب ابن تيمية أيضاً، والذي يحمل تمييزاً ظاهراً، هو تطهيره من النجاسة المختفية في القلفة. وتعتبر المؤلفة استفاضة المنظومة الفقهية والأدبية، في آداب النكاح، جعلت المرأة وسيلة للتسري وإمتاع الرجل فقط.

القطيعة مع الممارسات الجاهلية

انعطفت الباحثة على موقف الرسول والإسلام المبكر مع المرأة، والتعامل الودي مع نسائه؛ حيث توقفت بالتأمل عند سيرة كل من خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وأم سلمة المخزومية، والأخيرة، تصفها الباحثة في كتابها، رائدة التيار النسوي المبكر، والتي سألت الرسول يوماً: "ما لنا لا نذكر في القرآن، كما يذكر الرجال؟"، فنزلت الآية رقم 35 من سورة الأحزاب، واستجاب الوحي لها. وأوضحت  موقف الرسول من عائشة أثناء الحيض حيث "كان يتكئ في حجرها وهي حائض".

وصورت حالة احتماء النبي بالسيدة خديجة، في صورة جمالية وشعرية، منذ بدايات الوحي، تعكس فطرتها الإيمانية وقلقها الوجودي وتساؤلاتها العقائدية، التي شكلت له دعماً وسنداً معنوياً؛ فذهبت به إلى ورقة بن نوفل، تستوضح منه ما ظهر له في الغار، الذي كان ينقطع فيه للعبادة، فطمأنها أن من يتجلى لـ"محمد"، هو الناموس الذي أنزل على موسى، وليس شيطاناً، كما كان يخشى.

وبعد انقطاع المقدس، تجلى أنموذج الأنثى/ الحاضنة، التي كانت الملجأ والملاذ له، وقد شاركته أنوار التوحيد، فضلاً عن استعدادها الروحي/ التوحيدي، الذي أقلقها مع زمرة من المكيين الذين عرفوا بـ"بالحنفية"، الباحثين عن نبي مرسل، يحتل الفراغ الروحي في حياتهم يربطهم بأب التكوين "إبراهيم".

الرموز الناشئة عن أسلمة الجسد وأدلجته الدينية، يتم توظيفها السياسي، في الصراع مع الآخر أياً كان موقعه

وانتقدت الباحثة بعض الحالات الاستشراقية، حول النبي، ووصفته بالزعيم السياسي؛ الذي كان يوطد علاقاته مع القبائل العربية، في الجزيرة العربية.

وتعرج في الحالة المسيحية، عندما انتصر المسيح للمرأة في عصره، وعفا عن المرأة الفاحشة، في مساواة توثقها مقولته الشهيرة: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجر"، والذي يقابله موقف متناقض لبولس الرسول، الذي "لم يكن يحب أن يسمع صوت المرأة في الكنيسة"، في إسقاط مباشر على موقف عمر في الحالة الإسلامية.

ويتضح من المفارقة التي تصنعها الكاتبة، بين الحالتين؛ المسيحية والإسلامية، أنّ النبي، قد فاجأ المجتمع والصحابة بمعاملته المرحة والمرنة للنساء، دون تمييز وتهميش، وهو ما لم يقبل به كثيرون، ممن لم يتجاسروا مثله، على تطبيق هذا السلوك، الذي مثل قطيعة مع الجاهلية، في كل أبنيتها المعرفية والاجتماعية والتشخيصية تجاه المرأة.

أدلجة الجسد

تخلص الباحثة في الفصل المعنون بـ"الإسلام والبطريركية"، إلى أن القرآن لا يضطهد النساء، إنما القراءة الذكورية وتأويلاتها، شوهت مقاصد النص المقدس. وثمة تخريجات فقهية وضعت المرأة كمعطى جنسي، وفضاء بارد ومحايد، الفاعل فيه هو الذكر، المقرون بالقوة والصلابة والفحولة، والذي يمثل "قوة ردعية حيال الأنثى"، بحسب الباحثة الإسلامية بجامعة كومنولوث الأمريكية آمنة ودود.

وتشير الكاتبة إلى أن تلك الرموز الناشئة عن أسلمة الجسد وأدلجته الدينية، يتم توظيفها السياسي، في الصراع مع الآخر أياً كان موقعه، عبر تكريس التمايز الهوياتي الديني. وفي هذا السياق، تصك تعبيراً جديداً وحيوياً، تحيل فيه هذا المعنى السياسي وراء طمس معالم الجسد، وإخفائه وتقليص أية فعالية له، في المجال العام، الديني والإجتماعي بـ "العفة القهرية"، لنفي أي إرادة حرة للمرأة؛ فهي أدوات لتحجيب وقمع المرأة ووأد وجودها الاجتماعي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: