الفنون إذ تخترق أسيجة الأصولية

صورة سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

1736
عدد القراءات

2018-05-02

لعلّ فكرة الإيمان المجرد، واليقين الغيبي المطلق، التي ينطلق منها ويكرس لها العقل الأصولي، تمثل حائط صد تجاه كل أشكال الفنون والإبداع؛ حيث ينبغي –وفقاً للرؤى السلفية- تجريف الوجود الإنساني من كل ما يمكن أن ينافس النص المؤسس، ويلامس النفس البشرية في مساحات روحانية، تتجاوز في تساميها بالمشاعر، ما يقدمه رجال الدين؛ فالموسيقى بكل تجردها الروحي، والشعر بحمولته المعنوية والبلاغية، أشياء، في رأيهم، تصرف الأذهان عن عبادة الله، وهو ما جعلهم في عداء دائم مع الفنون بأنواعها.

منذ القدم، استخدم الإنسان دقات الطبول المصحوبة بالحركات الراقصة، في ممارسة طقوسه الدينية، ففي المعابد الفرعونية لم تنفصل مراسم الاحتفالات الدينية، عن الرقص المصحوب بالإيقاع كطقس مقدس، وفي كل طقوس العبور، كان الرقص والموسيقى، أداة لتحرير الروح من إكراهات الجسد، وكانت قبائل الأزتيك في المكسيك تؤدي صلوات راقصة، خلال الشهر المخصص للإله "تيسكاتليبوكا"، إله سماء الليل والذاكرة، تعبيراً عن التوسل،  وإمعاناً في مناجاته.

رغم تمسك الأصولية بتحريم الموسيقى والإبداع شقت الفنون مسارها في الوجدان الجمعي وظهرت الأشعار والألحان لمناجاة المطلق

ومنذ عصور بعيدة، تمكّنت المسيحية وهي تواجه الأسئلة الوجودية الصعبة، من تحقيق ذلك التماهي مع الموسيقى، التي باتت ضمن الطقوس الرئيسية للكنيسة؛ حيث قامت بتوظيفها في سياقات مخاطبة الروح المطلق، واستدعاء الله في الذات البشرية، لخلق حالة روحانية تتدفق من خلالها إبداعات الإنسان، في مناجاة المبدع الأول، فكانت الموسيقى خير تعبير عن تحرير فكرة الله في المسيحية؛ حيث كرّست لذلك البعد الرومانسي في أسمى معانيه، وأطلقته نحو فضاءات تسبغ على المقدَّس لمسات بشرية، فتغلق تلك الهوة التي كانت تفصل الأرض عن السماء.

وعلى الرغم من تمسك الأصولية الإسلامية بتحريم الموسيقى وغيرها من صنوف الإبداع، شقت الفنون مسارها في الوجدان الجمعي، وظهرت الأشعار والألحان لمناجاة المطلق، كمحاولة لتمهيد الدروب، في سبيل ترقي الروح بعيداً عن منافيها الوجودية، ولعلّ الصوفية نجحت إلى حد كبير في إبداع نوع من الفن الإلهي، تتحرر معه ملكات الروح، ويتحقق ذلك التماهي بين الإنسان الفرد ومبهجات الحياة، وهو ما جسّد تجلّي المطلق بكل صفاته المفارقة في الذهنية الإبداعية.

ويمكن القول إنّ الفنون والآداب وسائر تجليات الروح، أمور من شأنها تدعيم منطلقات فعل الإدراك الحسي، وصولاً إلى الإدراك العقلي، أو هو ذلك الفيض القادم من المطلق إلى المبدع، ثم ينطلق من المبدع لعموم الناس، ليدور حول جوهر الله والروح والكون والخلق.

يكرّس الفن إرادة حرة مطلقة في تصور الخالق، وفي خطاب الفرد الموجّه إليه، وهي حرية تظهر في أفعال الإنسان المنتجة، وفي أقوال يقام البرهان العقلي على صوابها، ويأتي الفن ليجمع خيوط الخيال؛ لينسخ منها حالة متجددة تستلهم كل معطيات الوجود، حالة لا يحدها الزمان، فهي تسافر في كل الأزمنة، وتتبدّى في كل الأمكنة المتاحة.

وإذا كان الانتباه هو ذلك الفعل الذي يساعد الإنسان الفرد على حفظ وجوده؛ فالذات لا تكون ذاتاً إلا إذا انتبهت باستمرار، وباعتبار الانتباه هو الجانب الذاتي، وما ننتبه إليه هو الجانب الموضوعي، فإنّ الفن وحده هو القادر على الجمع بين الشقين: الذاتي والموضوعي، في قالب يساعد الإنسان على فهم نفسه والعالم.

إنّ العقل الذي تتنامى قدراته الإدراكية، يتمكن بمرور الزمان من تحويل طاقاته الإبداعية وأفكاره، التي تتجاوز قدرات جسده، إلى واقع ملموس من خلال المعرفة، وهنا يستطيع تحرير جسده من محدودية الأفعال المخلوقة في بنيته، ومن سطوة قوانين الطبيعة عليه، ويصل إلى حيث جوهر المطلق، وينفذ إلى عوالمه المغايرة.

حوّلت العقلية السلفية العقل البشري من فاعل إلى مجرد متلقٍّ، والمحصلة تركة ثقيلة، خاضعة في مجملها لأيديولوجيا صارمة

لقد حوّلت العقلية السلفية العقل البشري من فاعل إلى مجرد متلقٍّ، والمحصلة تركة ثقيلة، خاضعة في مجملها لأيديولوجيا صارمة، أحكمت سيطرتها على الحياة، بشكل تكتسب معه الرؤية المؤدلجة سمة التقديس الديني؛ كونها مصدراً للإيمان، ومرجعية سياسية في ذات الوقت، كونها مصدراً للتشريع والحكم، فيتحول الدين إلى أداة من أدوات القهر، حين يجري طمس الروح، وتطويع الحياة إلى حيث تريد الأيديولوجيا،  التي لا تسمح سوى بقراءة واحدة، ومن ثم إخراج نواتج عقلية، تعبر في مجملها عن رؤى مغايرة للاحتياجات، ولا تعبّر سوى عن طروحات ظلامية، تتواتر فيها مفاهيم الخرافة والوهم، متجاهلة أي تفكير عقلاني .

يخترق الفن كل هذه الأسيجة، حين يمزج الحس البشري بين الطقس والموسيقى، فيأتي التلاقي بين الدين بشتى تمثّلاته النصية والطقسية، وبين الفن بكل تجلياته الروحانية؛ حيث ظهر الفن الكنسي في إبداع الرسوم والأيقونات والترانيم، كما ظهر تجويد التلاوة كفن خاص، له ضوابطه وقراءاته ومراميه، وأبدع الخطاط العربي في مجال الخطاب البصري، الذي نشأ في كنف النص، لتخرج لوحات غاية في الإبداع، وتتلاقى الكلمة مع الموسيقى في فنون الإنشاد الديني، الذي يطلق سراح الروح لتهيم في الوجود، قبل أن تتحد مع المطلق في مفارقته، وتسكن عوالم الجمال الخالدة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: