"العاصوف": الحقيقة تجرح... لسنا ملائكة!

صورة محمد الزبيدي
كاتب أردني

5053
عدد القراءات

2018-06-14

"لم أشاهد مسلسل العاصوف، ولم أجلس أمام التلفاز لمتابعته، لكن بحسب ما سمعت من أناس قالوا لي إنّ أقاربهم شاهدوه، وإنّه يتضمن مشاهد مخلة، وينشر الخنا، والفسق بين الناس" هذه كلمات لكاتب إسلامي، تعليقاً على عرض مسلسل العاصوف، الذي يؤرخ للمظاهر الاجتماعية في مدينة الرياض السعودية في السبعينيات.

إذاً، بعض من علقوا، وانتقدوا هذا المسلسل، خاصة من الإسلاميين، لم يشاهدوه أو يتابعوه، ليعدّوا ناقدين محايدين للصورة التاريخية التي يقدمها هذا العمل الذي يجسد بطولته الفنان السعودي ناصر القصبي.

ويحرص كثير من دعاة التشدد، والغلو الديني في الديار العربية، ومن معارضي وسائل الترفيه الحديثة من سينما ومسرح وتلفزيون وموسيقى وغناء، على انتقاد أيّ عمل فني جديد؛ بل ووصم ذلك العمل والقائمين عليه، بأقذع الأوصاف، لتنفير الناس منهم، وإجبار العامة على التوقف عن مشاهدته، أو التعلم منه؛ وذلك لأنّ الأعمال الفنية غالباً ما تقدم رسائلها الحضارية بأسلوب لا يخلو من جمال وتشويق وتسلية، وذلك مغاير لرسائل المتشددين المشبعة بالتقريع وجمود وتأنيب لضمير المستمع والمشاهد.

ثار المتربصون بالفنّ وأهله عندما سمعوا عن عمل فني يؤرخ لمجتمع الرياض قبل ازدهار الجماعات الدينية

وقد ثارت ثائرة المتربصين بالفنّ وأهله، عندما سمعوا أنّ هناك عملاً فنياً يؤرخ لمجتمع الرياض قبل عصر ازدهار هذه الجماعات الدينية، وهي الفترة الواقعة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، التي يطلق عليها الإسلاميون لقب "الصحوة"؛ وهو مصطلح مضلل يصور العرب وكأنهم كانوا نائمين قبل ذلك، واستيقظوا عندما أصبح صوت الإسلاميين مسموعاً في المجتمعات، بعد الاستقواء بثورة الخميني في إيران، وادعاء جهيمان العتيبي بأنّه المهدي المنتظر، وبدء الحرب الأفغانية ضدّ النفوذ السوفيتي في أفغانستان.

ويُظهِر "العاصوف" مجتمعاً عربياً بسيطاً ومتسامحاً في مدينة الرياض، في بداية فورة أسعار النفط، والطلب السعودي الكبير على الخبرات العربية لإحداث تنمية شاملة في المملكة، وبدء موسم الهجرة  للسعودية طلباً للرزق من كثير من الأقطار العربية، ممّا أثر في هذا المجتمع الوادع، لتظهر تغيرات هنا وهناك في طبيعة العلاقات الإنسانية، ومنها الأثر الذي تركه قدوم عدد كبير من الإخوان المسلمين من مصر وسوريا، بعد التضييق عليهم في أوطانهم، واستغلالهم للبيئة المتدينة لأهل الرياض في نشر فكر حركتهم، وأساليب حياتهم المتشددة، ما يحوّل التدين البسيط العفوي للناس في هذه المدينة إلى تدين أكثر تشدداً وغلوّاً وتزمتاً.

اقرأ أيضاً: العاصوف: القصبي يواصل تحريك المياه الراكدة

ومما أثار حفيظة كثير من السلفيين، بعد بدء قناة "إم بي سي" ببثّ المسلسل في شهر رمضان 2018، مشهد وضع طفل لقيط أمام مسجد الحي في أول حلقة منه، وكذلك رقص الفتيات مكشوفات الشعر فوق سطح بيت خالد "بطل العمل القصبي"، وكذلك العلاقة التي نشأت بين "خالد" وزوجة جاره المسنّ، الشابة "البندري"، وكذلك العلاقة الغرامية بين شاب وشابة يتحدثان من فوق سطحي بيتهما. واتهمت كثير من هذه المجموعات السلفية المسلسل بأنّه يحثّ على الفحشاء والمنكر، ويوجه الشباب نحو استساغة العلاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج. وغاب عن أذهان كثير من هؤلاء أنّ الأعمال الفنية، والدراما لا تخلق، أو تشكّل واقعاً اجتماعياً، بقدر ما تصوّر (وتعكس) ما هو موجود فعلاً في المجتمع.

الصحوة مصطلح مضلل يصور العرب وكأنهم كانوا نائمين واستيقظوا عندما علا صوت الإسلاميين 

ولكشف الحقيقة؛ تستخرج الدراما الاجتماعية تلك السلوكات غير الظاهرة، أو المتوارية عن الأنظار والأسماع في المجتمعات المحافظة، التي تمنع أيّة مظاهر للعلاقات الإنسانية، إلا ضمن شروط وضوابط تقررها وتفرضها على جموع الناس في المجتمع.

ويحسب كثير من رجال الدين، أنّهم بمراقبتهم الشديدة للناس، ومحاسبة من يظهر منهم أيّ تصرف مخالف لقواعد السلوك المقبولة دينياً واجتماعياً، يحسبون بذلك أنهم قد خلقوا، وأوجدوا مجتمعاً من الملائكة الأطهار، والأولياء الأنقياء الذين لا تنفذ لسرائرهم الغرائز، ولا تطالهم الميول الجنسية، ولا ترتقي لمقامهم العالي الشهوات والرغبات، لكنّ الدارس لكافة المجتمعات المشابهة عبر التاريخ الإنساني، يلحظ لجوء الإنسان الذي تتم مراقبة سلوكه، وهو غير راغب بذلك، لإخفاء ذلك السلوك وممارسته بكل سرية وتكتم، ومن ثم يظهر، ويبدي في العلن، رياءً، أنّه متوافق ومتساوق مع تعليمات السلوك العامة لذلك المجتمع المحافظ.

ولا يكترث الفنّ؛ من رواية وشعر وسينما وتلفزيون ومسرح، بالظاهر الخدّاع، والنفاق الاجتماعي، بل يميط اللثام عن واقع المجتمع، ويكشف ستر نفوس الشخصيات، ويسفر عمّا تخبئه الأعين والوجوه من حقائق وأسرار غامضة، وبذلك تقول هذه الفنون، هاكم حقيقة وواقع مجتمعكم، وصورته الجلية، وليس كما تتخيلون، يا من تسمّون أنفسكم "حرّاس الفضيلة"، وتوهمون أهلكم وذويكم، وتقدمون لهم صورة زائفة، وواقعاً مغايراً للقناع الذي يواري أسرار المجتمع وخفاياه.

ويفضل رجال الدين، خاصة العاملين على حمل الناس على الامتثال لما يأمر به الدين، يفضلون أن يخفي أيّ شخص سلوكه السيئ، أو غير المقبول اجتماعياً أو دينياً، وينصحونه دائماً باللجوء لمبدأ "عدم المجاهرة بالمعصية"، وأنّ من ستره الله يجب عليه ألّا يكشف ذلك الستر، أو أن يفضح نفسه، ومن ثم تشيع الفاحشة بين الناس بسبب ما اقترفت يداه، ويعرض نفسه للمحاكمة والعقوبة.

مسلسل العاصوف السعودي كان ناجحاً وموفّقاً في إظهار العلاقات الإنسانية الحقيقية

  لكنّ هذا الإجراء يخلق مجتمعاً منافقاً يبطن النوايا والأعمال السيئة والقبيحة، ويظهر أعمالاً لا يؤمن بها، لكنّها ترضي جموع الناس المحيطين به، ما يشكّل هنا شخصية إنسان ذي أقنعة مختلفة، لتحجب وجهه الحقيقي، ويبدل تلك الوجوه الزائفة بحسب المكان والمناسبة والموقف.

أزعم، في نهاية عرضي هذا، أنّ مسلسل "العاصوف" السعودي كان ناجحاً، وموفّقاً في إظهار العلاقات الإنسانية الحقيقية، ليس فقط الظاهرة في مجتمع مدينة الرياض في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وهو المجتمع الذي كان يمر بمراحل تغير وتطور كبيرة وشاملة حينذاك. 

ولا أجد أبلغ، وأدق في وصف مسلسل العاصوف، من كلمات الكاتب السعودي "تركي الحمد"، في معرض تعليقه على حسابه في "توتير" على اعتراض عدد من المشاهدين على بعض مشاهد العمل، التي عدّوها صادمة وفاضحة لسلوكات لا يجب أن تظهر للعامة، حيث قال: "دائماً الحقيقة تجرح، لكنّها تبقى حقيقة، وفي النهاية نحن لسنا ملائكة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: