السودان: هل تعالج العلمانية أزمة الهوية أم تزيدها تشظياً؟

السودان: هل تعالج العلمانية أزمة الهوية أم تزيدها تشظياً؟

مشاهدة

31/03/2021

أثار توقيع الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، وعبدالعزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية شمال، مبادئ تقرّ بفصل الدين عن الدولة في السودان جدلاً كبيراً؛ بين مؤيد ومعارض، وأعاد الاتفاق الانتقاد لعمل السلطة الانتقالية التي تبتّ في قضايا مصيرية دون اكتمال المكوّنات الشرعية للسلطة، وأهمها مجلس النواب والمحكمة الدستورية.

ويرى البعض في الاتفاق بداية لتأسيس سودان مدني ديمقراطي، يقوم على احترام الحريات، وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس، بينما يرى آخرون فيه تضييعاً لهوية السودان، وفرض أفكار غريبة على المجتمع، تهدّد الإسلام والنسيج الاجتماعي.

توقيع إعلان المبادئ تمّ في مدينة جوبا، عاصمة جنوب السودان، بحضور رئيسها، سلفاكير ميارديت، في 28 من الشهر الجاري.

الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والقائد عبد العزيز آدم الحلو في جوبا

ونصّ إعلان المبادئ على عدد من البنود التي تعدّ مبادئ لتنظيم العلاقة بين الحركة والحكومة، سعياً نحو التوصل لاتفاق شامل، ينتهي بدمج قوات الحركة في جيش سوداني موحّد.

وحازت القضايا الثقافية جزءاً كبيراً من البنود، وهي القضايا التي تخصّ طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في المجتمع، وجاءت في المادة رقم (2)، التي نصّت على؛  "تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان، تضمن حرية الدين والممارسة الدينية والعبادة لكلّ الشعب السوداني، وذلك بفصل الهويات الثقافية والإثنية والجهوية، والدين عن الدولة، وأن لا تفرض الدولة ديناً على أيّ شخص ولا تتبنى ديناً رسمياً، وتكون غير منحازة فيما يخص الشؤون الدينية وشؤون المعتقد والضمير، كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية على أن تضمن هذه المبادئ في الدستور".

التوقيع بمثابة إنجاز تاريخي؛ لأنّ السودان سيحكم بدستور يفصل بين الدين والدولة، للمرة الأولى، وستكون الدولة محايدة، وتمثّل جميع السودانيين

وفي فقرة فرعية عن المادة الثانية، جاء الآتي: "يجب أن تستند قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف والمعتقدات بطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية".

وتمتدّ مسألة فصل الدين عن الدولة إلى الجيش؛ إذ نصّت الوثيقة على إعادة تأسيس عقيدة الجيش، بعد تضمين مبادئ الوثيقة في الدستور، "يجب أن تكون عملية دمج وتوحيد القوات عملية تدريجية، على أن تكتمل بنهاية الفترة الانتقالية، وبعد حسم الدستور للعلاقة بين الدين والدولة، كما هو مشار له في الفقرة 3.2".

وحظي الاتفاق بترحيب واسع من رئيس الحكومة، عبد الله حمدوك، وأعضاء مجلس السيادة، والحزب الشيوعي، وتجمع المهنيين، وحزب الأمة، الذي تحفظ سابقاً على اتفاق الحلو - حمدوك حول علمانية الدولة.

اقرأ أيضاً: السودان: اتفاق إعلان مبادئ بين السلطة الانتقالية والحركة الشعبية.. أبرز ردود الفعل

ومن جانبه، قال رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة بالسودان "يونيتامس"، فولكر بيرتس، في تغريدة على تويتر: "مبارك للسودان إعلان المبادئ، إنّها خطوة مهمة نحو سلام شامل في السودان".

وفي تصريح لموقع "التيار" السوداني، أوضح مستشار رئيس الوزراء لشؤون السلام، جمعة كندة، أنّ اتفاق البرهان - الحلو مسار منفصل عن الاتفاق بين الحكومة والجبهة الثورية السابق.

 وبعد توقيع الحلو للاتفاق، يبقى أمام السودان تحدّي التوصل لاتفاق مع رئيس حركة تحرير السودان، عبد الواحد نور.

عضو مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، عمار نجم الدين

وفي تصريحات لـ "حفريات"؛ رأى عضو مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، عمار نجم الدين، أنّ التوقيع بمثابة إنجاز تاريخي؛ لأنّ "السودان سيحكم بدستور يفصل بين الدين والدولة، للمرة الأولى، وستكون الدولة محايدة، وتمثّل جميع السودانيين بغضّ النظر عن الدين واللغة والعرق".

اقرأ أيضاً: البرهان والحلو يوقعان وثيقة لتعميق السلام في السودان.. ما بنودها؟

وأضاف نجم الدين؛ أنّ "ما جاء في الإعلان ليس علمانية الدولة، بل فصل الدين عن الدولة، وهي صيغة توافقية بعد عامين من التفاوض، لحلّ مسألة الهوية والدين، التي كانت أساس الصراع لعقود، وخلقت امتيازات ثقافية ودينية لمواطنين على حساب آخرين، وصنعت ظلماً كان ثمنه استقلال جنوب السودان، والحرب في دارفور والنوبة، لكن اليوم سنعمل جميعاً على بناء سودان عادل وديمقراطي، يتساوى فيه الجميع".

جدل الدين والعلمانية

ويختلف الاتفاق الذي وقّعه حمدوك - الحلو في أديس أبابا، في 4 أيلول (سبتمبر) الماضي، عن اتفاق البرهان - الحلو؛ في طرح الأول حقّ تقرير المصير حال لم يتم إقرار مبدأ "فصل الدين عن الدولة"، بينما أكّد الاتفاق الثاني على وحدة الأراضي السودانية، والحلّ السلمي للنزاعات.

ويقول الباحث السوداني في الدراسات الإستراتيجية، أبو بكر فضل؛ إنّ اتفاق المبادئ بين البرهان والحلو أكثر شمولاً، وتفصيلاً للقضايا محلّ الخلاف، بالتالي، يُعدّ مُكملاً لإعلان أديس أبابا.

الباحث السوداني في الدراسات الإستراتيجية، د. أبو بكر فضل محمد

وأكّد فضل؛ أنّ "حمدوك شارك في صنع الاتفاق الجديد، عبر ممثله وزير العدل، ولذلك وجد الاتفاق تأييداً كبيراً من شركاء الفترة الانتقالية، والرأي العام".

ومن جانب آخر، قال الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي المعارض، عبد الوهاب سعد: إنّ "البرهان لا يملك تفويضاً من الشعب السوداني لفصل الدين عن الدولة، وعلى الجميع احترام المؤسسية والخيار الديمقراطي في اتخاذ مثل هذه القرارات مهما كانت نتائجها".

عضو حزب تيار المستقبل، مهدي ياسين، لـ "حفريات": العلمانية مصطلح ذو حمولة سيئة؛ نظراً لطول محاربتها من قبل النظام الإسلامي السابق

وأثار اتفاق البرهان - الحلو جدلاً كبيراً بين السودانيين، على وسائل التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، فالاتجاه الأول يرى أنّ فصل الدين عن الدولة هو الحلّ، بعد تجربة الإسلام السياسي المريرة في الحكم، بينما الفريق الثاني أنّ الاتفاق يمحو هوية الشعب السوداني، ويعادي الإسلام.

وبين الفريقَين هناك اتجاه ثالث يبحث الاتفاق من زاويتين؛ الأولى تتعلق بفرض مبادئ لا تقبلها الأغلبية، التي تحمل رؤى مشوهة عن العلمانية، بسبب تشويه حكم البشير لها، وبسبب شخصيات المبشرين بالعلمانية، الذين حصروها في مسائل ثانوية، ذات طابع أخلاقي يهدّد قيم المجتمع.

والزاوية الثانية سياسية، وتتعلق بمشروعية فرض العلمانية على الشعب، دون نقاش مجتمعي واسع، يزيل اللبس، ويأخذ مطالب الجميع بعين الاعتبار، فضلاً عن غياب الهيئات التشريعية التي من واجبها البتّ في القضايا التشريعية والمفصلية.

ويعبّر عن الاتجاه الثالث، عضو حزب تيار المستقبل، مهدي ياسين، ويرى أنّ؛ "العلمانية مصطلح ذو حمولة سيئة؛ نظراً لطول محاربتها من قبل النظام الإسلامي السابق، ولأنّ الدعوة إليها ارتبطت بأنظمة وأشخاص ليسوا محلّ ثقة، أو إجماع شعبي".

عضو حزب تيار المستقبل، مهدي ياسين

ويردف ياسين، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "هناك من يرى نوايا انتقامية من الحركة الشعبية لهدم المجتمع الشمالي، وفرض العلمانية قسراً، باعتباره يمثّل حاضنة لما يُعرف بالإسلام السياسي، الذي تتّهمه الحركة بالتسبّب في كلّ مشكلات السودان، كما أنّ الأغلبية لا تثق في أنّ العلمانية حالة حياد من الدولة تجاه الدين، ويرونها في حالة عداء مع الإسلام، خاصة أنّ الداعين لها ينظرون للسودان وكأنّه بلا هوية مسبقة، وصفحة بيضاء يختارون لها النظام الأمثل، وهذا إقصاء واضح للأغلبية".

هل العلمانية هي الحلّ؟

وتعدّ العلمانية إشكالية كبيرة في البلاد العربية، ويكاد الداعون لتطبيقها وتسويقها كحلّ لمشكلات المنطقة، يتساوون مع دعاة الإسلام السياسي في حصر الحلّ بالدين، دون مراعاة لخصوصية وتفرّد كلّ سياق مجتمعيّ عن الآخر، وطبيعة المشكلات الاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية المنفصلة عن الدين.

اقرأ أيضاً: مصر والسودان: علاقات إستراتيجية في مواجهة تحديات القرن الأفريقي

ومن غير المنصف اتّهام التمييز الديني واللغوي بالتسبّب في الأزمة السودانية، فهناك عوامل تاريخية دفعت البلاد نحو التركيبة التي وقفت وراء مشكلاته، خاصة في الفترة منذ ضمّ حاكم مصر، محمد علي باشا، السودان إلى حكمه، حتى الاستقلال عام 1956، ومن بينها انتشار التعليم بين فئات مجتمعية، تتحدث العربية وتدين بالإسلام، على حساب بقية المكوّنات، التي كانت خارج السيطرة المباشرة للسلطة المصرية - الإنجليزية، إلى جانب عوامل أسبق من ذلك، تتعلق بالطابع الاجتماعي والحضاري لمناطق السودان.

عبد العزيز الحلو وعبد الله حمدوك يوقّعان اتفاقاً سابقاً في أديس أبابا

وحتى مع الاتفاق على فصل الدين عن الدولة، فمن غير المُرجّح أن يكون في ذلك حلّ جذري، نظراً للرفض الاجتماعي الذي سيواجه إقرار قوانين الأحوال الشخصية، التي دفعت الحركة الشعبية - شمال نحو عدم معارضتها للحقوق الأساسية، دون توضيح لمعنى ذلك، ما يترك الباب مفتوحاً أمام اختلاف كبير في التفسير.

اقرأ أيضاً: ما الرسائل التي يحملها الاتفاق العسكري بين مصر والسودان؟

وكان من الأجدى أن تدفع الحكومة السودانية نحو إزالة التمييز على أساس ديني، دون تغيير جذري لقضايا الأحوال الشخصية؛ إذ لا تتعارض مع الفهم السائد عن الشريعة الإسلامية، مع طرح بدائل قانونية في مناطق الحركة الشعبية - شمال، والعمل على إيجاد توازن بين المطالب المختلفة للمكوّنات السودانية، كي لا تقع السلطة الانتقالية في فخّ التغيير بالقوة، الذي انتقدت النظام السابق بسببه.

ويبقى الأمل معقوداً على ما بعد التوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع الحركة الشعبية - شمال، ومشاركتها في الحكم، لتختبر رؤيتها عن العلمانية في إدارة الدولة، ومواجهة التحديات الاقتصادية والمؤسساتية والأمنية، وغيرها من المشكلات التي تحتاج أكثر من الديباجات للتعامل معها.

الصفحة الرئيسية