الرشوة إذ تتجمّل.. من صدر الإسلام حتى عصر المماليك

الرشوة

الرشوة إذ تتجمّل.. من صدر الإسلام حتى عصر المماليك

مشاهدة

25/08/2019

يُنظر إلى الرشوة باعتبارها من أهم مظاهر الفساد في المجتمعات، وأحد مؤشراته الرئيسة، وأنّها سبب لاهتراء النظام الإداري للدولة، وهبوط اقتصادياتها.
ولذا؛ فإنّ الشارع الإسلامي حذّر من فعلها، وجرّم أطراف تلك الجريمة؛ الراشي أو المرتشي أو الوسيط، على السواء؛ إذ لعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الراشي والمرتشي.

لم تأخذ كلمة معاني شعبية وتجميلية لمعناها الأصلي كما أخذت "الرشوة" ففي أيام المماليك كانوا يطلقون عليها "البذل"

كما شدّد الرسول، علي السلام، على العمال في قبول الهدايا؛ إذ اعتبرها رشوة مقنعة، فقد روت كتب الأحاديث: "استعمل رجل من الأزد، يقال له ابن اللتيبة على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فقام النبي، صلى الله عليه وسلّم، على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أُهدي لي، ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال اللهم بلغت اللهم فاشهد".
شاع في عصر المماليك استخدام كلمة "البرطلة" وهي تعني صراحة الرشوة

عملية تجميل
لم تأخذ كلمة معاني شعبية متعددة وتجميلية لمعناها الأصلي، كما أخذت "الرشوة"؛ ففي أيام المماليك، الذين استشرت في عهدهم تلك الآفة، كانوا يطلقون عليها "البذل"، وهي تعني في الأصل الكرم والجود.
بل إنّ عدداً من اللغويين، منهم "الجعل"، عرّفها بأنّها "ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد".
كما شاع في عصر المماليك استخدام كلمة "البرطلة"، وهي تعني صراحة الرشوة؛ إذ يقال تبرطل أي ارتشى، وجمعها براطيل، كما جاء في محيط المحيط.

اقرأ أيضاً: لماذا يبدو ملف الفساد في العراق أعقد من ملف الإرهاب؟
وهي -على حدّ تعبير المقريزي- في "الخطط والآثار": "الأموال التي تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمالها، قهراً وظلماً".
أما في العصر الحديث؛ فإنّ الرشوة أخذت في تجميل نفسها أكثر من عصور المماليك؛ حيث أطلق عليها كثير من الناس كلمات بمعانٍ حسنة، مثل: الإكرامية، الحلاوة، المصلحة، قهوتنا، وإن كان البعض يشكّ في أنّ هذه المصطلحات تعود إلى عصر المماليك أيضاً.
الرشوة في تاريخ الإسلام
كانت أول إشارة لظاهرة الرشوة، تتعلق بابن مسعود، الذي أُخذ بأرض الحبشة في شيء، فأعطى دينارين حتى أُخلي سبيله.

تشير مصادر العصر العباسي إلى تفشّي ظاهرة الرشوة سعياً للحصول على مناصب الدولة وأهمها الوزارة

بيد أنّ أئمة التابعين لا يرون فيما حدث نوعاً من الرشوة، ويرون أنّه لا بأس في أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.
لكنّ كثيراً من جماعات الإسلام السياسي المعاصرة، استندت لتلك الواقعة، الخاصة والمحددة، في إطار ضيق، لاستخدام الرشوة لتحقيق مصالحها التنظيمية، وهو ما يظهر من وقائع عديدة قام فيها التنظيم بدفع رشاوى لتنفيذ أعمال متشددة، واستغلال الفساد المستشري في مفاصل أنظمة سياسية للقيام بتمرير أعمال تنظيمية، حركية أو إرهابية.
وهناك إجماع على أنّ أول من رشى في الإسلام؛ المغيرة ابن شعبة، الذي ولِّي عمل الكوفة، عام 42 هـ، من قبل الخليفة معاوية بن أبي سفيان، مستخدماً في ذلك شتى الوسائل حتى غير المشروعة منها بذل المال، وذكر ذلك ابن الأثير وابن قتيبة وغيرهم.
الرشوة في العصر الأموي
وفي العصر الأموي أيضاً، وأثناء ولاية عبد الله بن عبد الملك على مصر غلت الأسعار، عام 86هـ، فتشاءم به المصريون، وزعموا أنّه ارتشى، وكثروا عليه، وسمّوه "مكيساً"، وذموه شعراً على لسان زرعة بن سعد الله بن أبي زمزمة، الذي قال فيه عند مغادرته مصر: "إذا سار عبد الله من مصر خارجاً... فلا رجعت تلك البغال الخوارج... أتى مصر والمكيال وافٍ مغربل... فما سار حتى سار المدّ فالج".

اقرأ أيضاً: بعد بوتفليقة.. الجزائر تحارب الفساد
وجاء في "الكندي": أنّ كُتّاب يحيى بن ميمون الحضرمي، الذي تولى قضاء مصر عام 105، من قبل الخليفة هشام، كانوا لا يكتبون قضية إلا برشوة، فكلّم يحيى في ذلك فلم ينكره، مرة بعد مرة، فلم يعزل منهم أحداً عن كتابته، وعندما علم الخليفة بالأمر كتب بصرفه، قائلاً في كتابه للوليد بن رفاعة، والي مصر: "اصرف يحيى عمّا يتولاه من القضاء مذموماً مدحوراً، وتميز لقضاء جندك رجلاً عفيفاً، ورعاً تقياً، سليماً من العيوب لا تأخذه في الله لومة لائم".

كتاب "البذل والبرطلة" للدكتور أحمد عبد الرازق أحمد

الرشوة في العصر العباسي

تشير مصادر العصر العباسي أيضاً إلى تفشّي هذه الظاهرة، سعياً للحصول على مناصب الدولة، وأهمها الوزارة، فقد كان الخاطبون لها يتنافسون في السعايات والوساطات ودفع الرشاوى إلى القُواد الأتراك ونساء القصر للوصول إلى مركز الوزارة.
يقول الدكتور أحمد عبد الرازق أحمد، في كتابه "البذل والبرطلة": "حسبنا دليلاً على ذلك، ما روته هذه المصادر بصدد الربيع حاجب الخليفة المنصور الذي توسط ليعقوب بن داود في منصب الوزارة برشوة مقدارها مئة ألف دينار".
ويضيف: "ويُفهم من مصادر هذا العصر أنّه بمجرد نجاح الساعي وتولية الوزارة فإنّه كان يسارع إلى مناظرة الوزير السابق، ومطالبته بالأموال؛ بل وصل الأمر أحياناً إلى الاستيلاء على أموال زوجته وأقاربه".

اقرأ أيضاً: إن جاءك الطوفان.. رجال أردوغان يتبادلون الاتهامات بالفساد
ويتابع: "وكان كلّ وزير جديد يأتي بحاشيته وأنصاره ليضعهم في وظائف الدولة فإذا ما سقط هذا ذهب هؤلاء بذهابه، الأمر الذي نتجت عنه كثرة تغيير العمال والموظفين وزاد الأمر سوءاً شعورهم بعدم الاستقرار في وظائفهم مما أضعف مركز الوزراء، ووقف حائلاً دون الاستقرار الإداري فأصاب الخلل أركان الدولة وفشا الفساد وعمّت الرشوة وكثرت المظالم؛ لأنّ الوزير متى تقلد المنصب فإنّه كان يضع في اعتباره استرداد ما خسره".
وتروي المصادر كيف عمد يحيي البرمكي إلى شراء الناس بالمال، فكان إذا ركب يعدّ صرراً، في كل صرّة مئتا درهم، يدفعها إلى المعترضين عليه، أما ابنه جعفر فإنه كان يحمل الدنانير مع خادمة ليشتري الناس في حضرته بعطائه وكرمه.
كيف كان الأمر في العصر الفاطمي والأيوبي؟
تتضمن مصادر العصر الفاطمي العديد من الحالات التي تثبت، بما لا يقبل الشكّ؛ أنّ الرشوة كانت متفشية بين أفراد هذا العصر "إذ تتهم هذه المصادر حمزة بن الغلبوني، الذي استخلفه القاضي مالك ابن سعيد، على الحكم، عام 398 بقلة الأمانة، وظهور الخيانة، ورقة الدين، واغتصاب مال المسلمين، والارتشاء على الحكم، إلى غير ذلك من القبائح"؛ كما جاء في كتاب "البذل والبرطلة".

اقرأ أيضاً: هذا ما كشفه تقرير دولي حول الفساد في تركيا
ويتضح من مصادر العصر الأيوبي؛ أنّ الرشوة كانت متفشية في بعض نواحي الجهاز الإداري؛ فقد ذكر النابلسي أنّ بعض السكان القريبين من حراج السنط، كانوا يقومون بقطع أخشابها فيأخذون جزءاً منه لتعمير السواقي وآلات المعاصر، ويحملون الباقي على مراكب إلى ساحل مصر؛ حيث دأبوا على دفع رشوة لتسهيل أعمالهم التهريبية، وقيامهم ببيع تلك الأخشاب لحسابهم الخاص بأموال كثيرة.
ويشير المقريزي، في "حوادث 623"، إلى تنصيب الأنبا كيرلس بطريركا على الإسكندرية لليعاقبة عن طريق السعي والبذل، بعد أن خلت أرض مصر من الأساقفة.
ويروي لنا كيف أنّ حبّه للرياسة وجمع المال قد أثار عليه أقاربه وأزلامه، فقام عليه ابن الثعبان الراهب، وعانده، وذكر مثالبه، وأنّه إنما تقدّم بالرشوة، فلا تصح كهنوتية على حكم القوانين.
لكنّ الدكتور أحمد عبد الرازق، يخلص في دراسته السابقة، إلى أنّ "الرشوة كانت متأصله في النفوس؛ بدليل إقدام السلاطين عليها، إلا أنّ الحقّ يملي علينا أن ننزه بعض السلاطين عنها، من أمثال: الزيز بن صلاح الدين، فقد روت المصادر أنّ عبد الكريم البيساني، أخا القاضي الفاضل، بذل له عام 591 على قضاء الإسكندرية أربعين ألف دينار مصرية، وكان رسوله في ذلك الأمير فخر الدين جهاركس، الذي بذل له أيضاً خمسة آلاف دينار.

اقرأ أيضاً: خامنئي وتسييس محاربة الفساد في إيران
إلا أنّ العزيز رفض هذا العرض في وقت كان في غاية الضرورة إلى المال، وقال للأمير فخر الدين: "أعد المال إلى صاحبه، وقل له إياك والعود إلى مثلها، فما كلّ ملك يكون عادلاً، وعرّفه أنّني إذا قبلت هذا منه، أكون قد بعت به أهل الإسكندرية وهذا لا أفعله أبداً".
البذل والبرطلة وجدا منذ بداية العصر المملوكي

وماذا عن العصر المملوكي؟
رغم ما جاء في خطط المقريزي؛ من أنّ الرشوة ارتكبت للمرة الأولى زمن الأمير شيخو، الذي استنها عند تعيينه لعمال الأقاليم، وأنها انتشرت وأفحش فيها زمن السلطان الظاهر برقوق، فإنّه بالإمكان التأكيد على أنّ البذل والبرطلة وجدا منذ بداية العصر المملوكي.
يقول الدكتور أحمد عبد الرازق: "ذكرت المصادر التاريخية في "حوادث 658"؛ أنّ القاضي ابن الزكي سعى في قضاء دمشق، وبذل أموالاً كثيرة ليستمر فيه، وفيما بيديه من المدارس، فبقي نحو الشهر ثم سافر مع السلطان الظاهر بيبرس إلى مصر، فولِّي بعده القاضي ابن سني الدولة، كذلك أشارت المصادر عينها إلى أنّ القاضي بدر الدين الكردي، المتوفَّى عام 663، ولِّي القضاء بالديار المصرية مراراً، وأنّه ظلّ في ارتقاء إلى أوائل دولة الظاهر بيبرس، كما رمته المصادر بأخذ الرشاوى من قضاة الأطراف والشهود والمتحاكمين، في الوقت الذي نعتته بالجود والكرم".

باحث: الرشوة كانت متأصله في النفوس؛ بدليل إقدام السلاطين عليها إلا أنّ الحقّ يقضي بتنزيه بعض السلاطين عنها

تفيض المصادر أيضاً بأخبار هؤلاء الذين لجؤوا إلى البرطلة من أجل قضاء حوائجهم والوصول إلى أهدافهم، فقد قال الرحالة المغربي، ابن بطوطة: إنّ فخر الدين بن مسكين برطل بمبلغ ألف دينار على ولاية قضاء الإسكندرية زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وإنّ شمس الدين غبريال الناظر استطاع، عن طريق البرطلة، أن يفلت من عقوبة السجن، بل وأن ينسحب إلى الشرق.
يُفهم مما رواه المقريزي في "حوادث 734"؛ أنّ البرطلة كانت سبباً في قلة متحصلات الديوان من الأموال، إذ أخبر النشو السلطان الناصر بأنّه "لا يتمكن مع قيام الأمير قوصون والأمير بشتاك أن يجمع للسلطان شيئاً من المال، فإنّهما وأمثالهما قد اعتادوا من المباشرين للسلطان، أن ينفق المباشرون عليهم نصف متحصل الديوان برطيلاً، وأنه فقير ليس له مال يبرطل به، ولا هو ممن يبرطل بمال السلطان، وأنه لو سلم منهم لملأ خزانة السلطان وحواصله أموالًا، لكنّه يخشاهم أن يغيروا السلطان عليه، ورمى النشو المباشرين مع ذلك بعظائم الأمور من كثرة أموالهم ونعمهم، مما أخذوه في مباشرتهم من مال السلطان، فأذن له السلطان في عمل ما يختاره، وأن يتصرف في الدولة، لا يبالي بأحد، ووعده بتفويض يده وتمكينه ومنع من يعارضه".
الرشوة في زمن الجراكسة
إذا كانت المصادر التي دونت زمن سلاطين المماليك قد أمدتنا ببعض النصوص التي تثبت وجود الرشوة في العصر الأول، فإنّها قد امتلأت بالأمثلة التي تؤكد أنّ الرشوة قد اكتسبت صفة الشرعية والرسمية زمن الجراكسة.
يقول المقريزي عن الظاهر برقوق: "وحدث في أيامه تجاهر الناس بالبراطيل، فلا يكاد يولَّى أحد وظيفة، أو عمل، إلا بمال، فترقّى للأعمال الجليلة والرتب السنية الأرذال".
كما أضاف أيضاً؛ أنّه اشتهرت في أيامه ثلاثة أشياء قبيحة، منها "التظاهر بالبراطيل التي يستأديها"، واقتدى الولاة به في ذلك حتى صار عرفاً غير منكر البتة".
أرسل تيمورلنك رسالة إلى الظاهر برقوق قال فيها: "وكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام وضيعتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكّام...؟".

الصفحة الرئيسية